>

حجة الوداع لباراك حسين أوباما!

رأي القدس


سيكون باراك أوباما أول رئيس أمريكي يحضر قمة خليجية (اليوم الخميس)، غير أنه من غير المتوقع لهذا الحضور المهم لزعيم أغنى أمّة في العالم وأكثرها قوّة وسطوة أن يخفّف الصدع الحاصل في العلاقات بين دول الخليج العربيّ وأمريكا والذي ساهمت سياسة باراك أوباما مساهمة كبيرة في صنعه.
ولعلّ قرابتنا الرمزية، كعرب، بهذا الرئيس، وآمالنا الكبيرة فيه باعتباره مواطنا أمريكيا عالميّا، من أب مسلم من كينيا، لا ينتمي لسلالة الفاتحين الأمريكيين الأوائل من «الواسب» (البيض الأنغلوساكسون البروتستانت) ذي الميول اليساريّة المعتدلة (هناك صورة معبّرة له مع إدوارد سعيد في وقفة تشبه وقفة التلميذ مع أستاذه) قام جزء من دعايته الانتخابية على رفض التدخّل العسكريّ الأمريكي في أفغانستان والعراق.
ساهم أوباما، في بداية عهده، في تعزيز تلك الصورة والتي تاقت لها أحلام ورغبات العرب والمسلمين، ففي نيسان/إبريل وأيار/مايو عام 2009 التقى بملك الأردن عبد الله الثاني وبرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (وبرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طبعاً) وطرح في خطبته الشهيرة في جامعة القاهرة التي افتتحها بتحية الإسلام ثم بآية من سورة الأحزاب تصوراته حول التطرّف والصراع الإسرائيلي الفلسطيني والأسلحة النووية (وإيران) والديمقراطية وحرية المعتقد وحقوق المرأة والتطور الاقتصادي.
منذ ذلك الحين (قرابة سبع سنوات) طرأت على العالمين العربيّ والإسلامي تغيّرات هائلة، فبعد تلك «السلام عليكم» الأولى، التي نطقها باراك حسين أوباما بالعربيّة، بأقل من سنتين، عصفت الثورات بالمنطقة فغيّرتها تغييراً جذرياً، ومن إرث أوباما الذي سيورثنا إيّاه لن نجد من كل النقاط التي أثارها أي شيء تحقّق… غير اتفاقه النوويّ مع إيران!
فباستثناء الموضوع الأخير فإن القضايا الأخرى أثبتت نكوصاً ذريعاً لأوباما، بدءاً من الفلسطينيين الذين كانوا قبل أشهر من خطبته تلك شهدوا حرب «الرصاص المصبوب» عليهم، ثم قاسوا عام 2014 عدواناً كبيراً آخر… وأما التطرّف العنيف الذي جنّدت واشنطن جيوش حلفائها الجرارة لمحاربته في أفغانستان والعراق، ووظّف أوباما سياسته الخارجية للحدّ منه، فقد أنتج تطرّفا أكثر عنفاً بكثير وأشد اتساعاً ووصلت آثار هجماته وضرباته إلى كافة القارّات والأمم، ولنضرب صفحاً، بعد ذلك، عن الديمقراطية وحرية المعتقد وحقوق المرأة والاقتصاد فإثارة تلك القضايا ستثير آلاماً وأوجاعاً لا تطاق.
وإذا تركنا كل تلك الشؤون السياسية جانباً وأمسكنا خيطاً واحداً فحسب من تلك التركة التي سنتذكر فيها أوباما، فسنتذكر قضية ربطه بالإسلام، وهو أمر أثار جدلاً كبيراً في أمريكا أكثر مما في العالم الإسلامي حتى، وخصوصاً في صفوف اليمين الأمريكي الذي أخذ على الرئيس تلك الرابطة التي تربطه بذلك الدين من جهة والده (بعضهم كان يسميه باراك حسين أسامة، نسبة لبن لادن)، والتي اشتغل عليها خصومه، ومنهم دونالد ترامب، الذي قال إن أوباما ليس أمريكياً حتى.
الحقيقة التي يجب أن تقال إن أوباما ناله من تلك الرابطة أذى كثيراً، ولكنّ ما نالنا، كعرب ومسلمين، من أذى شديد من سياسة أوباما الخارجية أكبر مما يوصف، ويحتاج تعداده لقائمة طويلة من المآسي، لكنّها، بطريقة ما، يرتبط أغلب عناصرها بطرفين رئيسيين: إيران وإسرائيل، فالأولى تُركت تتمدّد وتساعد الطغيان في العراق وسوريا ولبنان واليمن، والثانية استمرّت في فجورها البشع ضد الفلسطينيين.
بعد ذلك كلّه يقوم أوباما، في شرح «عقيدته السياسية» في مجلة «ذي أتلانتيك» بسرد مونولوج يحمّل العرب والمسلمين أسباب ما حصل لهم برؤية، لا تختلف في عمقها العنصريّ، عن رؤية عدوّه الأيديولوجي ترامب، وهو يعني، في النهاية، أن مشارب «المؤسسة» الأمريكية تلتقي في عداء العرب والإسلام، حتى لو كان الرئيس أسود وابنا لمهاجر مسلم.
من الطريف أن أوباما، خلال زيارته الشهيرة إلى القاهرة زار جامع السلطان حسن رفقة وزيرة خارجيته آنذاك، هيلاري كلينتون، وفيما قامت كلينتون بارتداء حجاب احتراماً لتقاليد المسلمين، فإن أوباما رفض ارتداء الخفّ المخصص للسيّاح وسار بجواربه، وهي حركة قد لا يكون لها معنى… وربما يكون! أيّاً كانت العناصر التي تعتمل في داخل أوباما تجاه تلك الرابطة الإشكالية مع الإسلام فالحقيقة أن حجة وداعه الأخيرة لموطن الإسلام لن تضيف إلى ميزان «حسنات» باراك حسين أوباما شيئاً، بل نأمل ألا تضيف لميزان «سيئاته» أكثر!
رأي القدس



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا