>

الانتخابات البرلمانية العراقية: خارطة التوقعات - يحيى الكبيسي

الانتخابات البرلمانية العراقية: خارطة التوقعات
يحيى الكبيسي


بدا واضحا من خلال قوائم التحالفات والأحزاب التي ستخوض انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2018 أننا أمام انقسامات بينية في الكتل ذات الطبيعة الهوياتية (شيعية، وسنية، وكردية) لم تشهدها الانتخابات الثلاثة الماضية (2005، 2010، 2014)، وهو ما سيغير طبيعة الخارطة الانتخابية المتوقعة. فالقوائم التي تمثل الأحزاب والكيانات السياسية الشيعية التي هيمنت على المشهد السياسي بعد 2003 تدخل هذه الانتخابات بأربعة تحالفات أساسية هي: النصر برئاسة حيدر العبادي، والفتح برئاسة هادي العامري، ودولة القانون برئاسة نوري المالكي، وسائرون التي تمثل التيار الصدري. فيما يدخل تيار الحكمة برئاسة عمار الحكيم هذه الانتخابات منفردا بعد انفراط عقد تحالفه مع تحالف النصر. أما الأحزاب السنية فقد توزعت على تحالفين أساسيين هما تحالف القرار العراقي برئاسة أسامة النجيفي، وتحالف الوطنية برئاسة أياد علاوي، فيما توزعت الأحزاب الأخرى بين تحالف النصر وتحالفات محلية شكلت واحدا من أهم مظاهر هذه الانتخابات. أما الأحزاب الكردية فقد توزعت على تحالفين رئيسين: قائمة السلام الكردستانية التي ضمت الحزبين الكرديين الرئيسين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، وقائمة ليستي ناشتمان التي ضمت حركة التغيير والجماعة الإسلامية الكردستانية فضلا عن التحالف من أجل الديمقراطية الذي شكله برهم صالح بعد انشقاقه عن الاتحاد الوطني.
ولم يقف حد هذه الانقسامات البينية على التحالفات الهوياتية، بل تجاوزها إلى الانقسامات البينية داخل الأحزاب والكيانات السياسية نفسها! فحزب الدعوة الإسلامية يخوض هذه الانتخابات بقائمتين (النصر ودولة القانون) في مخالفة صريحة لقانون الأحزاب، ولكن كالعادة الأقوياء في العراق لا يشملهم حكم القانون! فيما انقسم المجلس الأعلى الإسلامي، عبر الانشقاق هذه المرة، إلى قائمة المجلس الأعلى التي دخلت ضمن ائتلاف الفتح في ظاهرة استثنائية (كانت منظمة بدر جزء من المجلس الأعلى حتى انشقاقه بسبب الخلاف على الولاية الثانية للمالكي، واليوم يدخل المجلس الأعلى في تحالف تقوده بدر!)، وقائمة تيار الحكمة. أما الحزب الإسلامي فقد توزع، عبر قرار براغماتي في محاولة للحصول على أكبر عدد من المقاعد عبر التحالفات، إلى أكثر من «حزب» في أكثر من تحالف، فيما نشر بعضا من أعضائه ضمن تحالفات أخرى!
ولكن، وعلى الرغم من هذا الانقسام البيني الهوياتي، لم تتمكن أي من التحالفات من بناء تحالفات عابرة للهويات بشكل حقيقي، فقد بقينا في إطار «تزويقات» لأغراض دعائية أكثر منها تحالفات عبر هوياتية حقيقية، وهو أمر سبق لنا أن شاهدناه في انتخابات 2010 التي شهدت صخبا عاليا حول بناء تحالفات عبر هوياتية ولكن نتائج تلك الانتخابات ذات الطبيعة الهوياتية البحتة من جهة، وسلوك القائمة العراقية في مفاوضات تشكيل الحكومة، ثم تفككها على أسس هوياتية لاحقا من جهة أخرى، كشفت زيف هذا الصخب. وبالتالي لا يمكن في النهاية توصيف تحالفي النصر والوطنية إلا توصيفا هوياتيا! فتحالف النصر ضم 28 حزبا وكيانا سياسيا غالبيتها العظمى شيعية وبالتالي لا يمكن توصيفه من الناحية السياسية إلا على أنه تحالف هوياتي/ شيعي. أما تحالف الوطنية والذي ضم 21 حزبا وكيانا سياسيا فلا يمكن في النهاية إلا توصيفه سياسيا على أنه تحالف سني (19 حزبا سنيا من مجموع 21 حزبا). وبسبب استقطاب تحالف النصر لبعض الشخصيات السياسية، تحديدا من نواب محافظة الموصل، فإنه سيكون قادرا هذه المرة على الحصول على بضعة مقاعد سنية في محافظة نينوى تحديدا، تماما كما سيحصل تحالف الوطنية على بضعة مقاعد شيعية في بغداد تحديدا! ولكن هذا لن يغير الطبيعة الهوياتية لهذين التحالفين، ففي النهاية نحن أمام تحالفات عبر هوياتية شكلية، أما السلوك السياسي والسلوك التصويتي فسيبقى سلوكا هوياتيا بحتا! وهو ما وجدناه في جميع القوائم عبر الهوياتية الشكلية التي جمعها أياد علاوي في الانتخابات الثلاثة السابقة!
كما بدا من الواضح أنه ليس ثمة عامل أيديولوجي أو رؤى سياسية أو حتى مواقف مشتركة تحكم تشكيل هذه التحالفات، ربما باستثناء تحالف سائرون الذي جمع التيار الصدري مع الحزب الشيوعي العراقي والذي كان نتيجة متوقعة لعمل مشترك في الحركة الاحتجاجية طوال السنتين الماضيتين! فالعامل الرئيسي التي حكم تشكيل هذه التحالفات هي إمكانية حصول التحالف على الأصوات التي تترجم إلى مقاعد، فضلا عن عاملين آخرين يتعلقان بالمآل السياسي وإمكانية الوصول إلى موارد الدولة! هكذا وجدنا سيولة حقيقية في تحولات الأحزاب والكيانات السياسية والمرشحين بين هذه التحالفات. فغالبية الأحزاب التي تحالفت مع حيدر العبادي إنما تحالفت معه لأنه يشغل منصب رئيس مجلس الوزراء وليس لأنه يمثل منظورا سياسيا مختلفا عن الآخرين. وهذه الحالة سبق أن رأيناها في انتخابات عام 2010 عندما تسابق الكثيرون للتحالف مع المالكي عندما كان رئيسا لمجلس الوزراء ولكنه لم يجد في هذه الانتخابات أكثر من 8 أحزاب مغمورة للتحالف معه بعضها تحالف معه لأسباب قرابية وليست سياسية!
بناء على المعطيات المتقدمة ستتوزع أصوات الجمهور الشيعي بين القوائم الخمسة المتقدمة، وسيبقى نوري المالكي مصدر القوة الرئيس في تحالف دولة القانون، خاصة بعد فشله في استقطاب أي قوة سياسية حقيقية إلى جانبه، وسيحدد عدد المقاعد التي يفوز بها هذا التحالف بعدد الأصوات التي يحصل عليها المالكي في بغداد بشكل رئيسي، فضلا عن مجموع المقاعد التي يحصل عليها في المحافظات الوسطى والجنوبية، وبالتالي من المتوقع أن لا يزيد مجموع المقاعد التي سيحصل عليها هذا التحالف عن 30 مقعدا. أما تحالفا النصر والفتح فمن المتوقع أن لا تزيد مقاعد الأول عن 40 مقعدا، في حين تبقى حدود الثاني في حدود 35 مقعدا في أفضل الأحوال، خاصة وأن تحالف الفتح يعتمد بشكل رئيس على قدرة منظمة بدر على الحصول على الأصوات، إذ تبقى قدرة المتحالفين معها في تحالف الفتح محدودة جدا في الحصول على الأصوات على الرغم من طموحاتها المفرطة! أما تحالف سائرون فسيبقى محافظا على نسبة الـ 20٪ من الأصوات الشيعية، وهو حجم جمهوره الثابت نسبيا، ولا يمكن التعويل على المتحالفين معه في تجاوز هذه النسبة، فالأصوات التي يمكن أن يحصل عليها الحزب الشيوعي، حليفه الرئيسي، محدودة جدا. وبالتالي ستبقى حصة التيار الصدري ضمن حدود 30 ـ 32 مقعدا. وأخيرا تبدو حظوظ تيار الحكمة الذي قرر النزول منفردا الأدنى ضمن هذه التحالفات، وبالتالي لن يتجاوز حدود 15 مقعدا.
سنيا ستتوزع المقاعد بشكل رئيس بين التحالفين الكبيرين: القرار العراقي والوطنية، وبين القوائم المحلية العديدة التي ستدخل هذه الانتخابات. وبالتالي سنكون أمام تشتيت كبير في الأصوات من جهة، فضلا عن توزيع المقاعد بين هذه الكيانات بطريقة تفرض عليهم جميعا، تحديدا القوائم المحلية، إعادة بناء تحالفات جديدة مع أحد هذين التحالفين فيما بعد الانتخابات. والرهان الرئيس هنا يتعلق بمدى استعداد الجمهور السني للذهاب إلى صناديق الاقتراع، تحديدا النازحين منهم من جهة، وحجم التدخلات في العملية الانتخابية من قبل القوات العسكرية والأمنية فضلا عن ميليشيا الحشد الشعبي والميليشيات العشائرية المتحالفة معها! خاصة وأن حجم الأصوات وعدد المقاعد السنية كانت عرضة لاختلالات كبيرة بين انتخابات وأخرى نتيحة للتدخلات المباشرة في منع الجمهور من الوصول إلى مراكز الاقتراع كما جرى في انتخابات عام 2014.
كرديا تبدو هذه الانتخابات هي الأصعب فالاستفتاء وارتداداته سيفقد الأحزاب الكردية بعضا من مقاعدها في محافظات نينوى وكركوك وديالى، وبالتالي ستكون نسبة الأحزاب الكردية، المنقسمة أصلا، من مقاعد مجلس النواب أقل مما حصلت عليه في أي انتخابات ماضية! وفيما سيحافظ الحزب الديمقراطي على أصواته في محافظتي اربيل ودهوك، يواجه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني منافسة شديدة في محافظتي السليمانية وكركوك ستفقده بعضا من مقاعده.

٭ كاتب عراقي



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا