>

العراق: الصراع على الصلاحيات - يحيى الكبيسي

العراق: الصراع على الصلاحيات
يحيى الكبيسي
Mar 22, 2018

في خطوة غير متوقعة، رفض رئيس الجمهورية العراقي الدكتور فؤاد معصوم المصادقة على قانون الموازنة الاتحادية للعام 2018. وكانت الحكومة العراقية، كالعادة، قد تأخرت في إرسال قانون الموازنة إلى مجلس النواب عن موعد 10 تشرين الأول/ أكتوبر الذي يشترطه قانون الادارة المالية والدين العام. فلم تقدم الحكومة العراقية هذا القانون إلا في منتصف شهر تشرين الثاني، ثم عادت وسحبته في 18تشرين الثاني/ نوفمبر لإجراء بعض التعديلات عليه، لتعيده إلى مجلس النواب في نهاية الشهر نفسه، أي بتأخير شهر ونصف عن الموعد المحدد!
وقد واجه مشروع القانون مشاكل عديدة، ليقر في النهاية في غياب النواب الكرد الذين اعترضوا على تخفيض نسبة الإقليم من الموازنة عن 17٪ التي كانوا يحصلون عليها نتيجة اتفاق سياسي ما بين عامي 2004 ـ 2017، وهو تخفيض جاء في سياق إعادة رسم العلاقات السياسية مع الأقليم بعد زلزال الاستفتاء على استقلال الإقليم، وكجزء من نتائج إعادة رسم علاقات القوة في مرحلة ما بعد داعش.
رئيس الجمهورية علل رفضه المصادقة على القانون وإعادته إلى مجلس النواب بأن القانون تضم31 نقطة تتقاطع مع الدستور التشريعات النافذة، منها 14 مخالفة دستورية، و9 مخالفات قانونية، و7 مخالفات مالية، ومخالفة شكلية واحدة.
فرئيس الجمهورية اعترض على سبيل المثال لا الحصر على اعتماد معدل سعر (46) دولارا لبرميل النفط الخام لأن هذا التحديد لم يبن على أسس اقتصادية واضحة وفقا لسعر النفط السائد في الأسواق العالمية. كما يعترض على تخصيص مبلغ 3 ترليون دينار عراقي (2.5مليار دولار) كاحتياطي طوارئ لمخالفة ذلك لقانون الإدارة والدين العام، وكذلك لمخالفته مبدأ عدم الانفاق ما لم يرد تخصيص لها في الموازنة. وبعيدا عن هذه المخالفات التي كانت تتكرر في كل موازنة من دون ان تلاقي أي اعتراض من رئيس الجمهورية! على سبيل المثال لا الحصر أيضا تضمنت موازنة العام 2017 الكثير من الإشكاليات التي أوردتها الرئاسة، وبالصيغة نفسها تقريبا. فموازنة 2017 تضمنت اعتماد معدل سعر (42) دولارا لبرميل النفط الخام من دون تحديد المعيار الذي تم اعتماده لتحديد هذا السعر، كما تضمنت احتياطي طوارئ بقيمة 113 مليار دينار عراقي تقريبا (98 مليون دولار) وخولت رئيس مجلس الوزراء الاتحادي ووزير المالية الاتحادي استخدامه وفق ضوابط يحددها وزير المالية نفسه! وكان يمكن للرئاسة أن تعترض على منح قانون موازنة العام 2018 لمجلس الوزراء صلاحية إضافة مبلغ ترليوني دينار عراقي (1.6 مليار دولار) إلى احتياطي الطوارئ بدلا من الاعتراض على تخصيصات احتياطي الطوارئ ككل!
كما أن المقارنة بين قانوني الموازنة لعامي 2017 و 2018 يكشف أن بعض الفقرات المعترض عليها والمتعلقة بشأن يخص الإقليم كان منصوصا عليها بالصيغة نفسها تقريبا في موازنة العام 2017 من دون ان يتم الاعتراض عليها في حينها! كما هو الحال مع الفقرة الخاصة بتخصيصات البيشمركة (قوات حرس الإقليم).
إن الاعتراض الحقيقي إنما يتعلق بتخصيصات إقليم كردستان في قانون الموازنة لعام 2018؛ فالرئاسة اعترضت على تحديد حصة إقليم كردستان حسب نفوس كل محافظة لمخالفتها المادة 121/ ثالثا من الدستور التي نصت على أن التخصيص يكون للإقليم وليس للمحافظات المشكلة للإقليم، وبالتالي يجب أن «يتم تخصيص حصة الإقليم من الموازنة حسب تعداد نفوس الإقليم». كما أعترضت على اشتراط القانون دفع حصة الإقليم بموافقة رئيس مجلس الوزراء التي وجدت الرئاسة أن فيها مخالفة لأحكام المادة 14 من الدستور الخاصة بالمساواة بين العراقيين أمام القانون دون تمييز، ومخالفته أيضا لقانون الإدارة المالية والدين العام على اعتبار ان باقي المحافظات لم يتم اقترانها بهذه الموافقة. كما تم الاعتراض على شرط إلزام حكومة الأقليم بتصدير ما لا يقل عن 250 ألف برميل يوميا من النفط الخام المنتج في حقولها لتسويقها عبر شركة «سومو»حصريا من دون احتساب أجور استخراج وانتاج النفط ضمن التخصيصات المحددة للأقليم أسوة مع تخصيصات الشركات المتعاقد معها اتحاديا.
بعيدا عن الأسباب التي تقدمها الرئاسة لرفض المصادقة على قانون الموازنة لعام 2018 بسبب انتهاكها للدستور، فان السؤال الاهم هنا هو هل يملك رئيس الجمهورية صلاحية رفض المصادقة على القوانين، ومن الذي يقرر ذلك؟ إن مراجعة المادة 73/ ثالثا من الدستور العراقي توضح أن على رئيس الجمهورية أن يصادق على القوانين التي يسنها مجلس النواب ويصدرها، وأن هذه القوانين تعد مصادقا عليها بعد مضي خمسة عشر يوما من تاريخ تسلمها. وكان واضحا من تصريحات رئيس مجلس النواب، وبيان الأمانة العامة لمجلس النواب، وتصريحات نواب وسياسيين ومعلقين، انهم جميعا يستندون إلى هذه المادة في إشارتهم إلى عدم وجود صلاحية لرئيس الجمهورية بعدم المصادقة، وان القانون سيعد مصادقا عليه بعد مرور المدة المحددة دستوريا! ومن أجل التأكيد على دستورية هذا الموقف يستخدم البعض قرارا سابقا للمحكمة الاتحادية (18/ اتحادية/ 2009) في التأكيد على أن ليس من صلاحية رئيس الجمهورية عدم الموافقة على القوانين التي يسنها مجلس النواب وإعادتها إلى المجلس للنظر في النواحي المعترض عليها!
ولا يمكن تفسير هذه الردود سوى على أنها محاولة لتسويق تأويل مسيس بعيدا عن النص الدستوري! فالدستور العراقي تضمن صلاحيات حصرية ومطلقة لرئيس الجمهورية لم ترد ضمن المادة 73 الخاصة بصلاحيات رئيس الجمهورية! بل أن هذه المادة نفسها تضمنت فقرة صريحة تشير إلى أن لرئيس الجمهورية ممارسة أية صلاحيات رئاسية أخرى واردة في الدستور العراقي (المادة 73/ عاشرا)، وهذا تأكيد على أنه لا يمكن حصر صلاحيات رئيس الجمهورية بما ورد في هذه المادة. على سبيل المثال الصلاحية الأهم لرئيس الجمهورية التي لم ترد في هذه المادة ما ورد في المادة (61/ ثامنا/ ب) التي أعطت لرئيس الجمهورية صلاحية حصرية ومطلقة بتقديم طلب إلى مجلس النواب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزاء!
وبذلك، ووفقا للنص الدستوري نفسه، يمتلك رئيس الجمهورية وفق المادة 67 التي جعلته «ضامنا للالتزام بالدستور» صلاحية حصرية ومطلقة في رفض أي قانون أو أنظمة او تعليمات او إجراءات يرى انها تنتهك احكام الدستور العراقي. وبالتالي لا يمكن لأحد منازعة رئيس الجمهورية على هذه السلطة الحصرية والمطلقة. كما ان مطالبة رئيس الجمهورية بالذهاب إلى المحكمة الاتحادية طلب عبثي ولا معنى له. فنحن أمام نص صريح وواضح ومطلق، وتبعا للفقه الدستوري فان النص المطلق يؤخذ على اطلاقه حتى يرد نص يقيده، وبالتالي على من يعترض على حق رئيس الجمهورية في ممارسة هذه الصلاحية أن يذهب هو إلى المحكمة الاتحادية للطعن في هذا القرار وليس العكس!
لم يكن الدستور في العراق، تاريخيا، سوى أداة سياسية يستخدمها الفاعل السياسي الأقوى لتمرير «تأويلاته»، مهما بدت هذه التأويلات مفرطة وبعيدة عن النص! خاصة في ظل الافتقاد إلى جهة محايدة للتفسير والتأويل في ظل تحول المحكمة الاتحادية العليا نفسها إلى مجرد أداة سياسية لتحويل هذه التأويلات المسيسة إلى قرارات! وبالتالي ستبقى العلوية لعلاقات القوة وحدها، والصفقات السياسية من خلفها، ليس على النص الدستوري فحسب، بل على مبادئ المنطق والعقل أيضا.

٭ كاتب عراقي



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا