>

عقارب ساعة التاريخ تعود إلى الوراء؟

رأي القدس

تداول البريطانيون نكتة بعد الاستفتاء الذي صوّتوا فيه على الخروج من الاتحاد الأوروبي تقول: «مع التوقيت الشتوي على البريطانيين إعادة عقارب الساعة إلى الوراء 60 دقيقة ما عدا الذين صوتوا على «بريكزيت» لأن ساعاتهم عادت طبيعياً ثلاثين عاماً إلى الوراء».
المراقب لما يحصل في العالم حاليّا لا يمكن أن يعتبر هذه الفكرة طرفة فهناك مؤشرات كثيرة تدل على نزوع عالمي عارم للعودة بعقارب ساعة التاريخ إلى الوراء.
ينطبق هذا طبعاً على ما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية من حدث انتخاب دونالد ترامب رئيساً تحت شعار أساسيّ في حملته الانتخابية هو: «إعادة أمريكا عظيمة»! وهو شعار يحيل إلى ماض فهمه الناخبون بطرق مختلفة، فالبيض البروتستانت الأنغلو ساكسون اعتبروه إحالة إلى ماض يمتدّ من غزوهم للقارة الأمريكية وصولاً إلى فترة الانتصار في الحرب العالمية الثانية التي كرّست أمريكا دولة عظمى واقتصادها الصناعي أكبر اقتصاد في العالم، بينما اعتبرته الأقليات والسود والأمريكيين اللاتينيين على أنه انقلاب على الحقوق التي اكتسبوها منذ الحرب الأهلية مروراً بعقود النضال ضد التمييز والعنصرية خلال القرن الماضي والتي يُعتبر انتخاب باراك أوباما تتويجاً لها.
ينطبق الأمر أيضاً على دولة إسرائيل التي قامت على ادعاء عودة حكم اليهود الذي كان موجوداً قبل ألفي عام وتأسيس لدولة بمفعول رجعيّ يلغي سكان الأرض العرب ولا ينتهي بإعلان القدس عاصمتها «الأبدية» وإقامة هيكل مزعوم فوق أركان المسجد الأقصى، وهي أطروحة تزداد هذه الأيام شراسة وضراوة تحت دعوى اعتراف الفلسطينيين والعرب بـ «الدولة اليهودية».
في الجهة الأخرى من العالم نجد الزعيم الروسي فلاديمير بوتين يحاول، محفوفا برعاية الكنيسة الأرثوذكسية، إعادة الامبراطورية الروسية التي تفككت أعمدتها مع سقوط الاتحاد السوفييتي، ولكنّه هذه المرّة يعود بحسّ انتقاميّ وبرغبة لا سابق لها في التمدد من أقاصي سيبيريا وبحر اليابان إلى البحر الأسود والبحر المتوسط.
تستعيد المنطقة العربية بدورها، ولكن من موقع المظلومية والتهميش والتكسّر والدوران في فلك المصالح الأجنبية، هذه العودة الماضوية من خلال تيّارين كبيرين، الأول يمثّله تنظيم «الدولة الإسلامية» ونظائره غير المشعة، والذي يرتكز خطابه الافتراضيّ على استعادة زمن الخلفاء المسلمين الأوائل، والتيار الثاني تمثّله الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق ولبنان واليمن، وهي تستعيد بدورها معركة أبدية يكون فيها شركاء الوطن أحفاد يزيد بن معاوية الذين يجب الانتقام منهم والقضاء عليهم.
وعلى جانب المتوسط الآخر الذي شهد بدء الحضارة الصناعية الأخيرة نشهد أيضاً صعود خطير لقوى اليمين العنصري في فرنسا والنمسا وألمانيا وهولندا وغيرها وكلّها، بشكل أو بآخر، تردد شعارات إعادة العظمة المفقودة أيام الاستعمار، وتجد ضالّتها وخصمها في المهاجرين الذين لجأوا إليها فأفسدوا فردوسها المفقود، ناسية أنها تسببت بحربين عالميتين أنتجتا كوارث لا سابق للبشرية بها، وأن جزءاً كبيراً من عظمتها وغناها نابع من سرقة منظمة وموصوفة وإبادات جماعية لحضارات أخرى يندى لها جبين الإنسانية.
يعبّر تفشّي هذه الارتدادات التاريخية المحمومة عن أزمة بنيوية عالمية غير مسبوقة تجد الإنسانية فيها نفسها أمام ثقب أسود كبير يلتهم أحلامها السابقة عن سلام يحلّ في العالم بعد حروب أفنت عشرات الملايين، وحضارة وصل تقدّمها إلى درجة صارت قادرة فيها على تهديد الكوكب الذي تعيش عليه بالفناء، سواء بتلويثها البيئة أو بأسلحتها للتدمير الشامل.
ولعلّ أسوأ ما في الأمر أن المتحمسين هؤلاء لإعادة عقارب الساعة مئات أو آلاف السنين لا يرون من الهوّة التي توشك على ابتلاع الجميع سوى أعدائهم.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا