>

تهديد تركيا بالأرمن والسعودية بهجمات نيويورك

رأي القدس


صوّت البرلمان الألماني بأغلبية ساحقة على وصف أحداث عام 1915 ومقتل أعداد كبيرة من الأرمن في عهد الدولة العثمانية بأنه «إبادة جماعية» وهو ما أثار غضب السلطات التركيّة فعمدت لاستدعاء سفيرها في برلين وحذّر الرئيس التركي رجب طيّب اردوغان من أن القرار «سيؤثر بشكل خطير» على العلاقات الثنائية وبأنه سيتخذ قرارا حول الخطوات التي ستردّ فيها بلاده على هذه الخطوة.
تصويت البرلمان الألماني يعكس مزاجاً سياسياً وشعبيّاً متصاعداً في ألمانيا للتعاطي السلبيّ مع تركيّا، وكانت قضية مقدّم البرامج الألماني الذي بثّ في الحادي والثلاثين من آذار/مارس الماضي قصيدة في مقطع من برنامج على القناة الثانية من التلفزيون الألماني بلغت من تعمّد إهانة الرئيس التركي اردوغان حدّ استخدام المذيع ايحاءات جنسيّة تتعلّق بالحيوانات والأطفال.
ورغم وجود قانون ألمانيّ يجرّم إهانة زعماء دول أخرى فقد دافعت الصحافة الألمانية وكثير من نواب البرلمان الألماني عن ذلك القذف والتشهير العلنيّ باعتبار ذلك احتراماً لحقّ التعبير والإعلام، وفي تجاهل للتأويل العنصريّ لهذا الفعل وفي كون القانون هو الأداة التي تقرّر ما حق التعبير من عدمه.
وفي خطوة تثير حواسّ التحليل والمقارنة أقرّ مجلس الشيوخ الأمريكي، بالإجماع، مشروع قانون يسمح لعائلات ضحايا هجمات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 بمقاضاة الحكومة السعودية تحت اسم «قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب»، والذي سينتقل إلى مجلس النواب لمناقشته في المستقبل القريب.
وإذا كان التصويت الألماني توصية وليس له أي جانب إلزامي من الناحية القانونية فإن لقانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب»، إذا تمّ تمريره في مجلس النواب، تداعيات هائلة لأنه، كما صرح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير «يلغي مبدأ الحصانات السيادية الأمر الذي سيحوّل العالم من القانون الدولي إلى قانون الغاب».
يحمّل التصويت الألماني والتشريع الأمريكي اثنين من أكبر البلدان الإسلامية تأثيراً في العالم مسؤوليات عن أحداث خطيرة بكل المقاييس السياسية والأخلاقية وتبعاتها الأخرى، ففي الحالة الأولى يحمّل السلطات والشعب التركيّين إرث سياق الإبادة، وفي الحالة الثانية يحمّل السلطات والشعب السعوديين إرث هجمات نيويورك، وفي الحالتين يقوم برلمانا ألمانيا والولايات المتحدة بعملين إشكاليين ومثيرين للجدل، فيقفز البوندستاغ، عامداً، عن تاريخ طويل للإبادات تقف أوروبا وأمريكا وروسيا والصين على رأسها، ويصطفي تركيّا وحدها، فيما يغفل الكونغرس أن السلطات الأمريكية حمّلت تنظيم «القاعدة» المسؤولية ودمّرت في حربها الانتقامية بلدين مسلمين، وما تزال تفاعلات هذا التدمير مستمرة حتى اليوم.
مع كل الاحترام للديمقراطيات الغربية، ولآلام الأرمن (وكل الشعوب التي تعرّضت لأعمال إبادة) فإن أكبر الإبادات في التاريخ حصلت على يد الدول الغربية وهي لا تعدّ ولا تحصى.
إن طريقة تفاعل البرلمانين الأمريكي والألماني مع قضيتي الأرمن وهجمات أيلول تكشف تهلهل المؤسسات التشريعية الغربية والاستخدام الانتهازيّ للمآسي الإنسانية في سبيل تحقيق مكاسب سياسية أو ماليّة.
المأساة الأرمنية ليست مفصولة أبداً عن مطامع روسيا والحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى (وهي من أكبر الأحداث التي خلّفت مجازر في التاريخ) وهي معجونة بسياق تاريخيّ كان فيه تشكّل الدول القوميّة والدفاع عن كياناتها أعلى مقاماً من الآلام الإنسانية، وكانت الإبادات (بما فيها إبادة مئات ألوف من الجنود نتيجة غطرسة قادتهم) أمراً تقوم به كل الدول، وهو أمر لم يتوقّف للأسف حتى الآن، ولكنّه اتخذ أشكالاً أخرى تعطيها الدول الغربيّة مصداقية وشرعيّة، فيما تحاكم غيرها وتتهمه بالوحشية والتخلف.
القضيّة الأرمنية، في النهاية، هي جرح تركيّ وهو سيبدأ بالاندمال عندما تستطيع تركيّا أن تتصالح مع تاريخها، لكنّ الإجراء الألماني ليس إلا تعبيراً عن الاستعلاء الغربيّ الذي يدّعي الدفاع عن الإنسانية والأخلاق والحضارة، وهو بالتأكيد لن يساعد الأرمن ولا الأتراك.
أما التشريع الأمريكي فهو مشروع قرصنة جديد لن يفعل غير أن يذكّرنا بأن إله أمريكا الأوحد هو المال، وفي سبيله يمكن استخدام كل الأدوات.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا