>

العراق: أخي جاوز الظالمون المدى - هيفاء زنكنة

العراق: أخي جاوز الظالمون المدى
هيفاء زنكنة


أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين في العراق تجاوز 2.8 مليون شخص للفترة ما بين كانون الثاني/يناير عام 2014 ونيسان/أبريل عام 2015 فقط. وكشف أعضاء من اللجنة النيابية للهجرة والمهجرين، أن العدد قد يكون ضعف ذلك، لأن عددا كبيرا منهم غير مسجلين في سجلات الحكومة ويتوزعون في ارجاء البلاد. مما يعني عند اضافة هذا العدد الى من سبقهم منذ «تحرير العراق»، والى الثمانية ألف عائلة نازحة من الأنبار خلال اليومين الاخيرين فقط، وما تعنيه موجات اللجوء هذه لبقية السكان سواء من الأقارب او المضيفين الذين يقومون بمساعدتهم، بأن ثلث السكان يعانون من حالات النزوح والتدهور في الخدمات الناتجة عنها.
ملايين العراقيين يعيشون ظروفا مهينة لا انسانية. اما في الخيام، بعيدا عن بيوتهم ومناطق سكناهم، أو في الابنية المهجورة او في مبان عامة كالمدارس، مما يزيد الضغط على بقية السكان وكيفية توفير الخدمات الشحيحة لهم، كما يؤدي، كلما طال أمد النزوح، الى تحويل فئة النازحين الى عبء غير مرغوب فيه، وتكريس الاحساس العام بهامشيتهم وفقدانهم التدريجي بالانتماء وهم يحاولون الحصول على ابسط مستلزمات الحياة اليومية لهم ولافراد عوائلهم. ماهو موقف الحكومة والمنظمات الانسانية والانظمة الدولية من مأساة النازحين؟
عالميا، تشتكي المنظمات الانسانية من عجزها في توفير المساعدة للنازحين لاسباب عدة، لعل اهمها تزايدهم السريع. اذ تجاوز عدد النازحين من الرمادي وضواحيها منذ 10 نيسان/أبريل، 100 ألف شخص. وبعد خفوت الاهتمام الاعلامي العالمي بالمهجرين الايزيدين والمسيحيين وتراجع متابعة خطف الفتيات وتزويجهن وبيعهن من قبل تنظيم داعش الارهابي، تحولت المخيمات والمباني العامة والمهجورة، المؤقتة افتراضا، الى اماكن دائمة للاقامة على الرغم من عدم صلاحيتها للسكن لمدة طويلة، ومع الحرمان المزمن من الخدمات الصحية والتعليمية وتداعيات ذلك على النسيج المجتمعي المعرض للتآكل، بسبب تنامي الطائفية، وبروز اشكال جديدة من التمييز العنصري في معاملة النازحين قسريا، ومعاملتهم وكأنهم من سكان بلدان أجنبية وليسوا مواطنين عراقيين. اذ يتم منع النازحين، حتى الاطفال والنساء، من دخول المدن كبغداد، ما لم يكون لديهم كفيل في المدينة يضمن «لا ارهابيتهم»، بعد ان شٌنت حملات تشويه وكراهية ضد نازحي مناطق معينة واتهامهم ،عوائل وافرادا، بانهم ارهابيون أو بأحسن الاحوال حاضنة للارهاب. حيث أكد مجلس محافظة كربلاء، مثلا، عزمه على إخراج النازحين الذين دخلوا المدينة والموجودين في الأحياء السكنية والفنادق الى خارجها، وشدد رئيس المجلس في حديث لـ «السومرية نيوز»، على ضرورة أن «يوضع النازحون في مكان واضح»، لافتا إلى أن «استراتيجيتنا تقوم على إخراج جميع النازحين من الأحياء والفنادق والحسينيات إلى مخيم موحد، لأننا لن نسمح أن يكون الوضع سائبا». ودعا الخطابي جميع المحافظات إلى «التشديد بمسألة طلب الكفيل من الأسر النازحة». والحال أن شرط الكفيل شرط يستخدمه رجال الأمن لأبتزاز المواطنين حيث يسمح لمن يدفع مئات الدولارات بالدخول الى بغداد مثلا ولا يسمح لغيرهم.
ولأن سبب النزوح، الأخير على الاقل، هو حالة الكر والفر بين قوات النظام والحشد الشعبي المكون من حفنة من مليشيات مدعومة من أيران، من جهة، وتنظيم داعش من جهة ثانية، بقي مئات الآلاف من النازحين بلا مأوى بين المدن الرافضة لاستقبالهم. وتساهم الحكومة بتكريس هذه السياسة الطائفية العنصرية من ناحيتين : الاولى برفضها العمل على اعادة النازحين الى أماكن سكناهم حتى بعد انتهاء الاقتتال بحجة « منع عودة الارهابيين» . والثانية أما باطلاق يد تنظيمات ميليشيات الحشد الشعبي أو عدم محاولة ردعها في مهاجمة السكان وترويعهم ضمن سياسة تغيير ديموغرافي ممنهجة . ويأتي منع اللاجئين دخول بغداد وكربلاء وواسط والديوانية وكركوك، في وقت يدخل المواطنون الإيرانيون وغيرهم من الأجانب العراق بدون تأشيرة، ولا ضابط على إقامتهم في بغداد وبقية المدن العراقية.
ان تغيير التركيبة السكانية لصالح طائفة على حساب طائفة ثانية، بات واقعا مفروضا. وهي الخطوة التي ستقود الى التقسيم، مهما حاول الساسة المتعارف عليهم بتصنيفات الشيعة والسنة والكرد، تغليف خطاباتهم بالحرص على وحدة العراق وشعبه.
يدعي الساسة بان سبب محنة النازحين وكل المصائب التي يعيشها المواطن هو الارهاب متعامين عن اسبابه بدءا من سياسة المحتل ووقوع العراق ضحية الصراعات الاقليمية من جهة والاقليمية الدولية من جهة ثانية . متعامين، أيضا، عن مسألة ان الفساد المالي والاداري يمد الارهاب بالحياة وانهم لا يقلون مسؤولية، من هذه الناحية، عن بقية الارهابيين. فالفساد يبتلع المساعدات الانسانية ويعيق توزيعها وان حاولت بعض المنظمات الانسانية تقديم يد العون. وتقول وزارة الهجرة والمهاجرين أن ميزانيتها غير كافية لاحتواء أزمة النزوح وتقديم المساعدات اللازمة.
مع العلم ان ميزانية العراق، بسبب إستمرار وزيادة ضخ النفط الخام للسنوات الأخيرة، بلغت حدا لم تبلغه منذ تأسيس دولة العراق في عشرينيات القرن الماضي . فأرقام اللجنة المالية في البرلمان العراقي تشير الى أن ميزانية الحكومة في السنوات الثماني التي حكم بها نوري المالكي قد تجاوزت 700 مليار دولار، أي بمعدل 20 الف دولار لكل عراقي سواء كان بالغا أو طفلا، رجلا أم إمرأة، أو 140 الف دولار للعائلة العراقية المكونة بالمعدل من 7 أفراد حسب قواعد البطاقة التموينية القديمة. أن نسبة عالية من هذه المليارات قد ذهبت لجيوب السياسيين مباشرة أو لتمويل مليشياتهم الضامنة لإستمرارهم في السنين القادمة، ونسبة أخرى من هذه المليارات تسربت للحلفاء الإقليميين في ايران وسوريا للهدف ذاته في صفقة بين الحكام – اللصوص المتحكمين ببلداننا. لكنها لم تذهب لشراء بيوت جاهزة للعوائل المشردة والتي لا تزيد تكاليف الوحدة منها، حسب الإنترنت على الاربعة الاف دولار من الصين، وليتضاعف سعرها بالشحن والتركيب بالجملة. ومقابل ذلك يعيد الوزراء على أسماعنا دعواتهم للمجتمع الدولي لمساعدة النازحين العراقيين.
واذا كان النظام العراقي، يستخدم مأساة النازحين، للمقايضة والمزايدة السياسية مع المنظمات والدول المانحة، فأن أمريكا، الدولة الأولى المسؤولة عن الغزو وزرع الارهاب وتخريب البلد، تستخدم، هي الأخرى، حجم الكارثة التي خلقتها، لتبين للعالم انها انما تمد يد العون الانساني للعراقيين. أذ يدعي «مكتب شؤون اللاجئين والنازحين داخليا» في السفارة الأمريكية، ببغداد، بأنه: «يقوم بتنسيق سياسة حكومة الولايات المتحدة، من خلال برامج المساعدة لإعادة توطين النازحين العراقيين، وضحايا الصراعات واللاجئين داخل العراق من بلد ثالث» . ولن أدخل بتفاصيل تصريحاتهم عن «إعادة تأهيل البنية التحتية للمجتمعات المضيفة»، ولا عن استخدام مفردة المضيفة بدلا من المحتلة، ولاعن ذكر مسؤوليتهم عن تهديم البنية التحتية، ولكن المهم بهذا الادعاء هو كذبه الفاضح بأعادة التأهيل بينما يلتهم الفساد الامريكي، الأب الشرعي للفساد العراقي، أموال المشاريع . وتفتخر السفارة، ايضا، بانها تقوم بتوطين حوالي خمسة آلاف من « المواطنين العراقيين الذين عملوا لصالح أو نيابة عن حكومة الولايات المتحدة»، أي العملاء كما هو متعارف عليه في جميع انحاء العالم.
أن مأساة النازحين وحالة اليأس التي يعيشونها، مع غياب التعليم وحرمان جيل بكامله من العيش بكرامة، ستؤدي الى استمرار دوامة العنف والانتقام، وامكانية حلها جذريا لن يتم الا بوجود حكومة وطنية مستقلة تمثل جميع المواطنين، بلا تمييز، وتعمل بشكل حقيقي على اعادتهم الى مناطقهم وبيوتهم.

٭ كاتبة من العراق

هيفاء زنكنة



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا