>

عمو علي… احتفاء بحماة الذاكرة المهددة في العراق

هيفاء زنكنة

هناك خبر سار، بشرتنا ألينور روبسون، مديرة مجلس أمناء المعهد البريطاني لدراسة العراق، بلندن، ونحن على وشك الإصغاء لمحاضرة عن مملكة الحضر (مملكة عربايا)، أقيمت تكريما لذكرى شيخ منقبي الآثار العراقيين محمد علي مصطفى (الفلوجة 1911 – 1997)، المعروف بـ «عمو علي» تحببا. ألقى المحاضرة عالم الآثار واثق إسماعيل الصالحي، الذي عايش عمو علي وعمل معه خاصة أثناء إعادة ترميم مملكة «الحضر». الخبر السار هو أن حجم الخراب الذي سببه تنظيم (الدولة) «داعش» في مدينة نمرود الواقعة على مبعدة 20 كيلومترا، شرق الموصل، أقل مما أشيع عنه، والأمل كبير في ترميم ما هدم.
والترميم والاستدلال، عبر النصوص المكتوبة، على عظمة تاريخ العراق القديم، وحماية الذاكرة الجماعية، هو الثروة الحقيقية التي ساهم فيها الآثاريون العراقيون، منذ الثلاثينيات، لتأسيس لبنة العراق الحديث. بدءا من فؤاد سفر وطه باقر ومحمد علي مصطفى إلى من تدرب على أيديهم من آثاريين ساهموا في إنجاح حفريات العراق وبقية البلدان العربية. فلتدريب بشير فرانسيس على التنقيب «أرسله ساطع الحصري، مدير الآثار عام 1936، إلى الكوت للالتحاق بالبعثة التنقيبية هناك والتي ضمت نخبة من رواد التنقيب بينهم شيخ الحفارين والمنقبين الأستاذ المهندس محمد علي مصطفى»، كما يذكر الآثاري علي طالب.
أجتمع في « الحضر»، جنوب غرب مدينة الموصل، عام 1951 عدد من كبار آثاريينا وعلى رأسهم فؤاد سفر وعمو علي اللذان ألفا كتابين يعتبران من أهم كتب المصادر العالمية عن مدن الحضارات القديمة هما «الحضر: مدينة الشمس» و « أريدو». وإلى عمو علي يعود الفضل في رسم خرائط العديد من المواقع الأثرية. إلى ذلك يشير عالم الآثار جان- ماري دوران، بترجمة حسيب الياس حديد « ففي العام 1954 قام المهندس محمد علي مصطفى بتصميم أول خارطة كنتورية لموقع تل النبي يونس، في نينوى، تعد الأولى من نوعها».
شكلت التنقيبات في « الحضر» علامة فارقة في حياة كل من شارك فيها لتنعكس على حياة جيل الآثاريين الشباب الذي تلاهم، ساردين في لقاءاتهم الصحافية وكتاباتهم، فيما بعد، عن تلك الحقبة التي ساهمت في تشكيل وعيهم. كانت المهنية والتواضع سمة اولئك الآثاريين، وكان عمو علي نموذجا، إذ لم يكن محبا للظهور الإعلامي، ونادرا ما أجرى مقابلة صحافية. كان همه الوحيد هو العمل، قريبا من تلك المدن الأليفة، المدفونة تحت الأرض، لتصويرها هندسيا والإصغاء لحكايات ومآثر ساكنيها، رافضا المناصب الإدارية، لئلا يحرم من متعة الإمساك بلحظة الاكتشاف الأولى التي بقي أمينا لها، ونقلها بإخلاص المعلم إلى كل من تدرب على يديه «كان القيام بالمسح الآثاري برفقة وإشراف المرحوم محمد علي مصطفى متعة بحد ذاته، إلا أنه كان بجانب ذلك درساً ميدانياً لا ينسى. بالتأكيد كان بالنسبة لي درساً عملياً يعادل كل ما تعلّمته خلال سنوات الدراسة الجامعية عن الفخّار وتصنيفه وأشكاله وألوانه والعصور التاريخية، أو ما قبلها، التي يعود إليها، لم أنسه أبداً»، كتب الآثاري الراحل بهنام أبو الصوف في مذكراته.
كان للحضر في حياة عمو علي مكانة متميزة، بقيت ملازمة له حتى رحيله، إذ أقام فيها على اختلاف مراحل التنقيب، وكان مسؤولا عن رسم خرائط وترميم أجزاء أساسية منها، أشار إليها الأستاذ واثق في محاضرته. كان اهتمامه تاريخيا، أيضا، إذ دحض اكتشاف المملكة وقبائلها العربية ما كان شائعا عن انتهاء حضارة وادي الرافدين بسقوط بابل، لتصبح» الحضر» رمزا للاستمرارية الحضارية ونقطة الوصل مع الحضارات الأخرى، منافسة روما منذ القرن الثاني قبل الميلاد، ومقاومة محاولات غزوها بأساليب معمارية وعسكرية مبتكرة من بينها رمي الرومان المحاصرين للمدينة بالحشرات السامة. ولم تسقط مملكة عربايا أمام الغزو الساساني، في القرن الثالث بعد الميلاد، إلا نتيجة خيانة داخلية من قبل نظيرة ابنة الملك، فيما يعرف تاريخيا بـ «خيانة نظيرة». وهي خيانة تدفعنا إلى استحضار واقعة غزو العراق عام 2003، كأن التاريخ يكرر نفسه ولو بشكل ملهاة.
وهذا ماكان عمو علي يكرره، وأنا أصغي إليه، أثناء استضافتي في بيته، مع عائلته، لمدة ثلاثة أشهر قبل مغادرتي العراق عام 1975. كان، وهنا يكمن سحر الآثاري موسوعي المعرفة، لأنه يوصل الحاضر بالماضي، ويعيد الظواهر والعادات والتقاليد، وكل ما يدور حولنا، إلى أصولها، فلا شيء في يومنا ينبع من العدم كما أنه ليس خلقا مقدسا لا يمس. من مواكب العزاء في بابل إلى هيمنة الملوك وتعظيمهم في آشور إلى صعود تموز من العالم السفلي ليخلص الناس، كما المسيح من الخطيئة. إنها سيرورة مستمرة تعترضها أحداث قد تزيد من عظمتها أو تحولها إلى ملهاة مضحكة مبكية. الملهاة التي تعرض لها عمو علي، هي اعتقاله مع عالمي الآثار طه باقر وبشير فرانسيس، أثر انقلاب 1963 البعثي. عن سبب الاعتقال كتب بهنام أبو الصوف في ذكرى رحيل طه باقر « كان من أحرار الفكر وعلماني العقيدة ممن يوصفون كوزموبوليتين والتقدمية، كما كان معظم زملائه في الآثار كذلك، ومنهم فؤاد سفر وبشير فرانسيس ومحمد علي مصطفى ومحمود العينه جي».
أحيل عمو علي على التقاعد 1968 إلا أنه بقي يداوم، متوجها يوميا، بمواظبة لامثيل لها إلى «الدائرة» ليساعد الزملاء والطلاب، بحثا وإرشادا وحتى كتابة للأطروحات، تاركا أثرا لا ينسى على آثاريي المستقبل ومن بينهم حامد خيري الحيدر الذي التقاه مدة ساعة فقط كافية «لتكمل الصورة التي كنت قد رسمتها عنه في مخيلتي من خلال قراءتي لمؤلفاته وبحوثه العلمية واكتشافاته الأثرية الكبيرة، كذلك ما قاله عنه أساتذتنا الجامعيون ومنقبو الآثار الذين عملوا معه وتتلمذوا على يديه. كل ذلك جعلني أتأثر به إلى حدٍ بعيد حتى دون أن التقيه، لأجعل منه مثلاً أعلى وقدوة أتعلم منها في مسيرة حياتي الآثارية».
بذات اللغة كتب عالما الآثار البريطانيان ديفيد وجوان أوتس، مرثية عمو علي قائلين بأنه كان العمود الفقري لأية عملية تنقيب في العراق. كان، أيضا، صديقا للفنانين والموسيقيين. وهو ما انعكس بوضوح على لوحة «الموكب البابلي» للفنان حافظ الدروبي، التي تناقش الاثنان حولها طويلا (حضرت النقاش أحيانا)، وكانت النتيجة: عملا فنيا حديثا يستند إلى تراث حضاري عريق، أي ما كان الاثنان يهدفان إليه في حياتيهما.

٭ كاتبة من العراق



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا