>

مقاتل العراقيين!

جمال محمد تقي

لم يصل كم ونوع حمامات الدم في العراق إلى معدلات غير مسبوقة ومتواترة عبر تاريخه المعاصر كما هو الحال اليوم، وهذا اليوم المثخن بجراحات ومجازر الاحد الدامي والاثنين الدامي والثلاثاء الدامي والاربعاء الدامي والخميس الدامي والجمعة الدامية والسبت الدامي يوشم كل الزمن العراقي الحاضر باستطالة وتربيع وتثليث وتكعيب وتمديد وتدوير وتدحرج متواترالانحدار ككرة الثلج من أعلى هرم الزمن المتخثر منذ يوم 9 نيسان/ابريل 2003 وحتى الان نحو قاع الحضيض حيث نهاية العراق وكتابة شهادة وفاته وكتابة شهادة ميلاد ثلاث دويلات متنازعة الحدود.
دويلات برسم الترسيم، والامر ليس سرا ولا طلسما بشهادة الواقع اولا وبشهادة الشاخصين والعارفين فيه ثانيا من هنري كيسنجر إلى جو بايدن إلى بيتر غاليبيرث إلى جون تشيلكوت، تشهد عليه حالة الانفلات الامني المستدامة باعتراف القاصي والداني من مراجع النجف إلى توني بلير، تشهد له الاعتقالات غير القانونية والسجون السرية، والاعدامات العلنية والسرية التي تجاوزت الآلاف بحسب منظمات حقوقية دولية، يشهد عليه واقع التهجير والنزوح القسري الطائفي والاثني، يشهد عليه واقع الترمل والتيتم والجوع المليوني واقع القتل المليوني واقع الفساد الشامل والفلكي واقع الانحطاط الامني والتعليمي والصحي والخدمي واقع الافلاس السياسي والاقتصادي والفكري، تشهد عليه جرائم اليورانيوم المنضب ومذابح ساحة النسور وابوغريب، واقع الاقصاء والاجتثاث، واقع التغيير الديمغرافي للمناطق المختلطة وتدمير المدن العاصية كما حصل ويحصل في ديالى والفلوجة الابية وجرف الصخر والنخيب وسنجار وطوس خرماتو وسامراء والزبير والدجيل وبلد والانبار، يشهد عليه واقع استكمال مسلسل التفكيك والتشظي يشهد عليه واقع فقدان اي شكل حقيقي من اشكال السيادة الوطنية ارضا وبحرا وجوا، حتى اصبح العراق مضربا للامثال في الفشل والشلل والتخبط والتبعية والفساد والاستبداد الفوضوي الذي ينذر بجرائم الابادة والفصل الطائفي والاثني والتي ستكون ذريعة الامر الواقع باتجاه الخضوع لمشروع التقسيم القادم لا محال طالما بقي الحال على ماهو عليه!
هذه الحقائق الدامغة هي دافع واقعي يبعث بالاكثرية من البقية الباقية من العراقيين على مشاعرالحنين للدولة الوطنية التي اسقطها الاحتلال الأمريكي والتي تجسد حقيقة كون صدام حسين كان آخر رئيس فعلي لها، وان الذين انخرطوا في جريمة احتلالها وتخادموا مع المسار التبعي للمحتلين أمريكان او إيرانيين هؤلاء الذين هندسوا عملية سياسية ودستور ومجالس مهلهلة متنافرة العناصر بديكور انتخابي لا يؤدي إلا لتكريس الانعزال الطائفي والاثني على اساس ممثلي المكونات وحصر الاختيار فعليا بهم وبمن ينوب عنهم، هم شلل شريرة وفاسدة لا تتوانى عن ممارسة الإرهاب السلطوي وغير السلطوي للمحافظة على مغانمها وعلى مواقعها ضمن المرحلة الانتقالية الممتدة منذ اسقاط الدولة الوطنية حتى الانتهاء من مشروع اقامة دويلات عراقستان حيث ستكون بداية جديدة لهم كلا منهم مع مكونه وبتنازع لا يخدم سوى تنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي يقزم كل دوله ويعملق دولة اسرائيل!
واقع حل الجيش العراقي واقامة بديل اسمي وبمؤهلات غير وطنية تخدم المشروع التحاصصي يجعل من الميليشيات هي البديل المؤكد طال الوقت ام قصر وهنا يتحصن اصحاب السلطة من الشيعة بالميليشيات التي تتبادل الادوار مع تشكيلات الجيش الحكومي والاكراد يتمترسون خلف جيشهم الميليشياوي البيشمركة، واريد للسنة ان يتحصنوا خلف ميليشيا الصحوات لكنها اصطدمت بكونها مرهونة الوجود بارادة السلطة الطائفية في بغداد وعليه اصبحت هي الضلع الاضعف بين ضلوع مثلث المكونات، وهذا ما استثمر داعشيا لاجتياح اغلب المناطق الغربية!
كل المؤشرات تدل على استمرار نزيف الدم العراق حتى بعد القضاء على داعش وربما باكثر قوة من ايام انفجار مرقد الامامين العسكريين في سامراء عام 2006 ومن تفجيرات الكرادة وسيد محمد، خاصة إذا استثمرت إيران اكثر في مجال تحجيم ادوار غير الموالين لها في العراق، وسيترشح عن ذلك قتال كردي كردي وكردي شيعي وشيعي سني وكردي سني وربما شيعي شيعي وسني سني ايضا، ليخوض الجميع حربا اهلية حقيقية يتوالى على تحريكها وتسييرها كل الدول الصديقة والعدوة من اسرائيل إلى أمريكا وإيران وتركيا وحتى الكويت ناهيك عن السعودية والاردن، والخاسر الوحيد منها هو الشعب العراقي بكل تفاصيله لأنه سيخسر نفسه ومقدراته، حتى وان تدخلت قوات حماية اممية تابعة للامم المتحدة لأنها لو تدخلت سوف لن تكون سوى قوات فصل بين حدود المناطق السنية والشيية والكردية وليس مستبعدا ان تكون احياء بغداد هي الاخرى مرشحة لفصل قوات حفظ السلام الاممية!
ان تجاوز حالة الانتهاء تلك لن يتم من دون الاقرار بان الذي حصل في عام 2003 هو جريمة تاريخية كبرى بحق العراق وشعبه وان تجاوزها لن يتم من دون اعتذار معلن من كل مرتكبيها ومن كل المحرضين عليها، ومن دون تقديم التعويضات عنها من قبل كل الدول التي قامت بجريمة الاحتلال، اما القوى التي تعاونت مع المحتلين فعليها ان تعيد كل الاموال والممتلكات التي استولت عليها او سرقتها وان يكون القضاء ملزما بمحاسبتها، وان تقر باحقية استبعادها عن العمل السياسي بنفس طول فترة تسلطها، وكل هذا لن يتم من دون ثورة شعبية عابرة للطائفية والاثنية تطيح بكل اصنام وقواعد اللعبة الاحتلالية، غير ذلك سيكون للعراقيين مقاتل تفوق مقاتل الطالبيين بالعديد والعدد !

٭ كاتب عراقي



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا