>

طارق عزيز حرا… متى ينعتق سجانوه؟ - رأي القدس

مقالات - طارق عزيز حرا… متى ينعتق سجانوه؟ - رأي القدس

طارق عزيز حرا… متى ينعتق سجانوه؟
رأي القدس


لم يكن طارق عزيز الذي قالت تقارير انه توفي امس مسجونا في جنوب العراق اثر اصابته بازمة قلبية حادة، مجرد وزير خارجية عراقي اسبق، بل رمزا لمرحلة تاريخية استثنائية شهدت احداثا دراماتيكية وتحولات استراتيجية كبرى، مازالت تبعاتها المحلية والاقليمية والدولية قائمة حتى اليوم.
وعلى الرغم من ان حكما ديكتاتوريا دمويا كالذي شهده العراق في عهد الرئيس الراحل صدام حسين لايسمح عادة الا برأي واحد، وسياسة واحدة يقررها رأس النظام، الا ان طارق عزيز نجح لنحو عشرين عاما في ان يقود دبلوماسية بلاده عبر منحنيات صعبة وفترات عصيبة من الحروب والحصار والعقوبات.
وتمكن بخبرته الدبلوماسية الواسعة في الحفاظ على تحالفات استراتيجية ومد الجسور مع منظمات دولية كالامم المتحدة، بل والتوصل الى اتفاق تارخي معها وهو (النفط مقابل الغذاء) ما انقذ العراق من مجاعة محققة نتيجة لاشتداد العقوبات الاقتصادية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
وبالطبع فان التاريخ يبقى صاحب الكلمة الاخيرة في الحكم على هكذا شخصية بما لها وعليها، بعد ان اسهمت في صنع مسارات استراتيجية، ولكن الذاكرة ستحفظ لعزيز حتما مواقف ذات دلالات في احداث مفصلية شهدها العراق والاقليم والعالم.
ومن تلك المواقف ان عزيز الذي يتحدث الانكليزية بطلاقة اصر في العام 1988 اثناء المفاوضات مع ايران حول انهاء حرب الثماني سنوات على الا يتحدث الا باللغة العربية.
وعندما التقى بوزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر في جنيف اثناء جهود الوساطة الدبلوماسية قبيل حرب الخليج الثانية في العام 1991 رفض ان يتسلم منه رسالة رئاسية، بعد ان رأى انها تحوي اهانات تمس كرامة العراق، وبقيت الرسالة على الطاولة بعد مغادرة الوفدين، وهو ما شكل رسالة بأن الحرب حتمية، وان الشرق الاوسط لن يعود ابدا كما كان.
ولا يعني هذا تأييدا لقرار غزو الكويت، بل تنويها بدور الدبلوماسي الوطني الملتزم بالدفاع عن كرامة بلاده حتى لو لم يكن مقتنعا بسياسات حكومته وقرارتها.
ولقد كان معروفا ان نظام صدام استخدم طارق عزيز بلغته الانكليزية المتينة، وديانته المسيحية، ليقدم صورة حضارية متسامحة تجميلا لصورة نظامه في الخارج. ولم يكن لعزيز اي دور في ادارة الشؤون الداخلية للحكم، وهو ما جعله يقدم على تسليم نفسه في نيسان/ أبريل عام 2003 لقوات الاحتلال الأمريكية التي أطاحت بصدام واثقا من انه ليس لديه ما يخشاه حيث ان يديـــه لم تتلوثا بالدماء.
الا ان نظام «المحاصصة الطائفية» الذي ابتكره الاحتلال الامريكي كان مهووسا بالانتقام الاعمى من كل رموز عهد صدام بغض النظر عما اذا كانوا ارتكبوا ما يمكن معاقبتهم عليه ام لا.
وهكذا حكم على طارق عزيز بالإعدام بعد تسليم نفسه بسبعة أعوام اثر ادانته بـ«اضطهاد الأحزاب الإسلامية في عهد صدام»، وهو اتهام يشي بالعقلية الطائفية التي وقع العراق في قبضتها، ومازال.
وبالحديث عن الطائفية والطوائف في العراق، فانه لامر مشروع ان يتساءل المراقب اليوم اين وصلت اوضاع الاقليات مثل المسيحيين والايزيديين والشبك وغيرهم كثير تحت الحكم الحالي الذي كال الاتهامات لمن سبقوه.
وبعد ان رفض عزيز الذي يعاني منذ سنوات امراضا في القلب، عرضا بالعفو عنه مقابل ان يدلي بشهادة تدين صدام، قرر سجانوه ان يصموا اذانهم عن مناشدات انسانية عديدة لاطلاق سراحه، رغم تحذيرات الاطباء من خطورة السجن على حياته، وهكذا وجد نفسه ضحية لانتقام مزدوج.
وبالامس نال طارق عزيز حريته اخيرا، ولم يعد محتاجا لاحد، لكن يبقى السؤال متى ينعتق سجانوه من احقادهم وهوسهم بالانتقام؟

رأي القدس



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا