>

عن معاني إهانة الصين لأوباما في قمة العشرين

رأي القدس


في الأيام القليلة التي سبقت قمة العشرين في هانغتشو الصينية، وهي مدينة يسكنها قرابة 9 ملايين نسمة منعت السلطات مرور وسائل النقل الخاصة والعامّة، وأوقفت ورشات البناء، وحصل السكان على عطلة أسبوع مدفوعة (وتم تشجيعهم على مغادرة المدينة)، كما أوقفت المصانع في الإقليم (وبينها 200 معمل لتصنيع الحديد) عن العمل وذلك لتخفيف نسبة التلوّث الهائلة في تلك البقعة الجغرافية.
يبدو هذا الإجراء الجبّار (غير الممكن الحصول إلا في دولة مركزيّة ذات موارد كبرى كالصين) إشارة إلى اهتمام بكّين بقضية التلوّث المرتبطة باحترار الأرض والذي توّج باتفاق بين أكبر بلدين ملوّثين للبيئة للكوكب، الولايات المتحدة الأمريكية والصين، (المسؤولين عن 31% من نسبة التلوث العالمي و20% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون)، على إقرار مقررات اتفاق باريس للمناخ العالمي.
لكنّ هذه الإشارة لا تخدم إلا وجهاً واحداً من الوجوه الكثيرة للصين والتي تقول فيها إنها تتفهّم مساوئ آثار اقتصادها الضخم وعدد سكانها المهول ومستوى التلوّث الصناعي والبيئي على العالم، غير أن بكين تريد أيضاً أن تؤكد قضايا أخرى كثيرة تشغلها، فخلف كواليس هذه المصافحة التاريخية بين زعيمها شي جينبينغ والرئيس الأمريكي باراك أوباما، تدور معارك كثيرة.
وعلى عكس الصورة التوافقية المذكورة عاملت بكين أوباما خلال زيارته الأخيرة بطريقة محسوبة بدقّة لإشعاره بالإهانة والصغار، فخلافاً لكل الزعماء الحاضرين فإن المسؤولين الصينيين لم يوفّروا لزعيم أقوى دولة في العالم سلما للنزول من طائرته بينما فرشت السجاد الأحمر لزعماء الهند وروسيا وكوريا والبرازيل وبريطانيا، مما أجبر أوباما على الخروج من مخرج صغير خاص في طائرته الرئاسية.
وكي لا يكون هناك شك في أن ما فعلوه كان مقصوداً فإن المسؤولين الصينيين واجهوا احتجاجات مرافقي أوباما بالقول: «هذه بلادنا! هذا مطارنا!»، وكان المقصود من ذلك بالطبع، إظهار قدرة الصين على تحدّي واشنطن وعلى إظهارها ضعيفة، وهو أمر تكرّر بأشكال مختلفة مع المسؤولين والصحافيين الأمريكيين خلال الزيارة.
يمكن أن نعزو ذلك طبعاً إلى قضايا عديدة منها الخلاف المتجدد حول تمدّد بحريّة بكين في بحر جنوب الصين وفي تزايد انتشارها العسكري وهو ما يثير مخاوف حلفاء أمريكا كاليابان والفلبين، وكذلك في انزعاجها من انتقادات واشنطن المستمرة لانتهاكات حقوق الإنسان فيها، إضافة لمواضيع أخرى منها استخدام بكين لقرصنة الانترنت للحصول على أسرار عسكرية وصناعية غربية.
لكن السبب الأكبر لكل ما يجري هو أن الصين صارت في موقع اقتصاديّ ينافس الولايات المتحدة الأمريكية بقوّة وأنّ قيادتها تشعر بالحاجة لترجمة هذا الموقع الاقتصادي إلى نفوذ سياسي وعسكري ليس على مستوى قارّة آسيا فحسب بل على مستوى العالم أجمع.
يضاف إلى ذلك أن الصين (وكذلك باقي بلدان مجموعة العشرين) يشعرون بتراجع أمريكا وإنهاكها وضعف إدارة أوباما وانكفائها أمام القضايا العالمية الشائكة في مقابل صعود شخصيات مثل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتفكّك الاتحاد الأوروبي، وصمود أنظمة الاستبداد العربية، وصعود التطرّف العنصري وحركات الإرهاب.
لا يعني كل ذلك أن الصين هي مثال العالم المقبل فالازدهار الاقتصادي الكبير الذي يعتمد على مركزية الدولة وعدد السكان الهائل والخبرات العلمية والصناعية المتراكمة لا يمكن أن يصمد، على المستوى الاستراتيجي البعيد، إذا لم يتمّ حلّ التناقض الكبير بين النظام السياسي المغلق والمعادي للديمقراطية والاقتصاد الرأسماليّ الذي يحتاج إلى طاقات وإبداعات كل سكان الصين، وليس نخبة الحزب الشيوعي المصطفاة فحسب.

رأي القدس



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا