>

حرب أمريكا الثالثة على العراق - أمير المفرجي

حرب أمريكا الثالثة على العراق
أمير المفرجي
لم تكن التصريحات الأخيرة لأول قائد لسلطة الاحتلال الأمريكي في العراق لصحيفة «الغارديان» البريطانية حين قال «إن العراق قـُسم بالفعل وعلينا أن نقبل ذلك. فالعراق الذي كنا نعرفه قد انتهى»، بغريبة ومناقضة للتحليلات الكثيرة، في ما يتعلق بموضوع احتلال وتدمير بلاد الرافدين، وكيفية تعاطي الإدارات الأمريكية المتتابعة مع ملف هذا البلد ومستقبله السياسي والحضاري المؤثر في منطفة الشرق الأوسط.
وكما لم تكن التصريحات الأخيرة للعقيد تيم كولنز، الضابط السابق بالجيش البريطاني الذي شارك مع حلفائه الأمريكان في الحرب حين قال «ان بريطانيا صنعت العراق عام 1920، عبر ضم ثلاث ولايات كانت تابعة للدولة العثمانية، وهي البصرة الشيعية والموصل الكردية وبغداد السنية، وبات من الصعب الحديث عن أمة عراقية».
وعلى الرغم من عدم أهمية وفعالية هذه التصريحات، انطلاقا من كون مصادرها قادة سابقين لقوات التحالف العسكري الغربي، إلا ان خطورة مضمونها وعلانية نشرها في هذا الوقت بالذات، جاءا بعد احد عشر عاما من بدء عملية الاحتلال و7 أعوام من قرار بايدن «غير الملزم» المعنون للكونغرس الأمريكي، والهادف الى تقسيم العراق. وهذا ما قد يفسر بوجود علاقة بين هذه التصريحات وتزامنها مع تداعيات المشهد العراقي، وتطوراته في الوقت الحاضر. اذا ما أخذنا بعين الاعتبار خطورة الوضع السياسي والعسكري والاجتماعي للكيان العراقي المريض، بعد الهيمنة السريعة وغير المتوقعة لمجاميع «الدولة الإسلامية» على مساحة شاسعة من التراب العراقي، وظهور مشروع الخلافة الذي أكل الزمان عليه وشرب من حالة السر إلى العلن. وقد تكون للعلاقة بين هذه التصريحات الخطيرة وما يحدث في الساحة السياسية والعسكرية وتزامنها مع تصريحات القادة الغربيين عدة أسباب، حيث أصبح من السهولة فك رموزها ومن ثم فهمها عن طريق المعطيات المتوفرة التي حصل عليها متتبعو المشهد العراقي، والتي افرزها وضع الكيان العراقي الجديد وعلاقته الأخيرة التي رسمت له بالحديد والنار والطائفية، من أجل ربطه مع الإستراتيجيات الغربية والإقليمية (أمريكية وإيرانية) وجعله في النهاية في خدمة مصالح الآخرين منذ 2003 ولحد الآن.
احد هذه المعطيات الخطيرة للمشهد العراقي الجديد، هي هذه العلاقة الجديدة التي ربطت البلد بالمد الإقليمي الفارسي من جهة، وإستراتيجية الغرب بمحيط العراق الإقليمي، خصوصا الإيراني من جهة أخرى. وهنا لا بد من الإشارة الى ان تزامن التصريحات الأخيرة لقادة الغرب العسكريين بتقسيم العراق، مع قرب نجاح مفاوضات أمريكا مع إيران في ما يتعلق بالملف النووي، قد يرفع الغطاء عن مشروع إعلان تقسيم رسمي واتفاق سري بين واشنطن وطهران في «سايكس ـ بيكو» أمريكية ـ إيرانية جديدة. وهذا ما يفسر اكتساب مشروع بايدن السيئ الصيت للصفة غير الملزمة في 2007، نظراً لعدم وجود أو اكتمال اتفاق رسمي وشامل آنذاك بين الجانبين الأمريكي والإيراني، اللذين شاركا في جريمة احتلال العراق.
وهذا ما يثبت ويكشف ان قرار تقسيم العراق ما كان له ان ينجح لولا الدعم الإقليمي والإيراني، وهذا ان دل على شيء فانه يدل في الوقت نفسه على ظهور إشارة ضعف لقدرات الإدارات الأمريكية المتتابعة في إنجاح مشروع الهيمنة والانتقال والعمل المشترك مع الجانب الإيراني المستفيد الوحيد من حالة تشرذم المنطقة، عن طريق إدخال دول عالمنا العربي ـ الإسلامي في حلبة الصراع الطائفي والعرقي (الشيعي ـ السني) ومن ثم الشروع بإضعافها وتفكيكها، ومن ثم إعادة تقسيمها من جديد، حيث تكمن الرغبة الاستعمارية عن طريق المطالبة بتقسيم العراق، وفي هذا الظرف العصيب بالذات، لتجنب الهزيمة والفشل في عملية هضم العراق، وطمس أسس وجوده وحقيقة قيامه كوطن وأمة، بعد أن جرت جيوش الاستعمار ذيول الخذلان والهزيمة بانسحابها من العراق في 2011 معلنة فشل مشروعها في بلاد الرافدين.
وبهذا وبقرب إيجاد اتفاق نهائي للملف النووي بين الغرب وإيران، أصبح من الممكن سماع وقراءة العديد من التصريحات المؤيدة لقرار التقسيم،التي يحاول من خلالها الإعلام الغربي فرضه كمطلب داخلي، واعتباره مخرجاً إنسانياً للأزمة العرقية والطائفية للداخل العراقي، بعد فترة حكم نوري المالكي الطائفي، ودور هذا الأخير الشخصي في اضطهاد المكون العراقي السني وولادة ظاهرة ما يسمى «دولة الخلافة»، وبالتالي كشف وتوثيق مسؤولية قياداتها في الجرائم البربرية التي يندى لها الجبين بحق العراقيين. كما انها مثلت أخيراً التبرير المناسب للتدخل العسكري الغربي في الدول التي ترزح تحت الحروب بحجة التدخل الإنساني. إذ انّ المجازر التي حدثت في الموصل وسنجار، هي مجازر على درجة عالية من الانتقائية وتمتلك بعداً استراتيجياً دينيا وعرقيا. وهكذا ترتبط الوقائع الأخيرة، بما حملته من مشاهد وجرائم بحق الإنسانية مع مصلحة الإستراتيجية الأمريكية، من خلال تفسير بسيط لقرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأخير في7 اغسطس/آب، حيث ترجم خطاب اوباما شئنا أم أبينا العذر المناسب الذي يلائم الأهداف الأمريكية المعلنة في التدخل في العراق وتوافقه مع محدودية اقتصاره في الوقت الحاضر على التعامل مع «الأزمة الإنسانية» في جبل سنجار والموصل، لأن الولايات المتحدة وكما يقول الغرب جاءت للدفاع عن الشعب العراقي ومكوناته الأصيلة من القتل والتدمير، وإنها «دفعت إلى التدخل نتيجة تقدم مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية»، وتحت أعذار فشل توقعات أجهزة الاستخبارات الأمريكية في رصد هذه المجموعات التخريبية. فهل سيصدقها العراقيون؟ لا أدري من سيصدق ان أمريكا جاءت لحماية المسيحيين والأيزيديين، وهي التي شاهدت تمركز وتمدد مجاميع المرتزقة على الأراضي السورية والعراقية، ولم تتدخل إلا بعد ان وقعت هذه الجرائم انسجاما مع استراتيجيتها التي تقول بأن الولايات المتحدة قد تستخدم القوة العسكرية «حين يتهدد المدنيون أو مصالحها». يريدون ان نُصدق انها «المنقذ للشعب العراقي» وان طائراتها المقاتلة التي تستعملها الآن تقلع من حاملة الطائرات «جورج بوش الأب» وهي آلة السلاح التي سميت بهذا الاسم تكريما لحرب بوش الأب الأولى ضد العراق عام 1991. يريدون ان نُصدق انها «المنقذ للشعب العراقي» في الوقت الذي قضي على الملايين من المدنيين العراقيين جراء حرب الحصار.
من يستطيع أن يصدق أن أمريكا هي «المنقذ للشعب العراقي» وهي نفسها التي هاجمت بغداد بأطنان من القنابل، واحتلت العراق بجيوشها ومرتزقتها، ومن ثم قامت بتسليمه إلى إيران بحجج امتلاك العراق «أسلحة الدمار الشامل» الكاذبة، ودعم «تنظيم القاعدة». هيهات ان نصدق كل هذا… الحقيقة هي في أحداث ووقائع وحجم الجريمة التي بدأت بحصار، ومن ثم بحرب احتلال، وها نحن نعيش الحرب الثالثة التي هي ـ لا سمح الله ـ حرب التقسيم والتفتت والاندثار.
٭ كاتب من تيار المواطنة العراقي

أمير المفرجي



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا