>

بصمة الحرب في أسنان الأطفال وعقول الشباب

هيفاء زنكنة


يبدو مظهر أغلب الشباب في البلاد العربية، التي تعاني من الحروب، مذهلا. الوجوه رمادية يتجذر فيها الخوف والقلق. الاسنان متآكلة أو غير موجودة، مما يضيف إلى أعمار الشباب عقودا من الشيخوخة المبكرة. أما حالتهم النفسية فمتنازع عليها بالعقد، والمخاوف، والأرق، والاضطرابات التي لا تدع للمرء فرصة للتفكير والحلم بالمستقبل.
هذا هو الواقع. واذا كانت صورة الحاضر، المؤسسة على التأثر الجسدي والنفسي من الحروب والنزاعات، تثير في نفوسنا اليأس لأنها تفسر ما نراه من انعدام المبادرة، وتقبل العقول افكارا لاتصلح حتى لسلة المهملات، فإن الأكثر اثارة للتشاؤم هو ما سيترتب على هذا في المستقبل.
السبب؟ الحروب والاحتلال والنزاعات. حيث يعود تاريخ الحروب إلى عقود خلت، بعضها تراكمي مزمن ولأسباب متعددة بينها الغزو والتقسيم، كما في العراق وفلسطين ولبنان والسودان، وبعضها الآخر حديث نسبيا، كما في سوريا واليمن وليبيا.
احصائيات هذه الحروب مخيفة، وإن كانت الاحصائيات، عموما، غير إنسانية ،أي لا تبين انعكاسات الحروب وتأثيراتها العميقة على حياة الناس. فالارقام مجردة، ومن السهل نسيانها او تكرارها، بدون ان تعطينا فكرة عن الحياة الكامنة فيها، وبالأخص حين تكون تلك الأرقام عالية. ويحيل امتداد فترات النزاع والحروب، الموت إلى فعل مألوف، يتم التعود عليه فلا يثير الغضب المصاحب، عادة، لخسارة الحياة الانسانية قبل أوانها، وهنا المأساة التي بتنا نعيشها. لا لأننا، لا نحب الحياة، كما نتهم، بل لأننا نعيش في حضرة موت، أما صار حاضرا بيننا بمساعدة شخوص منا، أو آخرين يبنون قواعدهم العسكرية على أراضينا، أو يهطل كالمطر من طائرات وقاذفات وصواريخ وبراميل يعلن اصحابها بانهم يتوخون مساعدتنا « انسانيا».
خلص تقرير مشترك لمنظمة « العمل في مجال العنف المسلح» البريطانية، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أن الضربات الجوية لقوات التحالف، بقيادة أمريكا، كانت مسؤولة عن 60 في المئة من الضحايا المدنيين في الأشهر السبعة الأولى من هذا العام. يتناول بحث كتبه أكاديميون، من بينهم د. مشغان سافابي اصفهاني، المتخصصة في علم السموم البيئيه، و د. محسن السباك، رئيس قسم أمراض النساء والتوليد في مستشفى البصرة للولادة، بعنوان « تعرض الاجنة للمعادن في الشرق الاوسط : بصمة الحرب في الأسنان اللبنية للأطفال»، ونشر في دورية « الرصد والبحث البيئي «، في 4 آب/ أغسطس 2016، تأثيرات السموم المؤثرة على الجهاز العصبي، المنتشرة في الشرق الاوسط، نتيجة الحروب، وما يصاحبها من تفجيرات وقصف واسع النطاق مما يجعل المنطقة مختلة بيئيا. أحد الاسباب التي يذكرها البحث « انشاء عدد كبير من القواعد العسكرية الأمريكية، التي تطلق ملوثات بيئية شديدة السمية، منذ عام 2003. وتدعم المعرفة الحالية الفرضية القائلة بأن التلوث الناتج عن الحرب هو أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع نسبة الاصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية في العراق».
قام الباحثون بتجميع نماذج من الأسنان اللبنية لأطفال عراقيين يعانون من التشوهات الخلقية، وقورنت مع اسنان اطفال طبيعيين من لبنان وايران. دلت نتيجة التحاليل المختبرية ( بالامكان الاطلاع على البحث على الانترنت) على ان نسبة الرصاص في أسنان الأطفال الذين يعانون من تشوهات خلقية من مدينة البصرة، جنوب العراق، أعلى بشكل ملحوظ من نسبته الطبيعية في اسنان الاطفال اللبنانيين والايرانيين. مما يعني، حسب الباحثين، تأكيد نتائج التحليلات لفرضيتهم القائلة بأن زيادة النشاط الحربي يتزامن مع زيادة مستويات المعادن الموجودة في الأسنان اللبنية. وقد وصلت زيادة الرصاص في اسنان طفل عراقي 50 مرة أكثر من الرصاص في عينات الاطفال من لبنان وإيران.
المعروف ان حرق النفايات في القواعد العسكرية الامريكية هو واحد من اكثر المسببات للتلوث بالعالم، ونصيب العراق من هذه السموم كبير، حيث أنشأ الاحتلال الامريكي 1500 قاعدة عسكرية اثر الغزو عام 2003 ولاتزال هناك 500 قاعدة، حسب الباحثين، تبث سمومها على المواطنين. يؤكد البحث على ان ضرر غبار حرق المخلفات ليس مباشرا، فقط، وأن تأثيراته الآنية على نمو الجهاز العصبي لدى الفئات الحساسة من السكان كالحوامل والأجنة والاطفال، تمتد مستقبلا لتشمل الاجيال المقبلة.
وكان فريق البحث، بالاضافة إلى د سميرة العاني من مستشفى الفلوجة العام، قد نشر في الدورية ذاتها عام 2015، ورقة عن تأثيرات حرق نفايات القواعد العسكرية في حفر الحرق، كما في قاعدة بلد، التي حرق فيها معدل 50 طنا من النفايات يوميا، كالإطارات المطاطية والمتفجرات والبراز البشري وجثث الحيوانات والمبيدات والمواد الكيميائية والنفايات الطبية، وكلها مواد ملوثة سامة سببت، كما اثبت الفريق، اصابة الاطفال بالتشوهات واضطراب النمو العصبي، وبالتالي تلف الدماغ ونوبات الصرع. وعن تأثير القصف، ذكرت امهات الاطفال أن منازلهن تعرضت للقصف مرة واحدة على الأقل، وانهن عانين من اعراض تشبه الاصابة بالانفلونزا والحمى المتقطعة، والارتباك، والصداع.
قدمت د. اصفهاني، أخيرا، عريضة إلى البرلمان البريطاني، وقع عليها 30 برلمانيا، دعت فيها الحكومة البريطانية» للعمل مع الولايات المتحدة على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنظيف المناطق الملوثة من قبل القوات العسكرية الحليفة وتوفير الرعاية الصحية العلاجية لمساعدة الأجيال الحالية في العراق. «
تأتي أهمية هذه البحوث ومثابرة الفريق الرائعة، على الرغم من الصعوبات الجمة التي يواجهها، خاصة الاطباء من داخل العراق، لا لكونه بحثا يخص اطفال ومستقبل العراق، فحسب، ولكن لأنه يشكل أرضية علمية موثقة لما للتلوث البيئي في بقية البلدان العربية كما في غزة جراء قصف وتفجيرات الاحتلال الاسرائيلي، وسنوات القصف والتفجيرات والغازات السامة في سوريا وليبيا واليمن. ان ما يقوم به الفريق من تحليل لعواقب التلوث في بلداننا قد لا ينهي مأساة من يعانون، حاليا، جرائها، إلا ان عملهم والناشطين في هذا المجال، قد يساعد، كما يذكرون « إذا أردنا منع حروب مماثلة في المستقبل».

٭ كاتبة من العراق



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا