>

في نعي المخابرات لممثل والحنين لزمن رأفت الهجان

رأي القدس


تفاعل المصريون والعرب بطريقة لافتة مع حدث وفاة الممثل القدير محمود عبد العزيز، وكانت الوفاة مناسبة لردود فعل بارزة تختلط فيها شؤون السياسة، بشكل كبير، مع التقدير الواضح الذي يكنّه الجمهور لهذا الفنان الكبير.
كان مثيراً للجدل، أن الكثير ممن استذكروه أو كتبوا عنه في وسائط التواصل الاجتماعي قد تحدثوا عن وفاة «رأفت الهجان»، أي الشخصية الأكثر شهرة في عالم دراما الجاسوسية المصرية، بدلاً من استخدام اسم الفنان المعروف به، وهو ما يعني، أن أثر شخصية الممثل صار علماً على الممثل نفسه.
الحدث الآخر الذي أثار الاهتمام والملاحظة هو خبر نعي المخابرات المصرية للفنان، وهو أيضاً أمر ذو دلالة مهمة، لأن عبد العزيز لم يكن الممثل المصري الوحيد الذي مثّل دور جاسوس مصريّ في إسرائيل (كما فعل الفنان نور الشريف في «الثعلب»)، ولكنه كان الوحيد، حسب الخبر، الذي حظي بهذا التقدير من المخابرات المصرية.
معروف طبعاً أن مسلسل «رأفت الهجان»، الذي ألفه وكتب السيناريو له الكاتب الراحل صالح مرسي، وشاركت فيه نخبة من الممثلين المصريين، كان قد بدأ عرضه عام 1987 وأنه شكّل، آنذاك، ظاهرة شعبية حيث أن الشوارع كانت تخلو من المارّة أثناء عرضه، وأن ذلك دفع بالممثل إلى قمّة الشهرة.
حفر هذا المسلسل في وجدان الجماهير العربية لأنه فتح نافذة أمل في المجابهة الوجودية مع إسرائيل، ولأنه وضع مصر، أكبر الدول العربية، بالتعارض مع الدولة العبرية وذلك حين كان جرح اتفاقات كامب ديفيد لم يبرد. كان نوعاً من الرغبة باستعادة مصر في هذه المعركة المصيرية ولكنّه، من جهة أخرى، كان تعويضاً نفسيّاً عن واقع يزداد رسوخاً استبدل فيه الحكم المصريّ الصراع مع إسرائيل باتفاق سلام معها، وكان التعاون الاستخباراتي، في الحقيقة، جزءاً من هذا «السلام»، وليس العكس!
يحيل الحزن على محمود عبد العزيز واستذكار بطولاته الدرامية إلى حالة نوستالجيا (حنين مرضيّ) إلى زمن سابق على حكم الرئيس الراحل أنور السادات، وخلفه، الرئيس المخلوع، حسني مبارك، حين كانت المخابرات المصرية، بالفعل، جزءاً من صراع حقيقي مع إسرائيل، وهي نوستالجيا تزداد أحوالها تفاقماً في حالة الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي، الذي كان، قبل تولّيه وزارة الدفاع (والانقلاب على الرئيس محمد مرسي) رئيساً للمخابرات الحربية والاستطلاع، أي الجهاز المسؤول عن نظائر رأفت الهجان وأسلافه الكرام.
إن تبيان حقيقة ما يفعله الجهاز آنف الذكر حاليّاً بالعلاقة مع موضوع النزاع العربي – الإسرائيلي يمكن أن يعطي جرعة أكبر من الحنين إلى ظاهرة رأفت الهجان ولكنّه، أيضاً، قد يجعل هذه الظاهرة شكلاً من أشكال الإعاقة العقلية التي تريد أن تتعامى عن الواقع وتكتفي ببطولات الماضي التي لم تعد لها أي علاقة بالحاضر.
إن نعي جهاز المخابرات المصرية للفنان الراحل قد تدخل، بدورها، في إطار استعادة أمجاد الماضي، ولكنّها، قد تذكّر أيضاً، بصفحات أليمة من ذاك الماضي نفسه، الذي لم يكن كلّه بطولات ضد العدوّ، بل دخلت ضمنه صفحات سوداء للإساءة للمصريين، ومن بينهم الفنانون والفنانات، الذين حاولت المخابرات المصرية استخدام بعضهم كمخبرين وتدجينهم وإهدار كراماتهم في سبيل مصالح ضباط الأمن وليس لصالح مصر.
هذا كان حال المخابرات المصرية في الماضي الذي جمع بين المجد والاستبداد، فما بالك بحالها اليوم؟



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا