>

العنصرية: وسائل الإعلام أم قراؤها؟

رأي القدس


شهد صباح أمس جلسة اتهام قاتل النائبة البريطانية جو كوكس التي اغتيلت قبل أسبوع واحد من تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي. وسائل الإعلام أكدت أن القاتل نفذ جريمته على خلفية تعاطفه مع مجموعات عنصرية ونازية في الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا، وفي اليوم نفسه نشرت اللجنة الأوروبية لمكافحة العنصرية والتعصب (إيكري) تقريرا يقول إن سلسلة من الصحف الأكثر توزيعا في بريطانيا ساهمت في نشر مفاهيم مهينة وعنصرية وعدوانية ضد المهاجرين حيث تمّ توصيفهم أحيانا بـ»الصراصير» وطالبت إحدى صحف التابلويد بمواجهة المهاجرين بالسفن الحربية وهو ما انعكس بزيادة الاعتداءات ذات الخلفية العنصرية أو الجنسية في بريطانيا وأدّى ذلك لتعرّض اللاجئين والمسلمين لهجمات عليهم.
وشهد مؤتمر حزب «المحافظين» البريطاني المنعقد حاليّاً دعوات صريحة من رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي إلى سياسة صارمة لخفض الهجرة إلى بريطانيا جنباً إلى جنب مع إعلانها بدء إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي في نيسان / إبريل المقبل، بحيث يتواشج الكره العام للمهاجرين مع فكرة الابتعاد عن أوروبا.
خبر آخر يتعلّق بالموضوع جاء أمس من ألمانيا حيث تعتزم السلطات القضائية فيها إعادة محاكمة رئيس حركة «بيغيدا» العنصرية الذي يواجه اتهامات التحريض ضد المهاجرين والذين وصفهم على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» بأنهم «قطيع ماشية» و»حثالة» و»مجموعة قاذورات».
لا يختلف الأمر كثيراً في فرنسا فقد أصبح موضوع إهانة اللاجئين والتعريض بهم والتسابق على اختراع برامج لطردهم هو الموضوع المفضّل للتنافس بين المرشحين، وخصوصاً بين نيكولا ساركوزي، الرئيس السابق والمرشح مجدداً، وجان ماري لوبين، رئيسة حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرّف.
وتعتبر المجر، الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، في شخص رئيس وزرائها فيكتور أوربان، إحدى اليافطات المعبّرة عن اتجاه رفض المهاجرين هذا وقد دفعت حكومة أوربان وحركته «هنغاريا أفضل» ذات التوجه اليميني المجريين لاستفتاء موضوعه الأساسيّ هو المهاجرون، والذي بعد إلغاء نتيجته التي صوّتت برفض اللاجئين بسبب عدم حيازتها على نسبة تصويت كافية، أعلن أنه سيغيّر الدستور المجريّ لمنع الاتحاد الأوروبي من فرض استقبال نسبة لاجئين في بلاده.
ربط هذه الظاهرة، في حالة اللجنة الأوروبية لمكافحة العنصرية والتعصب، بوسائل الإعلام يفتح مجالاً لسؤال مقلق وهو: لماذا تقوم وسائل الإعلام الشعبية بتأجيج العنصرية والتعصّب، وهل يمكن أن يكون الأمر مقلوبا، وهو أن هذه الوسائل الإعلاميّة تقدّم للناس ما يريدون قراءته، وبالتالي فإن الأمر أعمق من تأجيج الغرائز العنصرية عند البشر ولا تفعل الجرائد والقنوات الشعبوية عمليّاً غير إيقاظ الوحش الكامن عند الجمهور؟
يحتاج الأمر استبياناً وتحليلاً أكثر لكنّ هذا لا يمنع من القول إن اللعب على مشاعر كره الآخر وتحميله خطايا تدهور شؤون الصحة والسكن والتعليم والفقر هو إحدى وسائل الفئات الحاكمة، في أنحاء الكرة الأرضية، لحرف المسؤولية عن أنفسها.
معرفتنا بأن هذه إحدى الوسائل المفضلة لدى حكومات الدول التي تحكم شعوبها بسلطات مطلقة وتسومهم سوء العيش يجعلنا نتساءل عن السبب الذي يدفع سلطات ديمقراطية لفعل الشيء نفسه، ولكنه، في الحالة البريطانية، سيعيدنا للمربع المغلق نفسه: هل السلطات تلعب لعبة كره الآخر أم أن الشعوب عنصرية بطبيعتها؟



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا