>

صعود الترامبية: العالم على حقيقته

رأي القدس


يسجل انتصار دونالد ترامب المرشح الجمهوري في الانتخابات الأمريكية صعوداً حقيقيا لما بدأت وسائل الإعلام تسميه بـ«الترامبية» بما هي ظاهرة سياسية وليست شخصاً فقط.
كي نستطيع وضع تعريف لهذه الظاهرة يجب أن نقرأها في سياقها الأمريكي الحاليّ الذي قام ترامب عمليّاً بالكشف عن أشرس ما يعتمل فيه، معتمداً على فظاظة هائلة في التعبير عن أفكاره، ما ساهم في موجة استقطاب حاد جرفت في خضمها عشرات الملايين من الأمريكيين الذين صوّتوا له وتمكنوا من إيصاله إلى المنصب الأخطر في بلادهم والعالم.
اشتغل ترامب على سردية أنه من خارج «المؤسسة الأمريكية» (على عكس خصمه هيلاري كلينتون التي هي زوجة لرئيس سابق ووزيرة خارجية سابقة)، كما استخدم أسلوبا ناجحاً لدى القادة الجماهيريين (والفاشيين عموماً) قائماً على الشعارات الفضفاضة (من قبيل إعادة أمريكا عظيمة)، وعلى تحريض جزء من الشعب ضد مكوّنات محددة فيه كالمسلمين والمكسيكيين والمهاجرين عموما)، وهو أمر سمح له بإقناع ملايين الناخبين من الفقراء البيض الذين تأثرت مصالحهم بفعل تراجع بعض صناعات تقليدية كالسيارات والحديد والمناجم، وأقرانهم الذين يعتبرون المهاجرين الجدد تهديداً لامتيازاتهم ووظائفهم وشعورهم بالتفوق، وكذلك سكان يمثّل ولايات اليمين المسيحي (الحزام الانجيلي)، إضافة إلى كل من يشعرون بأن «السيستم» الأمريكي يهمشهم ولا يهتم بهم.
لكن المفاجأة الكبرى كانت بالتأكيد، أن قسماً كبيراً من الأمريكيين غير البيض والأمريكيين اللاتينيين والسود (حتى المسلمين) والذين لم يوفّرهم ترامب ومناصروه من التهديد والوعيد ساهموا بدورهم في إيصاله إلى الرئاسة!
تحدث المخرج الأمريكي الشهير مايكل مور قبل أشهر عن أن ترشح ترامب كان مجرد فكرة دعائية لبرنامجه التلفزيوني ولكنّه ما لبث، مع النجاح غير المتوقع لأدائه الجماهيري وشعبيته التي أخذت تكتسح كل منافسيه الجمهوريين الواحد بعد الآخر، أن مقاييس الأمور اختلفت وأن اللعبة الصغيرة تحوّلت إلى اتجاه سياسي جارف يعبّر عن وضع أمريكي وعالمي جديد، وبهذا المعنى فإن ظاهرة ترامب هي طاقة هائلة للتدمير كان المجتمع الأمريكي (والعالم) يختزنها ووجدت في ترامب المعبّر الأمثل عنها.
غير أننا نظلم هذه الظاهرة، لو قصرناها على صفات هذه الشخصية الغرائبية التي تجمع بين مزايا متناقضة، من كونه مليارديراً ناجحاً (ومتهورا أفلس عدة مرات)، إلى كونه نجما لبرنامج لتلفزيون الواقع يدرك سبل التلاعب بعواطف الجمهور، وليس انتهاء بدعم التيارات العنصرية في الغرب له أو بحكاياته الفضائحية المتعلقة بالتحرش بالنساء واحتقار الأقليات وتجسيده الأنانية التي تحتقر الضعفاء.
بالتالي وإذا أردنا فهم الظاهرة التي وجدت ممثلها الأمريكي في ترامب فعلينا قراءة معانيها القصوى ودلالاتها التي تتجاوز ترامب وأمريكا (رغم أنها البلاد التي يمكن أن تعطيها تأثيرها الأعظم)، وممثلوها الآخرون لا يقلون فضائحية وشراسة وخطرا على العالم وعلى رأسهم أشخاص مثل فلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو وبشار الأسد، كما أن معانيها تشمل بالتأكيد صعود التيارات «الفاشية» والعنصرية الحديثة في الثقافات العالمية كافّة، وبينها طبعا تنظيم «الدولة الإسلامية» (رغم أننا نستطيع التأكيد على أنه إحدى نتائج السياسات الأمريكية المتعاقبة من جورج بوش حتى باراك أوباما)، إلى الأحزاب العنصرية الغربية التي تكتسب كل يوم أنصارا جدداً، مثل حزب «الاستقلال» الذي ساهم في إقناع أغلبية بريطانية بالخروج من أوروبا (ما يذكر بجدار المكسيك الترامبي)، وحزب «الجبهة الوطنية» الفرنسي، و»بيغيدا» الألماني، ونظائرها الأخرى في هولندا وسلوفاكيا والنمسا وغيرها.
وإذا كان منطقيّا ومفهوماً أن يدعم ترامب أنصار زعماء مثل بوتين والأسد وعبد الفتاح السيسي (يداً بيد مع منظمات تدافع عن الشفافية العالمية مثل «ويكيليكس»!)، وكان مفهوماً أيضاً أنه يمثل رغبة كبرى بالتغيير اجتاحت الأمريكيين لكن جزءاً عظيماً من المسؤولية يقع على خصومه أنفسهم، وعلى رأسهم باراك أوباما (وكلينتون نفسها) وسياساته التي أدّت فعليّا إلى تمدّد نفوذ روسيا في المنطقة العربية، واستفحال نفوذ إيران، واستتباب الأمور لطغاة العرب وصعود التطرف والإرهاب عالميّا.
غير أن الميّزة التي ستطبع حقبة ترامب هي أننا سنرى العالم على حقيقته.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا