>

هل هدف المتظاهرين في العراق تغيير هريرة؟ - هيفاء زنكنة

هل هدف المتظاهرين في العراق تغيير هريرة؟
هيفاء زنكنة


هل تتذكرون حديث «الشعب يريد اسقاط النظام»؟ و»اذا الشعب يوما اراد الحياة…»، يوم استعادت مفردات الحرية والكرامة والعدالة مكانتها ونفضت عنها الجماهير صدأ الخوف والتدجين؟
هل نحتاج التذكير وجماهير ساحات الاحتجاج والتظاهر ضد الانظمة المستبدة، الفاسدة، في البلاد العربية، لاتزال تكررها بلهجات أهلها المتنوعة، في شوارع مدنها، مضافا اليها «طلعت ريحتكم» و»نواب الشعب كلهم حرامية» و»باسم الدين سرقونا الحرامية»، بينما تواصل الأنظمة اتهام الجماهير بالعمالة حينا والإرهاب حينا آخر ؟
مع ذلك، لنذكر. وليكن العراق نموذجا. لمطالب المواطنين تاريخ يحاولون طمسه في دولة الفساد. مظاهرة أهل الموصل في نيسان 2003، بعد ايام من الغزو. مظاهرة في النجف بعدها بايام ورمي جنود الاحتلال بالحجارة. النساء امام معتقلات الاحتلال وحكومات الاحتلال المتعاقبة (أو الاحتلالين منذ دخول الميليشيات الايرانية على الخط) منذ عام 2004.
تظاهرة اهل الفلوجة امام مدرسة ابتدائية مطالبين بعودة اطفالهم للدراسة واخلاء المدرسة من قوات الاحتلال الامريكي، فكانت النتيجة الهجوم الامريكي الاكبر منذ حرب فيتنام، وقتل الآلاف وتهديم 70 بالمئة من المدينة. وكانت لساحة التحرير ببغداد والموصل والبصرة والسليمانية مشاركتها في ساحات الانتفاضات العربية. فأتهم المتظاهرون بالإرهاب وتم اعتقال واغتيال عدد من قادتهم وتسويف المطالب عبر نداءات وكلاء المرجعية الشيعية، ولملمة ساسة العملية السياسية شتاتهم لمواجهة الشعب.
واليوم؟ يواصل الشعب النزول الى الشوارع ايمانا منه بمشروعية حقوقه. لايزال الشعب، ممثلا بمتظاهريه، هو المشكلة التي يستقتل النظام لمواجهتها بكل الطرق الممكنة.
من الترغيب الى الترهيب. من توزيع مياه الشرب للمتظاهرين الى حماية المنطقة الخضراء الى اغتيال عدد من المتظاهرين ليكونوا عبرة لمن يعتبر، الى تحشيد اجهزة الاعلام لتلويث التظاهرات بصبغات مختلفة تراوح ما بين «استهداف الدولة»، كما صرح رئيس الوزراء حيدر العبادي الى العمالة لـ «قوى خارجية»، خاصة، بعد ان فشلت تهمة الطائفية، كما نقلت قناة «السومرية»، المدعومة من قبل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي قضى سنوات حكمه مكرسا تقسيم العراقيين الى أمة «الحسين» وأمة «يزيد»، خبرا مفاده ان مخطط التظاهرات «يهودي صهيوني ماسوني» من أصل عراقي. حيث اختارت القناة، تحويل الأنظار عن طامة قلة الخدمات واستشراء الفساد في حكومات حزب الدعوة أو«العراق الجديد»، طيلة اثني عشر عاما، مقارنة بما نجح فيه عراقيو «العراق القديم»، بعد ستة اشهر من العدوان الأمريكي، عام 1990، الذي ألقى قنابل تعادل ثلاثة اضعاف القوة التدميرية لقنبلتي هيروشيما وناغازاكي على بغداد والمدن العراقية الاخرى في اعادة الكهرباء وسائر الخدمات واعادة بناء حوالي 120 جسرًا جرى قصفها.
ان اجواء المظاهرات مشجعة، حتى الآن، في لاطائفيتها وفشل الأحزاب الفاعلة ضمن النظام في الاستحواذ عليها تماما، وان نجح عدد منها باختراقها ويبدو ذلك واضحا من حملة رايات وشعارات «الديمقراطية» الصقيلة، الملونة، ذات التكلفة العالية، البعيدة عن امكانيات المواطن العادي حامل قطع الكارتون المخطوطة بيده. تعاني المظاهرات، أيضا، من عدم توحيد المطالب، وجعلها شاملة لكل المواطنين. فلكل فرد ولكل مجموعة ولكل محافظة أو مدينة مطالبها، مستهدفة رموز الفساد المحلية في المحافظة أو المدينة، مما يدل على عدم وجود خطة عمل استراتيجية لتوحيد المطالب او ترتيبها حسب الاولوية. هذا الضعف يشجع مناوئيها على استنفاد طاقة المتظاهرين في مسائل ثانوية، وتضعف قدرتهم على المواصلة وتحقيق الهدف الاستراتيجي.
المتظاهرون يحتاجون الى تحقيق نجاح ما مهما كان صغيرا، لشحن طاقتهم وليس تبديدها، ولاجهزة الاعلام، دور كبير في دعم أو تلويث واستغلال التظاهرات الجماهيرية، خاصة، عن طريق الفضائيات والنقل المباشر.
فقد قامت قناة «البغدادية»، ومقرها بالقاهرة، مثلا، بتبني سياسة دعم التظاهرات الداعية الى «الاصلاح والقضاء على الفساد»، سيرا على خطى المرجعية الشيعية أولا، ثم دعمت بحماس اعلان العبادي عن «حزمة» اصلاحات أثر دعوة «المرجعية الحكيمة» ثانيا، ثم شنت القناة حملة لالقاء القبض على المالكي بعد ذهابه، أو هربه، الى ايران، في اعقاب صدور تقرير برلماني عن مسؤوليته في سقوط مدينة الموصل بيد داعش، ثم بدأت حملة «تفويض» المتظاهرين للعبادي لتنفيذ الاصلاحات الموعودة، تلاها حملة المطالبة بالقاء القبض على رئيس القضاء الاعلى.
توالي هذه المطالب وبسرعة مع عدم تنفيذ النظام لأي منها، على الرغم من حماس القناة ولجوئها الى تكريس بثها كله لدعم التظاهرات، يقلل من ثقة الجمهور بالدور القيادي، الممثل للشعب، الذي رسمته لنفسها، مع احترامنا حسن النية. وكأن توالي المطالب وتغيير التركيز عليها، لم يكن كافيا، بدأت القناة بشن حملة تطالب بالقاء القبض على رئيس البرلمان، ومعاقبته بتهمة الخيانة، لأنه زار الدوحة، أخيرا، وسرت الشائعات بانه حضر مؤتمرا عقدته وزارة الخارجية القطرية، المتهمة بالإرهاب الداعشي، بحضور جهات معارضة للعملية السياسية ومنها حزب البعث، المتهم بانه داعش.
ولست معنية، هنا على الاقل، ببحث مجريات اللقاء او تبرئة رئيس البرلمان سليم الجبوري، فالأخير جزء من العملية السياسية الفاسدة وأية محاولة لتبرئة هذه او ذاك من ساستها، لن يؤدي الا الى تجزئة النضال الجماهيري، وبالتالي اشغال المتظاهرين بمسائل ثانوية هم في غنى عنها، ويكفيهم ما يتعرضون له من مخاطر تمس حياتهم.
ما يعنيني هو جدوى فتح جبهات كهذه وتأثيرها على ديناميكية الاحداث من أجل تحقيق الهدف الرئيسي للمتظاهرين، والتساؤل لا يعني قناة «البغدادية» وحدها. ان خلق شعارات المطالب المتعددة، وان كانت لتلبية حاجات شريحة من الناس، يشتت الجهود ويضعف حماس المتظاهرين، بينما يفتح ابواب التسويف والمماطلة واسعة امام الساسة، بالاضافة الى منح الفاسدين منفذا ووقتا لاتخاذ الخطوات المضادة لدحر المتظاهرين. حينئذ سيكون اقصى المنجز من تظاهرات كان المفترض منها تغيير النظام، هو تغيير هريرة بينما تبقى القطط السمان متنعمة بلحم الشعب.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا