>

مصير العرب بين منتجعي «سوتشي» و«كامب ديفيد» - رأي القدس

مصير العرب بين منتجعي «سوتشي» و«كامب ديفيد»
رأي القدس


يبدو تتبع رحلات وزير الخارجية الأمريكية المحمومة من بلد إلى آخر، أمراً صعباً لكنّ تحليل هذا المسار الجغرافي المعقد قد يكون مفيداً لفهم أين تتجه إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في العالم، وكيف سيكون انعكاس ذلك على العرب.
بعد لقائه بوزراء خارجية الخليج العربي في باريس يوم الجمعة الماضي للتحضير للقمة الخليجية ـ الأمريكية (التي تبدأ اليوم في واشنطن وتنتهي غدا في منتجع كامب ديفيد) توجه جون كيري إلى منتجع سوتشي على البحر الأسود للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
بعد ذلك سيذهب كيري إلى تركيا ليحضر اجتماعاً لحلف دول شمال الأطلسي (الناتو) ثم يطير مجدداً إلى واشنطن ليحضر مأدبة على شرف زعماء الخليج العربي يذهب بعدها إلى الصين وكوريا الجنوبية.
لا نتوقّع أن يتمكن القادة العرب من التمتع بمناظر المنتجع الشهير الذي سمّاه الرئيس الأمريكي الراحل فرانكلين روزفلت «شانغري ـ لا» تيمناً بالفردوس التيبتي المفقود الذي ورد ذكره في رواية لكاتب إنكليزي، والذي التقى فيه برئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عام 1943 للتخطيط لغزو الحلفاء لأوروبا، كما شهد أحداثاً تاريخية أخرى كزيارة الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف.
وإذا كانت ذكريات العرب الطاغية على اسم كامب ديفيد تذكّر بمرحلة «السلام» المصري مع إسرائيل وانفكاك «الشقيقة الكبرى» عن العرب، وبمحاولة تل أبيب إخضاع الفلسطينيين خلال اجتماع ضم الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس وزراء إسرائيل إيهود باراك عام 1990 وباء بالفشل، فإن سوتشي، لمن لا يعلم، تذكّر المسلمين الشركس بمذابح دموية هائلة تعرّضوا لها في القرن الثامن عشر دفعتهم للهروب الجماعي بدينهم إلى تركيا وسوريا والأردن وفلسطين، وتجعل أحفادهم الذين ما زالوا موجودين هناك يرفضون حتى الآن صيد السمك في البحر الأسود الذي ألقيت فيه جثث الآلاف من أجدادهم.
تزامنت زيارة كيري لبوتين مع كشف المعارضة الروسية لأدلة واضحة على التدخّل العسكري الروسي الصارخ في أوكرانيا، وهو السبب الأساسي في التباعد الذي حصل بين موسكو وواشنطن منذ غزو شبه جزيرة القرم في آذار/مارس 2014، وبالتالي فإن كسر الحظر الأمريكي السابق على «القيصر» رغم أن القتلى الأوكرانيين ما زالوا يتساقطون، يدلّ على أن ملفّاً أكثر ثقلاً فرض على الأمريكيين تجاهل الدم الأوكراني، وهو يدفع بأسهم الطرق إلى ملفّات الشرق الأوسط المعقّدة والتي يدور الصراع حولها من اليمن إلى لبنان.
توافق القطبان الأمريكي والروسي، ضمن مجلس الأمن، على القرار اليمنيّ، كما أنهما متوافقان على الخطوط العامّة في العراق (روسيا تسلّح الجيش العراقي وأمريكا تدربه)، وهما متواجدان معاً على طاولة المفاوضات حول المشروع النووي الإيراني، ولا شيء على الأرض يدلّ حتى الآن على قرار أمريكي بإسقاط الرئيس السوري بشار الأسد الذي تدافع عنه روسيا دفاعاً مستميتاً، لأن الأولوية لدى واشنطن، من اليمن إلى سوريا، هي لمكافحة «الدولة الإسلامية» و«القاعدة»، وليس مكافحة الأسباب التي صنعتهما (وهو يتصادى مع ما أعلنه وزير خارجية روسيا عن أن صراع روسيا الأساسي هو الإسلام الجهادي وليس مع الغرب)، وبغض النظر عن البلاغة الحماسية الروسية حول القضية الفلسطينية فإن علاقات موسكو الحميمة مع تل أبيب تنافس علاقاتها مع واشنطن، بحيث نجد أن ما يجمع «الخصمين» الكبيرين في سياساتهما الاستراتيجية أكبر بكثير مما يفرقهما.
والنتيجة أن اجتماعات سوتشي وواشنطن وكامب ديفيد ستتمخض عن محاولات لإقناع العرب بقبول نتائج الاتفاق القادم مع إيران لا بتغيير الواقع القائم في اليمن والعراق وسوريا، وهو الأمر الذي يجعلنا نفهم لماذا يمكن أن يشعر أربعة من أصل ستة من قادة دول الخليج بـ«توعّك صحي» يمنعهم من التمتع بجماليات منتجع كامب ديفيد ومن الاستئناس بصحبة الزعيم الأمريكي المفوّه وخفيف الظل باراك أوباما.
على هذا الفالق الجغرافي (والتاريخي) الكبير بين سوتشي وكامب ديفيد يجري عملياً بحث مصير العرب، والدلائل تقول إن آلهة الأولمب لديها أولويات كبرى لا تتطابق بالضرورة مع مصالحنا، فهل يتمكن العرب من فرض أولوياتهم والدفاع عن مصالحهم أم سنجدهم يوماً ما وقد توقفوا عن صيد السمك في البحار التي تطل على بلدانهم وهم يحدّثون أحفادهم عن الفردوس المفقود؟

رأي القدس



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا