>

هل هذه هي الديمقراطية؟ - ولاء سعيد السامرائي

هل هذه هي الديمقراطية؟
ولاء سعيد السامرائي
■ كلف الرئيس العراقي المعين مؤخرا فؤاد معصوم عضو حزب الدعوة حيدر العبادي تشكيل الحكومة الجديدة، بدلا من نوري المالكي المنتهية ولايته والفائز بالانتخابات. وقد سارعت الولايات المتحدة، وعلى لسان رئيسها باراك اوباما الى مباركة هذا التعيين وإرسال رسالة واضحة للمالكي بالكف عن المطالبة بولاية ثالثة.
فلماذا يتم تعيين رئيس الوزراء في العراق للمرة الثالثة على التوالي بدلا من الأخذ بنتائج الانتخابات لما يسمى بالعملية الديمقراطية ومن فاز بها؟ لماذا والحال هذا تجرى الانتخابات أصلا؟ وما جدوى مثل هذه العملية المكلفة التي يتأكد انها غير ديمقراطية، وهي إجراءات شكلية ودعائية فقط؟ ولماذا لم تترك الفرصة لنوري المالكي وهو الفائز وانسجاما مع «ديمقراطية» الانتخابات للحصول على ثقة البرلمان، علما بان غالبية الكتل كانت ضد ترشحه ولم تكن لديه أي فرصة في الفوز بثقة البرلمان لتشكيل الحكومة؟
في انتخابات عام 2005 فاز الدكتور ابراهيم الجعفري لشغل منصب رئيس الوزراء، لكنه لم يتمكن من شغل هذا المنصب، لأن كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية حين ذاك، ضغطت عليه كما أعترف من على شاشه قناة العراقية، في لقاء معه قائلا، ان رايس طلبت مني التنحي ووافقت. وفي عام 2010 فازت القائمة العراقية برئاسة الدكتور اياد علاوي بالمركز الأول، فحصدت 91 مقعدا مقابل 89 لنوري المالكي، لكن المحكمة الدستورية وجدت تفسيرا يبرر حصول المالكي وحزبه ومن دخل معه في الائتلاف للفوز بتشكيل الحكومة، بدلا ممن حصد المركز الأول في الانتخابات.
وها هو المالكي اليوم يواجه نفس ما واجهه رئيس القائمة العراقية بالأمس. لعدة مرات أرسلت الإدارة الأمريكية رسائل تحذير للمالكي لحثه على الحفاظ على حكومة محاصصة متوازنة لا تطغى فيها هيمنة حزبه ومليشياته على باقي مكونات العملية السياسية، من سنه وأكراد، ونبهته مرارا على إيغاله في الهوى الإيراني المتمدد الى السماح لإيران بدعم نظام بشار الأسد بجسر جوي لإيصال السلاح، بدون جدوى، حتى يبدو أنه لم يعر أي اعتبار لرسالة واشنطن المهينة في زيارته الأخيرة التي استقبل فيها من قبل موظفة في الخارجية، وتم توبيخه من نواب مجلس الشيوخ لأدائه غير المقبول، الى اضطرار وفده الى دفع فاتورة الفندق الذي نزل فيه.
في السنوات السابقة رأينا نائب الرئيس الأمريكي بايدن يسرع الى العراق ليتدخل في حل هذه المشكلة او تلك العقدة، بين رئيس الوزراء وباقي إطراف العملية السياسية، ولعدة مرات رأينا تدخل ملادينوف مندوب الأمم المتحدة او حتى بان كي مون. الديمقراطية التي قالت الإدارة الأمريكية أنها جلبتها للعراق بعد أن انفضحت كل الأكاذيب لتسويق الغزو والحرب على العراق، ليست عمليه ديمقراطية، بل عملية محاصصة وتوافق بين كتل ومكونات وكوتا لهذه الجهة او تلك في البرلمان، لأن الديمقراطية هي غالبية ومعارضة في كل نظم الحكم الديمقراطية في العالم، تتداول الأحزاب فيها السلطة سلميا، وما يحدث في العراق ما هو الا نظام سياسي مفصل وخصخصة ناجحة تتصارع فيها الطوائف والدول لتحقيق مصالحها بالدم العراقي، هدفه خدمة الاحتلال لا خدمة الشعب العراقي الذي يطمح فعلا لحكم ديمقراطي وتعددية حقيقية.
ان خصخصة العملية السياسية العراقية في محاصصة وفرض مثال، الرئيس كردي ورئيس الوزراء شيعي ورئيس مجلس النواب سني – وفي خرق للدستور وتناف مع المبادئ الديمقراطية – هو أنجع حل لإدارة الاحتلال لإبقاء الأطراف المشتركة في صراع دائم ومستميت في ما بينها للحصول على المناصب والامتيازات الفردية، بدلا من المشروع الوطني للبناء والتنمية. ويكفي أن نرى الحصيلة «الديمقراطية» للسنوات الثماني الأخيرة من حكم المالكي رئيس وزراء، وأيضا وزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة ووزيرا للداخلية ورئيسا للقوات الخاصة ومختلف اجهزة المخابرات، وما حل بالعراق اليوم من كوارث وفواجع وانهار دماء ودموع وسجون وفساد وخراب وشرذمة، حتى بات الجميع عراقيين وعربا وأجانب مقتنعين بان العراق قد انتهى بلدا وشعبا؟
في لعبه المد والجذب بين الولايات المتحدة وإيران (الوكيل المحلي) على العملية السياسية لن تسمح الإدارة الأمريكية لأي طرف تخريب الواجهة الوحيدة، أي العملية السياسية التي بقيت لها لتحافظ على هيمنتها على بلاد الرافدين. ليس ذلك فحسب، بل أنها توعز لدول الاتحاد الأوروبي او بعض الدول العربية لتقديم دعم عسكري او لوجستي، كما في صفقة السلاح المصري والروسي. فهي لم تتكلف كل الخسائر لكي تترك إدارة العراق، مهما قيل من كلام عن ابتعاد الولايات المتحدة عن مسرح الشرق الأوسط، وكونه لم يعد من أولوياتها، لوحده او لإيران مثلا. وما إسراع البيت الأبيض وبشخص الرئيس الأمريكي اوباما لإعلان تأييده لتعيين فؤاد معصوم وتعيين حيدر العبادي وإسراع دول مثل السعودية والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية حالا لتهنئة الحكومة العراقية على هذا الانجاز الا تأكيد لهذه السياسة. بينت مقابلة الصحافي توماس فريدمان مع أوباما وبشكل واضح، ان الولايات المتحدة لا ترغب بعملية ديمقراطية بل بمحاصصة مستقرة، ليس فيها غالب ولا مغلوب، تشرف عليها: «لو لم تستفرد الأغلبية الشيعية بالسلطة، وقبلت بشراكة السنة والأكراد .. أردنا ان نشجعه – نوري المالكي – وحلفاءه على المضي في الإصلاحات السياسية وعدم الاعتماد علينا لانتشالهم من مشاكل صنعوها، ويعتقدون أننا يجب ان نحلها نيابه عنهم، وهو ما سيشجعهم على الاستمرار في السياسات الخاطئة ذاتها التي اتبعوها خلال السنوات الماضية… نحن لا نستطيع مساعدتهم ما لم يساعدوا أنفسهم. نعم يمكننا مساعدتهم ومشاركتهم كل خطوة في الطريق، ولكن لا نستطيع ان نفعل ذلك بالنيابة عنهم». وفي نهاية الحديث يوجه سيد البيت الأبيض كلامه فيقول:»رسالتنا لجميع الأطراف في العراق، أننا شركاء الجميع، ولن نرسل قواتنا لدفن المشاكل بدون حلها جذريا».
يبقى ان الولايات المتحدة ورغم كل الرسائل التي أرسلتها للمالكي للضغط عليه ليتجه بالاتجاه الذي تريده لم تتحرك عمليا خلال ثماني سنوات عجاف لوقف سياسته الإجرامية بحق الشعب العراقي لتزيحه اليوم فقط.
*
٭ صحافية من العراق
ولاء سعيد السامرائي



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا