>

في معاني الحملة على صلاح الدين الأيوبي - رأي القدس

في معاني الحملة على صلاح الدين الأيوبي
رأي القدس


شن كاتب مصريّ معروف حملة على شخصية تاريخية هو صلاح الدين الأيوبي بطريقة لم يسبقه إليها كاتب أو سياسي أو مؤرخ عربيّ أو أجنبي فاعتبره «أحقر الشخصيات في تاريخ الإنسانية» وأنه «ارتكب جرائم حرب بحق الفاطميين» وأتبع ذلك باتهامات شائنة أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي.
الأمر الأكيد والواضح في هذه الحملة هو الرغبة في إثارة ضجيج إعلاميّ كبير سلاحه الأساسيّ هو معارضة وقائع تاريخيّة قديمة بأسلحة الإعلام العامّ الحاليّ (الظهور على فضائية ثم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي) وبمفاهيم واقع شديد البعد والاختلاف عن الشخصية والعصر اللذين يتحدث عنهما، كما أنّه يحارب أفكاراً تاريخيّة وشعبية وأدبية وسينمائية شديدة الرسوخ والتأثير في الوجدان العربي والغربيّ معاّ!
ترتكز الحملة إذن على حيلة ركيكة لا تسحب شخصية صلاح الدين من سياقها التاريخي والمعرفي بشكل كاريكاتوري فحسب بل تقوم بتأويل فظّ مجتزأ لحقبة تاريخية معقّدة جدّا ولشخصية أجمع مؤرخون أجانب وعرباً على تفوّقها الإنسانيّ والحضاري (ناهيك عن العسكريّ والسياسي) على أقرانها، وثبوت تعاملها المتسامح والمليء بالمروءة مع خصومها وأعدائها، وكذلك صلابتها في المعارك وتغييرها، عمليّاً، مجرى التاريخ العربي والمصريّ، وهو أمر، سواء كان الأمر بمقاييس سياسات الماضي والحاضر، لا يمكن أن يجري على طريقة المهاتما غاندي ومارتن لوثر كنغ، بل تتخلّله معارك وسفك دماء.
لكنّ الحقيقة أن رغبة الاستعراض والتعالم الإعلاميّ والهرطقة التاريخية تخفيان أيضاً مآرب ومقاصد سياسية حاليّة، فرغم استخدامها مصطلحات المدوّنة الحقوقية الحديثة (من قبيل «جرائم الحرب») لمحاكمة رمز تاريخي قديم فإن المطلوب منها اتهام شخص كان حيّاً قبل قرابة ثمانمئة وخمسين سنة بجرائم الحرب للدفاع عن طغاة حاليين، يصحّ القول فعلاً إنهم مجرمو حرب!
لعل الجريمتين الحقيقيتين اللتين يحاكم صلاح الدين عليهما هي أنه، أولاً، استطاع جمع جيوش أهل العراق والشام ومصر وليبيا وحرّر بيت المقدس منتصراً على الغزاة الفرنجة الذين اضطهدوا، بالمناسبة، لا سكان الأرض من المسلمين فحسب، بل كذلك المسيحيين واليهود، وثانياً، أنه أنهى الدولة العبيدية المسمّاة بالخلافة الفاطمية، وكلا الفعلتين، يتمّ قراءتهما حاليّاً بمقاييس الصراعات السياسية الحاليّة، وتوظّفان، عمليّاً، ضد الاتجاهين السياسيين، القومية العربية و»الإسلام السياسي».
يلقى هذا الاتجاه تعاطفاً ودعماً من قبل تيّارات فكرية وسياسية ودول، تجمع بين مناصري الاستبداد العربيّ، وأنصار نظام وليّ الفقيه الإيراني في مرحلة مدّه العسكريّ ونفوذه المتطاول على أربعة بلدان عربيّة، وأخيراً أنصار إسرائيل من مدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان ومقارعة «التابوهات» ورافعي شعارات الليبرالية الفكرية.
لقد اتّفق أغلب المؤرخين الغربيين على اعتبار صلاح الدين نموذجاً للتفوق الحضاري الإنساني وعلى كونه علامة تاريخية فارقة في القدرة على التسامح مع أعدائه، كما عزّز أدباء وسينمائيون غربيون هذه الصورة، أما عرب العصر الحديث فقد حاولوا استلهام الشخصية وتوظيفها فكريّاً وسياسياً، كما فعل جرجي زيدان في رواية عنه، ويوسف شاهين في فيلم «الناصر صلاح الدين»، وتلاقت هذه الشخصية مع صعود الدولة الناصرية وآمال الوحدة العربية بين سوريا ومصر، كما وجد هوى لدى الفلسطينيين باعتباره بطل حطين ومحرّر القدس.
الحملة على الأيوبي، بهذا المعنى، هي انتقام الحاضر البشع من الماضي القريب، المرتبط بأحلام النهضة والقوّة والوحدة العربية وتحرير فلسطين، والماضي البعيد، الذي يجري انتزاعه من سياقاته القديمة والحديثة وتهشيمه، في سياق كبير يبرّر فيه الهجوم على الماضي فظاعات الحاضر وأهوال المستقبل.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا