>

العراق: صراع الصلاحيات والاختصاصات - يحيى الكبيسي

العراق: صراع الصلاحيات والاختصاصات
يحيى الكبيسي
Jun 29, 2018

ربما هي المرة الأولى التي يظهر فيها الصراع على الصلاحيات والاختصاصات إلى العلن بهذه الطريقة، فجميع المواجهات السابقة المتعلقة بالصلاحيات وحدودها كانت تنتهي بشكل سلس في إطار صفقة جماعية، وتواطؤ جماعي، بعيدا عن احكام الدستور والقوانين النافذة! وفي هذا الصراع يبدو واضحا ان علاقات القوة، ومساحات النفوذ، والمصالح المشتركة، التي كانت تحكم المواجهات السابقة فشلت هذه المرة في انتاج صفقة جماعية، وتواطؤ جماعي، قابلين للتسويق.
بعد إصدار المحكمة الاتحادية قرارها يوم الخميس 21 حزيران / يوليو 2018 المتعلق بدستورية أغلب مواد التعديل الثالث الذي أصدره مجلس النواب العراقي، والذي قضى بأن إعادة العد والفرز اليدوي لأصوات الناخبين في جميع المراكز الانتخابية لعموم العراق هو «إجراء تنظيمي لعملية الانتخابات العامة ولإعادة اطمئنان الناخب إلى العملية الانتخابية ووفق صلاحياته… وليس في هذا التوجه مخالفة لأحكام الدستور» (القرار 99 و104و 106/ اتحادية/ 2018). وجدنا ان القرار نفسه تضمن عبارات ملتبسة تفضي إلى أن «إلغاء الأصوات في المراكز الانتخابية في عموم العراق وخارجه التي رفعت بشأنها الشكاوى او ما ورد ذكره من مخالفات في التقارير الرسمية ذات العلاقة إذا ثبت وجود مخالفات في الحصول على تلك الأصوات كالتزوير وغيره من أوجه المخالفات المؤثرة في حرية الانتخابات وفي حرف إرادة الناخب وذلك إجراء العد والفرز اليدوي بالنسبة لتلك الأصوات فقط دون غيرها، وعدم المساس بأصوات المقترعين التي تحصلت بشكل قانوني سليم ودون مخالفات»!
هذا الالتباس المتعمد فرض على الجميع الدخول في جدل استمر لأيام حول إذا ما كان القرار قد أقر العد والفرز الكلي لمجموع الأصوات كما قرر القانون، او اننا امام «تشريع» جديد أقرته المحكمة الاتحادية بالعد والفرز الجزئي أفرغ القانون من محتواه تماما؟ ولم يحسم هذا الجدل إلا من خلال بيان أصدرته مفوضية الانتخابات الجديدة التي يديرها القضاة يوم 24 حزيران/ يونيو قررت فيه أن عملية إعادة العد والفرز يدويا ستكون حصرا للمراكز الانتخابية التي وردت بشأنها شكاوى او تقارير رسمية بشبهات تزوير دون غيرها! أي التزام المفوضية بالتشريع الذي أصدرته المحكمة الاتحادية وليس بالتشريع الذي اعتمده مجلس النواب، على الرغم من ان المحكمة الاتحادية نفسها قد أفتت بدستورية العد والفرز الكلي!
لسنا هنا بصدد اختلاف في التأويل، بل في تنازع صريح على الصلاحيات والاختصاصات! فالمحكمة الاتحادية بموجب الدستور تختص بالرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة، وهذا يعني أن صلاحيتها تنتهي عن الحكم بدستورية أو عدم دستورية قانون أو مادة أو مواد في قانون. ولكن المحكمة الاتحادية، كما هو واضح، تجاوزت صلاحياتها من خلال الحكم بدستورية العد والفرز الكلي من جهة، ثم إفراغ القانون من محتواه بإقرار العد والفرز الجزئي من جهة ثانية، وهو ما يجعلها تنازع مجلس النواب في صلاحياته التشريعية، بل وتجعل لتشريعها العلوية على تشريعات مجلس النواب، وهذا المبدأ ينسف النظام السياسي بالكامل!
الطريف هنا ان قرار المحكمة الاتحادية، تضمن جملة تناقضات غير مسوغة تماما، فإذا كانت الأصوات التي تم تحصليها عبر جهاز تسريع العد والفرز هي أصوات «تحصلت بشكل قانوني» وبالتالي لا بد من احترام إرادة الناخب، «وعدم اهدار صوته الذي جاء دون مخالفة»، فهذا يعني ان المحكمة الاتحادية تنسف الأساس الذي استند اليه مجلس النواب في تشريع قانونه، وهو التشكيك بأجهزة العد والفرز أساسا! كما تنسف الأساس الذي قام عليه تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس الوزراء في اجتماعه الاستثنائي يوم 24 أيار/ ماي 2018، والتي انتهت إلى جملة استنتاجات، من بينها: «أن اللجوء إلى الطريقة الإلكترونية في الانتخابات باستخدام أجهزة ومعدات إلكترونية لإجراء التصويت لتسريع احتساب النتائج، وقبل التثبت من فعالية وكفاءة عمل هذه الأجهزة، هو إجراء سابق لأوانه»، وإلى «وجود عيوب اكتنفت عمل هذه الأجهزة بحيث أنها أصبحت عرضة للاختراق»، وإلى أن نظام التشغيل المستخدم «غير رصين… مع ظهور نسبة عالية من الأصوات غير المقروءة للناخبين مما أدى إلى ضياع تلك الأصوات»، وإلى أن التطبيق الخاص بأجهزة العد والفرز «غير آمن وعرضة إلى برمجيات خبيثة»، واخيرا «عدم التطابق بين ما هو مخزون في قاعدة بيانات الصندوق وأوراق الاقتراع المخزونة في الذاكرة مع الشريط الصادر من الجهاز»! كل هذا ضربته المحكمة الاتحادية عرض الحائط وذهبت إلى «تشريعها» الخاص الذي يمنح صك براءة لأجهزة تشريع العد والفرز على الرغم من انها غير مؤهلة لهكذا حكم! والاهم هنا أن العد والفرز اليدوي لا يمكن أن يكون مصادرة لإرادة الناخب، او إهدارا لصوته بأي حال من الأحوال، بل هو ضمانة له! خاصة وان المحكمة الاتحادية نفسها قد قررت ان فكرة العد والفرز اليدوي هدفها الأساس هو استعادة اطمئنان الناخب وثقته بالعملية الانتخابية ككل!
ردا على قرار المحكمة الاتحادية الذي يعكس أزمة الدولة نفسها، قبل ان يعكس أزمة المحكمة الاتحادية، ومدى دستوريتها، وطبيعة قراراتها طوال السنوات الماضية. وجد مجلس النواب نفسه مضطرا للدخول في صراع صريح حول تنازع الاختصاص مع المحكمة الاتحادية! عبر مقترح تعديل رابع لقانون الانتخابات يلزم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات «بإجراء العد والفرز يدويا لجميع المحطات الانتخابية سواء منها المقدم بخصوصها شكاوى أو طعون او التي لم تقدم»، أي العودة الصريحة إلى ما نص عليه التعديل الثالث الذي أطاحت به المحكمة الاتحادية بطريقة غير مباشرة! وهذا يعني عمليا مجلس النواب يدخل، لأول مرة ربما، في صراع صريح مع المحكمة الاتحادية، دفاعا عن مصالح الأحزاب والكيانات والأفراد الذين وجدوا أنفسهم متضررين من قرارها، وليس دفاعا عن الدستور، او مبادئ الفقه الدستوري، بدليل ان المحكمة الاتحادية نفسها سبق لها ان أطاحت بصلاحية مجلس النواب على التشريع في قرارها الشهير الخاص بتفسير المادة 60 اولا وثانيا (القرار 43 و44/ اتحادية/ 2010)، من خلال التمييز غير المنطقي بين مشروع القانون ومقترح القانون، عبر إعادة تراتبية النظام السياسي العراقي الذي أقره الدستور العراقي (النظام البرلماني)، ليكون مجلس النواب تابعا لمجلس الوزراء فيما يتعلق بالتشريع، من دون ان نجد من مجلس النواب حينها أي ردة فعل حقيقية او جدية للدفاع عن اختصاصاته الدستورية، والطريف هنا ان المحكمة الاتحادية في قرارها المتعلق بالانتخابات نفسه أعادت لمجلس النواب صلاحية التشريع المباشر الذي سلبته اياه من قبل، بالبساطة والسلاسة نفسها التي سلبته اياها في العام 2010!

٭ كاتب عراقي



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا