>

وقائع حياة الببغاء في الإعلام البريطاني

هيفاء زنكنة


وصفت واحدة من اشهر مستشاري شركات العلاقات العامة، ببريطانيا، انتقائية الاعلام البريطاني في تغطيته للاخبار المفجعة، في انحاء مختلفة من العالم، بأنها تغطية خبر «الببغاء». وهو مصطلح لم اكن قد سمعت به سابقا. يعنى ان أي خبر يخص بلدا غير بريطانيا، ولو أدى الى تغيير النظام في بلد ما، أو سقوط الضحايا بالعشرات، لن يحظى بذات التغطية الاعلامية التي من الممكن ان ينالها فيما لو كان بين الضحايا ببغاء بريطاني. فوجود الببغاء البريطاني في موقع الحدث، وسرد قصة حياته، ولون ريشه، واصله وفصله ومماته، أو فوزه في مسابقة التقاط حبات عباد الشمس مع نشر صورته، هو الذي يستحوذ على اهتمام الجماهير وبالتالي يمنح الخبر قيمة «انسانية» استثنائية، ويوفر له انتشارا واسعا.
تبدو نظرية «الببغاء» الانتقائية، ولنطلق عليها مصطلح «الببغائية» بأوضح صورها، عند متابعة الاخبار والبرامج السياسية التي تبثها الاذاعة البريطانية (البي بي سي)، مسايرة بذلك الأجندة السياسية الرسمية. حيث تتلاحم الببغائية مع الأجندة السياسية، بمهنية عالية، لتتسرب الى جمهور المستمعين، طوال ساعات البث، رسالة مغلفة بـ»الموضوعية والحيادية».
هذه الرسالة هي التي ترسخ في اذهان المستمعين، عموما، خصوصا اذا كانت ذات علاقة بدول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، اي كل البلدان غير الاوروبية التي لا يعرف عنها البريطانيون الكثير، خلافا لما هو شائع عن الاطلاع المعرفي الغربي . وتحظى البلدان العربية، بحصة الأسد، في انتقائية الاخبار المبثوثة عنها، أو الاخبار التي يتم التعتيم عليها، كما هو حال العراق وفلسطين وسوريا واليمن، ما لم يتم استهداف أو اختطاف بريطاني، أو بلوغ اعداد ضحايا القصف والتفجيرات حدا لا يمكن السكوت عنه، مع مراعاة القاء اللوم على اهل البلد انفسهم وحجب أو تمويه الاسباب الحقيقية. فأهل هذه البلدان لا هم لهم غير الاقتتال والعنف هو لغة الحياة اليومية. قد لا تشير الاخبار بصراحة الى هذه « الحقيقة» الا ان كيفية صياغة الاخبار، وتقديمها، واختيار الساسة المتحاورين، وتخصيص الوقت، ومن الذي يحظى بالكلمة الاخيرة، هو الذي يرسخها، في أذهان المستمعين، لصالح «حيادية» السياسة البريطانية بل ودفاعها عن الشعوب والديمقراطية وحقوق الانسان.
تمتد مظلة التعتيم الاعلامي لتشمل تقارير منظمات حقوق الانسان الدولية ومراعاة توقيت تقديمها بما يتماشى مع السياسة الخارجية البريطانية بالاضافة الى استخدامها، احيانا، كأداة ضغط على حكومات بلدان معينة.
فالتقارير الحقوقية الدولية بشأن العراق، مثلا، وانتهاكات حقوق الانسان اليومية فيه، وسقوط الضحايا نتيجة القصف سواء من قبل امريكا أو النظام، لا يتم التطرق اليها، لأن مشاركة بريطانيا في الغزو والاحتلال، وخطابها الرسمي ينص على انهم «حرروا» العراقيين وساعدوهم على تأسيس «الديمقراطية». والديمقراطية الوليدة، حديثا، حسب التعبير البريطاني المتداول، بحاجة الى وقت كاف لتنمو. ما لا يذكره الخطاب الرسمي، ان ديمقراطية سياسة الحرب على الارهاب، التي فرضت على العراق استنادا الى حفنة اكاذيب أمريكية – بريطانية، سببت، حتى اليوم، مقتل ما يقارب المليون ونصف مواطن اما بشكل مباشر او غير مباشر، وخربت البلاد، وزرعت فتنة الطائفية، ووفرت الارضية الخصبة لنمو التنظيمات الميليشياوية / الارهابية، وأسست الفساد العام الشامل من أعلى مستويات الحكومة حتى أدناها. وهذا ما اثبته تقرير تشيلكوت الذي صدر أخيرا عن شن الحرب على العراق، بعد سبع سنوات من التحقيق. الى متاهة الاكاذيب التي فككها تقرير تشيلكوت، تضاف التقارير المحلية والاتهامات المتبادلة بين ساسة « العراق الجديد»، عن حجم الخراب الذي ساهموا في تأسيسه واستشرائه طائفيا وفسادا. من بينها تقرير اللجنة الماليّة النّيابيّة، الصادر منذ ايام، عن تهريب حوالي (312) مليار دولار منذ عام 2006 إلى الشهر التّاسع من عام 2014، استناداً على البيانات والإحصاءات الموجودة عند اللجنة. خبر كارثي كهذا، حجما ومسؤولية وانعكاسا على علاقة بريطانيا والعراق، لم يحظ ولو بثانية واحدة من الاذاعة البريطانية « الحيادية المستقلة» على الرغم من ان حوالي 200 مليار دولار تم تهريبها الى الخارج، وقد تكون بريطانيا محطة رئيسية لاستقبال هذه الاموال.
لا تقل معالجة اخبار البلدان العربية الاخرى، انتقائية وازدواجية معايير عن العراق، خاصة فلسطين المحتلة. فنعومة التعامل وكيفية اجراء المقابلات مع المسؤولين الاسرائيليين، حتى في عز حصارهم وقصفهم واغتيالهم الفلسطينيين، لم تعد خافية على أحد. ادى تعالى اصوات الاحتجاج على تغطية مأساة الفلسطينيين وفسح المجال للتبريرات الاسرائيلية الى اجراء تحقيق مستقل في حيادية البي بي سي. أوضح تقرير اللجنة أن «المحتوى الذي تقدّمه الهيئة فشل في رصد الصراع العربي- الإسرائيلي، بموضوعية، وبدلاً من ذلك عرض صورة منقوصة للأحداث، وبالتالي أصبحت التغطية في نهاية المطاف مضللة وخادعة»، و»إن تغطية الهيئة لا تعكس حجم التحدّيات والممارسات الوحشية التي يعانيها الفلسطينيّون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي» وتقديم صورة تغيب عنها حقيقة التباين بين الوضع الفلسطيني والاسرائيلي اذ «أن أحدهما مسيطر والآخر يعيش تحت الاحتلال».
لقد ساهم الاعلام البريطاني الرسمي (الاعلام الغربي عموما بحاجة الى الرصد) في تسويق احتلال العراق ومن قبله في شرعنة فرض الحصار عليه، مستخدما مفردات ومصطلحات على غرار التحرير بدلا من الاحتلال، وقوات التحالف بدلا من قوات الاحتلال، والارهابيين بدلا من المقاومة. كما عمل بجد على الغاء انسانية العراقي عن طريق تحويله الى رقم بلا وجه أو تاريخ، وتشييئه كصورة تغطيها تفجيرات من صنعه هو، لئلا يمكن التماهي معه او التعاطف مع مأساته. مرسخا، في اذهان الجمهور، ان حياة العراقي أقل قيمة من حياة الببغاء.

٭ كاتبة من العراق



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا