>

الذين يريدون خلع السيسي - عبد الحليم قنديل

الذين يريدون خلع السيسي
عبد الحليم قنديل


■ المزاج العام في مصر غاضب ومحبط، لكنه ليس مزاج ثورة، ولا حتى اقترابا من ثورة على طريقة ثورة 25 يناير 2011 وموجتها الأعظم في 30 يونيو 2013، ولا شروعا ولا رغبة ولا إمكانية لخلع الرئيس السيسي على طريقة خلع مبارك ومرسي، بل ربما يرغب الناس أن يقوم السيسي بثورة في السلطة، لا أن يثوروا عليه.
ولعلك تلحظ إن السيسي نفسه يتحدث كثيرا عن الثورة الثالثة، ويقول مرارا إن الشعب المصري ثار في يناير وفي يونيو، ولا شيء يمنعه أن يفعلها لمرة ثالثة، وهذا صحيح نظريا، لكنه قد لا يصادف حظا في التطبيق في المدى المنظور، وهو ما يفسر الارتياح والأريحية التي يتحدث بها الرئيس عن احتمالات الثورة عليه، وحديثه عنها في سياق كيل المديح للمصريين، وليس كنبوءة، ولا مخاوف، ولا حظ «نحس» قد يصادفه هو بالذات.
والمثير، أن بعض أشد معارضيه يتحدثون هم الآخرون عن ثورة محتملة، على طريقة الرئيس بالضبط، مجرد كلام يطلق كدخان في الهواء، أو سعي لإنشاء حركات تقليد بائس لحركة «كفاية» ووليدتها حملة «تمرد»، ويتصورون أن الحكاية بسيطة وسهلة، ولا يلزمها سوى مجرد تجميع عشوائي لشباب ساخط، ودعمها بصخب غاضب على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعوة للشعب المصري إلى النزول في الميادين، ثم تكتمل الحدوتة «توتة توتة»، وتقوم الثورة، وينخلع الرئيس، ونصحو على صباح يشبه 11 فبراير يوم خلع مبارك، أو مساء يشبه 30 يونيو، حين قضى الأمر، وذهب حكم مرسي وإخوانه.
أتحدث هنا عن شباب غاضب بجد، وثوري بجد، وشارك في يناير ويونيو بجد، لكنهم يخطئون بعبط في فهم ما يجرى، ويتصورون الثورة هواية أو لعبة كومبيوتر، أو فيلم «أكشن» يعدون لإخراجه، وأنه ليس عليهم سوى تكرار ما جرى قبل يناير أو قبل يونيو، والتقليد البهلواني لسيرة «كفاية» أو حملة «تمرد»، وبدون إدراك ولا شبه إدراك للظرف الموضوعي، ولمدى استعداد الشعب المصري للقيام بثورة جديدة، أو وجود قطاعات اجتماعية قد يصح الاعتماد عليها، أو طلب نجدتها، فالشعب المصري لا يسمعهم تقريبا، وقد يتقبل نقدهم لأوضاع السياسة والاقتصاد في مصر الآن، لكنه لا يقبل طلبهم، ولا دعوتهم إلى ثورة جديدة، فلا يوجد هواء ساخن بما يكفي لطيران الريشة، وقد كنت أصف «كفاية» دائما بأنها ريشة في هواء، وأن قوتها في فكرتها، وليس في جسدها التنظيمي، وأن دعوتها حلقت عاليا في السماء مع سخونة وزهق الشعور العام، ومع كونها فكرة خرجت عن نص معارضة بليدة راكدة، مسخت ومسحت المجال العام لعقود طويلة، وكان جديد «كفاية» في صرختها، وفي ردها لاعتبار السياسة ومعنى المعارضة الجذرية، وفي ابتداع مقاومة جامحة على الأسفلت، وليس في الغرف المغلقة، ولا في غرف الدردشة الإلكترونية وصفحات «الفيسبوك»، بل بصلابة طبع مبشريها ودعاتها، ونقاوتهم الوطنية والثورية، وسيرة تضحياتهم الجليلة في اختراق الصمت وفك أطواق الركود، في الصحافة الحرة، وفي المظاهرات التجريبية الجسورة الصبورة الباسلة، وفي ربطهم الوثيق الناصع للموقف الوطني بالموقف الاجتماعي والموقف الديمقراطي، وهو ما كون لحركة «كفاية» مصداقية هائلة، أشاعت روح الإلهام في قطاعات أخذت تتسع، وانتقلت من الغضب السياسي إلى الغضب الاجتماعي، مع إدراك متوهج لأجواء القلق العام، وبدون ادعاء وكالة عن الناس، ولا استعجال لقطف الثمار من جذورها، وهو ما جعل من صرخة «كفاية» في النهاية صرخة لكل الناس، وعلى نحو ما جرى في ثورة يناير الشعبية العظمى، وكلها شروط لا تتوافر في دعوات شبابية لاستنساخ «كفاية» أخرى الآن، حتى لو حرص دعاتها على استخدام كلمات قريبة الوقع السمعي من اسم «كفاية»، وباسم حركة «بداية» أو بغيره، فالتاريخ لا تجري حوادثه على هذه الصورة التكرارية الرتيبة، ومحاولات استنساخ «كفاية» إهانة لعظمة وتفرد «كفاية».
ولاحظ هنا أننا نتحدث عن شباب نثق في نقاوتهم، وكثير منهم تأثروا بروح حركة «كفاية»، أو نشطوا على أطرافها، أو وجدوا على ضفافها، أو شاركوا في حملتها من منظور وطني وثوري، وقد نشأت حملة «تمرد» من قلب حركة «كفاية»، وحمل رايتها واستماراتها الأولى شباب قيادي في حركة «كفاية»، مثلوا الجيل التالي لجيل «كفاية» المؤسس، وقد انتهى بعض شباب «تمرد» ـ من خارج «كفاية» بالذات ـ إلى حالات انتهازية رديئة، وانتقلوا من «التمرد» إلى «التمرغ»، وبدون أن يعني تحولهم انتقاصا من نبل الفكرة الأولى، ولا من ثوريتها، ولا من عبقريتها في التقاط الشعور العام للناس، وتحويله إلى قوة اندفاع هائل بعشرات الملايين إلى الميادين، فقد كانت حملة «تمرد» ـ كما كانت كفاية الأم ـ ريشة في هواء ساخن، وكانت قوتها في فكرتها أيضا، وفي خروجها عن نص «تصديق» الإخوان، فلم تكن قصة الإخوان أن رئيسهم حكم مصر لمدة سنة، بل كانت القصة طويلة، ومن عمر حكم السادات بعد حرب أكتوبر 1973، والممتد بحكم مبارك، كانت جماعة مبارك تحكم في السلطة، وكانت جماعة الإخوان تحكم في المجتمع، وتوحى للناس بأنها «البديل» في السلطة، وقد حكم الإخوان وحكم الشعب عليهم، وبعد تجربة محنة دامت لعقود طويلة، تسلطت فيها جماعة مبارك على الأبدان، فيما تسلطت جماعة الإخوان على الوجدان، وهذه «العشرة» البائسة هي التي ولدت الثورة على مبارك والإخوان تباعا، وهو ما لا ينطبق على حالة السيسي، ولا على حكمه الجديد، الذي لم تتضح معالمه النهائية بعد، حتى إن كانت رئاسته قد شارفت على سنة كاملة، وهي المدة ذاتها التي قضاها مرسي في الحكم.
نعم، ثمة أزمة محسوسة لحكم السيسي، واتساع في خرائط السخط والغضب واللوم والانتقاد، ولكن بدون احتمالات توقع ثورة قريبة، ولا شبه ثورة في المدى المنظور، والأسباب ظاهرة جدا، فالشعور العام ساخط على ما يجري، لكنه لا يزال يأمل في السيسي، ويناديه أن يفعل شيئا، وربما أن يقوم بثورة على نظام الحكم الموروث، الذي لم تتبدل قواعده ولا مصالحه الكبرى، فالسيسي رئيس جديد حقا، لكنه لايزال يحكم بالنظام القديم، الذي جرى خلع رأسه بدون أن يمس بدنه، وهنا جوهر المفارقة المولدة لغضب من نوع خاص، غضب من السيسي وأمل فيه في الوقت ذاته، دواعي الغضب مفهومة، فالفساد لايزال يحكم ويعظ، والعدالة الاجتماعية غائبة بالمطلق، وحياة أغلبية الناس الفقراء والطبقات الوسطى تزداد سوءا وعنتا، وتحالف البيروقراطية العفنة ومليارديرات النهب لا يزال يسيطر على جهاز الدولة، والمظالم اليومية تتضاعف مع تغول القمع الأمني، وزواج السلطة والثروة والإعلام لايزال قائما، بل ربما يتوثق ويتوسع، وكلها كوابيس تثقل الشعور العام، وتوحي بأن شيئا ما لم يتغير، وأننا قد نكون عدنا إلى سنوات ما قبل ثورة يناير، خاصة مع تواتر الدعاية الكارثية نفسها، والعودة إلى عزف اسطوانات مشروخة، من نوع منح الأولوية للاستقرار والاستثمار، وكأن مصر يجري اختصارها في ضباط الأمن ورجال الأعمال. صحيح أن السيسي يكرر دائما أنه لا عودة إلى الماضي، وهو الوحيد في الحكم الذي يتحدث باحترام عن ثورة 25 يناير 2011، ولا يكتفي كمرءوسيه بالحديث عن 30 يونيو 2013، وهي النغمة التي يعزف عليها الإعلام السائد، الذي يصور ثورة يناير كمؤامرة، ويصور 30 يونيو نهاية لمؤامرة الثورة، وكعودة إلى خطوط 24 يناير 2011، وإلى حكم مبارك بدون مبارك، ويريد للسيسي أن يكون في صورة مبارك الأصغر سنا، وأن يرد الاعتبار لشبكة مصالح جماعة مبارك، بينما يبدو السيسي صامتا، يتحدث فقط في العموم والعناوين عن مصر الجديدة والثورة وأولوية الشباب، ويترك الشياطين تمرح في التفاصيل، يتحدث عن عمل وإنجاز يديره بنفسه، وعلى طريقة ملحمة قناة السويس وجلب الاستثمارات ومشروعات الطاقة والاستصلاح الزراعي، يتحدث عن إنجازات حقيقية، وعن نجاحات غير منكورة في سياسته الوطنية والعربية والخارجية، وعن وعد بإجراء طفرة تبني مصر الجديدة، وقد تستغرق أعواما كما يقول، لكن مشكلة السيسي أن الناس يصدقونه، لكنهم لا يحسون بأثر وعوده في حياتهم اليومية الجارية، مشكلة الرئيس أنه يسعى حقا لبناء مصر جديدة، ولكن قفزا على مفاسد مصر القديمة، مشكلته أنه يريد البناء الجديد بــــدون إزالة الأنقاض والركام، مشكلته أنه لا يتقدم بما فيه الكفاية لبناء نظامه، ويتردد في توجيه الضربة الحاسمة لتحالف اللصوص، الذين يتظاهرون بالحماس لرئاسته، لكنهم يستريبون في نواياه ومقاصده النهائية، ويكيدون له، خاصة أنه لا يكشف خططه السياسية، ويحتمي بالصمت المدرب عليه كرجل مخابرات محترف، ويكثف في الاعتماد على هيئات الجيش الصناعية والاقتصادية، ويطور رأسمالية دولة جديدة، قد تصح تسميتها برأسمالية الجيش، تزعزع عرش «رأسمالية المحاسيب» الموروثة عن أيام مبارك، وتضيق عليهم في فرص نهب جديدة، وإن أبقت ـ إلى حين ـ على ثروات النهب القديم.
الصورة ـ إذن ـ مركبة ومعقدة، وفيها تشوش عظيم، قد يفسر وقوع بعض الثوريين الحقيقيين في خطأ التقدير، لكنه يفسر أكثر سلوك جماعات الفلول والثورة المضادة، التي تريد التبكير والتبشير بخلع السيسي، وبدعوى إشعال ثورة جديدة، تنشط فيها زرافات من المليارديرات والفضائيات والجنرالات، وجماعات تمويل وتحفيز أمريكي، تخلط أوراقها وأموالها مع جماعات الشباب المحبطين، وربما مع إرهاب الإخوان، فالذي أوله زيف آخرته «خيبة بالويبة».

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا