>

انتفاضة العراق… حتى لا يسرقها السراق رأي القدس

انتفاضة العراق… حتى لا يسرقها السراق
رأي القدس


وسط توقعات بإعلان حزمة اضافية من القرارات الاصلاحية، يبحث البرلمان العراقي اليوم الثلاثاء اعتماد القرارات الجريئة التي اعلنها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي امس الاول في محاولة للاستجابة للمطالب التي ترفعها انتفاضة شعبية حقيقية خاصة في ما يتعلق بإنهاء المحاصصة الطائفية والقضاء على الفساد.
وعلى الرغم من ان القرارات حظيت بالاجماع في مجلس الوزراء، ومن المتوقع ان يؤيدها كثيرون في البرلمان اليوم، الا ان الطريق إلى تنفيذها يبقى وعرا، ومحفوفا بمخاطر بينها انهيار العملية السياسية وانتشار الفوضى السياسية.
لقد حصل العبادي على ضوء اخضر وصلاحيات غير مسبوقة من المرجعية الشيعية التي اثبتت الاحداث مجددا انها صاحبة السلطة السياسية الاعلى في البلاد، لتحقيق مطالب المتظاهرين. الا ان من الخطأ التقليل من نفوذ «امبراطورية الفساد والطائفية» التي رسخت قواعدها منذ الغزو الامريكي في العام 2003، والتي تعتبر اقوى من الحكومة والبرلمان والاحزاب، بالاضافة إلى معضلات دستورية وسياسية قد تعرقل تطبيق القرارات الاصلاحية على الارض.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان الغاء مناصب نواب رئاسة الجمهورية سيتطلب تعديل الدستور الذي ينص على ان يكون لرئيس الجمهورية نائب. وسارع البعض في تحالف «الاغلبية الشيعية» للمطالبة بالمنصب، وهو ما قد يكرس المحاصصة الطائفية بدلا من ان يلغيها، من وجهة نظر العرب السنة.
ويمكن التوقف عند اسئلة رئيسية في تطورات هذا المشهد الذي يأمل العراقيون ان ينتهي بنجاح الانتفاضة في تحقيق تغيير تاريخي، والا يسرقها اللصوص الذين سرقوا العراق نفسه منذ االغزو الامريكي في العام 2003، ناهيك عن خيراته، تاركين الشعب العراقي بلا خبز ولا كهرباء ولا وظائف ولا امن ولا سيادة او استقلال.
أولا: هل يمكن ان يعيد النظام العراقي اختراع نفسه، بينما يبقى خاضعا للسلطة الدينية بدلا من سلطة الشعب وحده، خاصة ان العملية السياسية التي اعلنت المظاهرات فشلها، كانت دائما تستند لاشراف المرجعية الشيعية وتوجيهاتها، وحسب المظاهرات فإن الاحزاب التي تعتبر نفسها (إسلامية) تتصدر المتهمين بالفساد والطائفية، ام ان ثمة ضرورة هنا لإعادة كتابة الدستور لبناء دولة مدنية حديثة حقا؟ واذا كان اللصوص والطائفيون اول من أعلنوا تأييدهم لمطالب محاربة الفساد والطائفية (..)، فهل يتمكنون من ركوب تلك الانتفاضة لتحقيق مصالحهم الشخصية او الحزبية؟
ثانيا: هل يجرؤ العبادي على محاسبة كبار المسؤولين، ومنهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذي يتحمل المسؤولية السياسية الكاملة عما شهده العراق من نهب وفساد منظم طوال السنوات الثمانية الماضية، ناهيك عن التحقيق معه جنائيا ان تطلب الامر بشأن مزاعم حول احتمال تورطه في ذلك الفساد؟ ام ان هذه الضجة ستقتصر على تقديم عدد من صغار المسؤولين للمحاكمة بالاضافة إلى إقالة آخرين من مناصبهم وتركهم يستمتعون بما نهبوه وهربوه من الملايين بل والمليارات إلى خارج البلاد؟ ويعرف جيدا من يعيشون في لندن على سبيل المثال عدد القصور والمتاجر الفخمة التي اشتراها بعض هؤلاء بعد ان كانوا يعيشون على مساعدات الدولة ابان ايام المنفي في عهد الرئيس الراحل صدام حسين؟
ثالثا: هل ستواصل ايران دعمها لرموز الفساد والطائفية الذين اوصلوا العراق إلى حيث هو اليوم، أملا في إبقاء نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري ام انها ستضحي بهم لمصلحة نظام بديل لهذه الصيغة السياسية الفاشلة التي اصبحت مرفوضة من العراقيين؟ وكيف ستتفاعل قوى اقليمية اخرى مع الانتفاضة؟ وهل يتجه العراق إلى مرحلة جديدة من الفوضى ام ان محاربة الفساد والطائفية انما هي في حقيقتها الخطوة الحتمية للانتصار على تنظيم «الدولة» الإرهابي الذي يحتل اكثر من ثلث مساحة البلاد؟
الواقع ان العراقيين سئموا هذه التقسيمات السياسية، والمحاصصات الطائفية، والمخصصات الاعتيادية والاستثنائية، وقوات الامن (الفضائية) كما تعرف في العراق، او الوهمية (يجري تسجيلهاعلى الورق فقط لسرقة رواتبها)، وتحكم الفساد والرشى في التعيينات والخدمات والحياة اليومية. هذا هو جوهر الرسالة التي تعلنها المظاهرات، بل انها ذهبت إلى ابعد من ذلك وتعاملت مع جوهر الازمة في البلاد عندما طالبت بتغيير النظام البرلماني القائم على الفساد والطائفية السياسية إلى نظام رئاسي.
وليس من خيار امام حيدر العبادي الا ان يقود ثورة سياسية حقيقية تترفع عن الطائفية والشمولية، وتثبت جديتها في محاربة الفساد، مهما كانت الاسماء المتورطة، واستثمار قوة الدفع الهائلة التي خلقتها الانتفاضة لوضع العراق على عتبة عهد جديد، والا سيكون اول من يدفع الثمن إلى جانب من ضيعوا العراق وادخلوه في هذا النفق المظلم.

رأي القدس



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا