>

حفاظا على ما تبقى من الدولة - يحيى الكبيسي

حفاظا على ما تبقى من الدولة
يحيى الكبيسي
Aug 31, 2018

فجأة، ومن دون أية مقدمات، تصدر المفوضية العليا المستقلة للانتخابات استمارات تتعلق بالتحالفات السياسية، وتلزم الجميع بتسجيل التحالفات البرلمانية في دائرة تسجيل الأحزاب، قبل الجلسة الاولى لمجلس النواب المقرر عقدها يوم الاثنين القادم.
في البداية كان الظن أن الأمر مجرد سوء فهم من المفوضية العليا للانتخابات لطبيعة صلاحياتها اولا، وسوء تأويل للمادة القانونية المتعلقة بتشكيل التحالفات السياسية الواردة في قانون الأحزاب رقم 36 لسنة 2015، تحديدا المادة 29/ أولا التي تتحدث عن حرية الأحزاب بتشكيل تحالفات سياسية، وأن تقوم بتسجيل هذا التحالف في دائرة الأحزاب في المفوضية. فبالنسبة لسوء الفهم الاول لم تنتبه المفوضية إلى أن النظام السياسي في العراقي نظام برلماني، وأنه لا يمكن لجهة تنفيذية، وفقا لقرار المحكمة الاتحادية العليا الذي عد الهيئات المستقلة جزءا من السلطة التنفيذية، ان تتدخل في شؤون تتعلق بمجلس النواب، وأن مسألة تسجيل التحالفات داخل البرلمان هي من سلطة رئيس المجلس ونائبيه حصرا! أما بالنسبة لسوء التأويل فان المفوضية العليا المستقلة للانتخابات لم تنتبه إلى أن القانون يتحدث عن التحالفات السياسية بين الأحزاب المسجلة، ولا يتحدث عن الكتل البرلمانية! خاصة وأن المفوضية نفسها سمحت بتسجيل كيانات انتخابية ليست مسجلة كأحزاب أصلا، كما في حالة تحالف النصر! وبالتالي كيف يمكن لهذا التحالف ان يسجل نفسه في تحالف سياسي يتعلق بالأحزاب المسجلة حصرا كما ينص على ذلك القانون!
ولكن تطورات الموضوع اكدت أن هذه الاستمارات انما تأتي في سياق الصراع السياسي المتعلق بتشكيل الكتلة الأكثر عددا التي تحظى بمنصب رئيس مجلس الوزراء. فتحالف الفتح ـ دولة القانون يريد حسم مسألة الكتلة الأكثر عددا قبل الجلسة الاولى لمجلس النواب، وبما أنه يعتمد بشكل أساسي على المنشقين عن تحالف النصر، وعلى قوى أعلنت تحالفات جديدة بعد الانتخابات استقطبت المنشقين عن القائمة الوطنية، فان هذه الاستمارات تقدم لها حلا مثاليا لتجاوز أية عقبات ممكنة باتجاه اعلانه الكتلة الأكثر عددا! أما التحالف الذي اجتمع في فندق بابل الأسبوع الماضي، وأعلن ما أسماه «نواة الكتلة الأكثر عددا»، فقد تعرض طرفان من أطرافه الأربعة إلى انشقاقات أفقدته الكثير من نوابه. فتحالف الوطنية الذي حصل على 21 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، فقد 17 نائبا من نوابه انضموا إلى المحور الوطني، ولم يبق معه سوى 4 نواب! اما تحالف النصر، الذي حصل على 42 مقعدا في الانتخابات، فهو مهدد بفقدان أكثر من ثلثي نوابه في حالة تمكن التحالف الأول من تحقيق الكتلة الأكثر عددا! لهذا يعتمد تحالف «النواة» على تأويل قرار المحكمة الاتحادية الإشكالي الخاص بتفسير الكتلة الأكثر عددا، فقد عرف القرار «الكتلة النيابية الأكثر عددا بأنها الكتلة «التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة حازت على العدد الأكثر من المقاعد»، او «الكتلة التي تجمعت من قائمتين أو أكثر من القوائم الانتخابية ثم تكتلت في كتلة واحدة ذات كيان واحد في مجلس النواب». وان رئيس الجمهورية سيكلف مرشح من «الكتلة النيابية التي أصبحت مقاعدها في الجلسة الاولى لمجلس النواب أكثر عددا من الكتلة او الكتل الأخرى»! لن ندخل في نقاش هذا العبث المتعلق باشتراط الجلسة الاولى! وسنكتفي بنقاش التأويل الذي تستند اليه هذه الكتلة بأن المعول عليه هنا هو القوائم الانتخابية، وبأن رئيس هذه القائمة الانتخابية يستطيع أن يقدم لرئيس مجلس النواب المنتخب توقيعه الخاص على التحالف، وان هذا التوقيع سيعني عدد المقاعد التي فازت به هذه القائمة، وأن لا قيمة أو اهمية لأي انشقاق أو انسحاب حدث في هذه القائمة بعد اعلان نتائج الانتخابات! هكذا يكون توقيع رئيس قائمة الوطنية يساوي 21 نائبا افتراضيا، وليس 4 نواب حقيقيين! وبالتالي ستكون هذه الكتلة في الجلسة الاولى هي الكتلة الأكثر عددا افتراضيا وليس واقعيا!
لقد بدا واضحا من ردود أفعال الأطراف السياسية أن المفوضية العليا «المستقلة» للانتخابات قد أدخلت نفسها في الحقيقة في سياق الصراع السياسي! فالمستفيدون من اعلان استمارات التحالف أبدوا تأييدهم المطلق للمفوضية، وتزاحمت قياداتهم على المفوضية معلنين تأييدهم لإجراءاتها «القانونية»! أما المتضررون فقد تمكنوا من إصدار قرار عن مجلس الوزراء برفض أي إجراء تتخذه المفوضية لأنها موقوفة عن العمل بموجب قانون أصدره مجلس النواب «لحين الانتهاء من التحقيق في جرائم التزوير» التي رافقت العملية الانتخابية. إلى هنا كان يمكن أن يكون الأمر طبيعيا، ولكن أن يصدر عن المفوضية وأعضائها بيانات وتصريحات ترفض فيه قرارا صادرا عن مجلس الوزراء، وان يصل الأمر إلى القول إنه «لا قيمة قانونية لأي تحالف غير مسجل لدى المفوضية» في تحد صارخ لقرارات مجلس الوزراء، فنحن ندخل هنا في منعطف خطير، وهو استخدام القوى السياسية الفاعلة لمؤسسات الدولة أدوات في صراعها السياسي، أي الإطاحة بشكل بما تبقى من الدولة في العراق، بعد أن تمت الإطاحة بمحتواها.
في الصراعات السياسية التي حكمت العراق بعد 2003، كان الفاعلون السياسيون المهيمنون يستخدمون مؤسسات الدولة جميعها كأدوات، وكان الجميع يضطر للإذعان! أما اليوم فعلاقات القوى لم تعد تتيح لطرف ما التفرد باحتكار الدولة، وضمان إذعان الآخرين. وبالتالي ليس ثمة خيار سوى الوصول إلى صيغة تتيح تقاسم ما تبقى من الدولة بين الفاعلين الرئيسيين المتحكمين بالسلاح والشارع، أو فتح أبواب الجحيم على مصراعيها!

٭ كاتب عراقي



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا