>

إشكالية مصير نساء وأطفال مقاتلي «الدولة الإسلامية» - هيفاء زنكنة

إشكالية مصير نساء وأطفال مقاتلي «الدولة الإسلامية»
هيفاء زنكنة

يثير اعتقال واحتجاز زوجات وأطفال مقاتلي « الدولة الإسلامية» من قبل قوات الحكومة العراقية إشكالية تتجاوز حدود العراق الى البلدان العربية والغربية التي انضم العديد من مواطنيها الى التنظيم أبان قوته واعلانه تأسيس «الدولة الإسلامية» في العراق والشام.
تتجاوز الإشكالية، أيضا، القوانين المحلية والدولية الى الإنسانية، لأنها تتعلق بوضع خاص هو وضع النساء والأطفال، ويثير تساؤلات مهمة حول دور المرأة، عموما، في الحروب والنزاعات المسلحة ومقاومة الاحتلال، وكيفية التعامل معها، عموما، هل باعتبارها مسؤولة عن افعالها وخياراتها أم انها ضحية الخضوع للالتزامات والواجبات العائلية والزوجية؟
لا توجد احصائيات دقيقة عن عدد النساء المعتقلات أو اللواتي تم العثور عليهن أما مختبئات، في أقبية المنازل المهدمة، مع أطفالهن في مدينة الموصل، أو من قمن بتسليم أنفسهن في معركة تلعفر وغيرها. «أغلب النساء لا تتجاوز أعمارهن 20 عاما، أما الأطفال فأعمارهم في الغالب لا تتجاوز خمسة أعوام». حسب مصدر مسؤول، ويجري التحقيق معهن بينما تم قتل اغلب الرجال.
لا تتوفر الأوراق الثبوتية لهن ولأطفالهن. مما يشكل عائقا أو عذرا لعدم التعامل مع قضاياهن من قبل دولهن الأصلية، بشكل سريع. الا ان هناك تصريحات لمسؤولين عراقيين وأجانب وتحقيقات صحافية، تساعد على اعطائنا ارقاما تقريبية للأجنبيات واطفالهن فقط وليس للعراقيات او العربيات عموما، حيث يغلف الغموض اعداد الأخيرات لأسباب عدة.
بالنسبة الى الأجنبيات، وفقا لرويترز، هناك في العراق 1400 امرأة وطفل يشتبه في أنهم من عوائل مقاتلي «داعش»، وهم من تركيا، روسيا، شيشان، فرنسا وألمانيا. معظم الدول الاور,بية، خاصة فرنسا، جراء تعرضها لهجمات إرهابية، ليست على استعداد فوري للتعامل مع قضيتهم على الرغم من وجود حوالي 450 طفلا بينهم في سوريا والعراق. تدل مؤشرات بطء الاحداث فيما يتعلق بتقرير مصيرهم الى ان ما سيحدث هو تسليم الاطفال الى الدول التي ينتمون اليها، بينما ستحاكم النساء بتهمة الإرهاب، وعقوبتها الإعدام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب العراقية. والاشكالية هنا حقيقية، فالقضاء العراقي يُصدر احكام الإعدام بالجملة مما دفع المفوض السامي لحقوق الإنسان، بالأمم المتحدة، زيد رعد الحسين الى التعبير عن هلعه ومخاوفه، أخيرا، إزاء تنفيذ حكم إعدام جماعي بحق 42 سجينا، في 24 أيلول/سبتمبر، وُجهت إليهم التهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. وهي قوانين، يستخدمها العراق «لفرض عقوبة الإعدام على مجموعة متعددة من الأفعال التي لا ترقى إلى مستوى الجرائم الأشد خطورة».
الأمر الذي يثير تساؤلا مشروعا عن مصير النساء فيما لو كان وجودهن مع ازواجهن من المقاتلين، بناء على التزامات زوجية أو عائلية كما تقول روسية معتقلة: «معظم النساء هنا جئن مع أزواجهن، لم نأت للقتال، أو للقتل، جئنا فقط للعيش»، أو حتى قيامهن بأمور إدارية أو ارشادية أو تنظيمية، كما يتضح من شهادة عدد من النساء، وعدم الاشتراك الفعلي بالقتال، سيستدعي تنفيذ حكم الإعدام ، على الرغم من تحذيرات المكتب الأممي لحقوق الإنسان المتكررة حول «انطواء النظام القضائي العراقي ككل على شوائب كثيرة لا تخوله السماح بتنفيذ هذه الإعدامات و عدم تقيد العراق بالتزاماته المعنية بحقوق الإنسان الدولية والمتعلقة بفرض عقوبة الإعدام خصوصا الالتزامات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية».
تُحتجز العوائل، حاليا، في معسكرات، يطلق عليها عمال الإغاثة اسم «مواقع عسكرية»، يقع أحدها في حمام العليل، قرب الموصل. من بين النساء حوامل ومرضعات. وقد نُقل عدد من الأطفال إلى دور الأيتام في بغداد. ولعل القناة الفضائية الروسية «روسيا اليوم» هي الوحيدة التي قامت بحملة للعثور على الأطفال الروس واعادتهم الى أقاربهم حيث ستتم رعايتهم وإعادة تأهيلهم، إذا كانوا في سن تسمح بذلك.
اما بالنسبة الى العوائل العراقية، فيحيط مصيرها الشكوك في أجواء الفوضى والنزوح وانعدام الثقة والاشتباه وروح الانتقام، وان كانت القيم العشائرية ووجود قربى متفهمين قد ساعد على إيواء اعداد من النساء واحتضان الأطفال من قبل العائلة الممتدة. كما تقوم بعض منظمات الإغاثة بأبداء المساعدة ومحاولة إيواء الأطفال، خاصة، على الرغم من محاولة الجميع تجاهل المشكلة بحجة ان حجم كارثة الموصل، مثلا، لا يتيح مجالا للتفكير بزوجات وأطفال مقاتلي منظمة إرهابية.
تعاني عوائل المقاتلين من بلاد عربية مصير العوائل الغربية ذاته، وان كانت اعدادها بالعراق أقل بكثير مما هو موجود بسوريا.
فعدد التونسيات المتواجدات في سوريا والعراق وليبيا، حسب وزارة الداخلية التونسية (كانون الثاني/يناير 2017) يبلغ حوالي 120 امرأة. سافر نصفهن رفقة أزواجهنّ، والنصف الآخر غير متزوجات ومن بينهن طالبات. عن قضية التونسيات، كتبت الاكاديمية التونسية د. آمال قرامي (المغرب 2017) ملخصة أحلام الملتحقات بالتنظيم بحثا عن «الأمة» ورغبتهن بعد تبدد الوهم بالعودة الى «الوطن»، مشيرة الى ضرورة مناقشة الملف وطنيا وان للموضوع أبعادا قانونية وحقوقية واجتماعية واستخباراتية وبحثية وإعلامية. مؤكدة على ضرورة مواجهة الحقيقة في معالجة القضية وعدم ارجاء النظر فيها والتكتم عليها.
ان انخراط الدول في حروب ونزاعات، مهما كانت مسمياتها، لا يعفيها من التزاماتها المحلية تجاه مواطنيها او الدولية، حسب الاتفاقيات الملزمة. ولحد الآن، ليس للحكومة العراقية برنامج للتعامل مع حالة النساء والأطفال بل وغالبا ما يتعامل القضاء العراقي مع الأطفال كبالغين، بدلا من رعايتهم وإعادة تأهيلهم، وهو اجراء يشير الى مستقبل مظلم ليس للأطفال فحسب بل الى البلد ككل كحاضنة لولادة «داعش» آخر وآخر. فمقياس المدنية والحضارة وتحقيق العدالة لا يقتصر على إنزال العقوبات بالمجرمين المسؤولين عن جرائمهم، سواء كانوا نساء او رجالا، بل في التعامل الإنساني العادل مع المتهمين والضعفاء المهمشين. ذلك إذا كانت النية حقيقية في معالجة جذور الإرهاب لا تمديدها.

٭ كاتبة من العراق



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا