>

“واشنطن بوست” تروي قصة عالم عراقي متهم بمساعدة “الدولة” في إنتاج أسلحة كيماوية

“واشنطن بوست” تروي قصة عالم عراقي متهم بمساعدة “الدولة” في إنتاج أسلحة كيماوية


كشفت صحيفة “واشنطن بوست” في مقابلة مع عالم عراقي بالسجن عن أنه قدم المساعدة لتنظيم “الدولة” لإنتاج أسلحة كيماوية.
وأعد التقرير جوبي واريك من مدينة إربيل عاصمة الحكم الذاتي في شمال العراق، وتحدث فيه عن الأسابيع التي تبعت سقوط مدينته في يد تنظيم “الدولة” حيث جلس الباحث العلمي سليمان العفري في مكتبه الفارغ ينتظر حضور الإرهابيين. فالرجال بالزي الأسود كانوا يبحثون عن العاملين في المؤسسات البيروقراطية بالموصل التي سيطروا عليها عام 2014 ويجبرون من لم يفر على العودة للعمل. وكان العفري، الباحث في علم الجيولوجيا والعامل في وزارة الصناعة والمعادن يأمل بالحفاظ على وظيفته، ولدهشته عرض عليه حكام المدينة الجدد وظيفة أخرى: ساعدنا على تصنيع السلاح الكيماوي، طلب منه مبعوثون للدولة.
لم يكن العفري يعرف الكثير عن السلاح الكيماوي ولكنه قبل المهمة التي استمرت 15 شهرا لتطوير أسلحة كيماوية لأكثر الجماعات الإرهابية فتكا في العالم.
ولم يكن العفري يعرف الكثير عن السلاح الكيماوي ولكنه قبل المهمة التي استمرت 15 شهرا لتطوير أسلحة كيماوية لأكثر الجماعات الإرهابية فتكا في العالم. وفي مقابلة معه بسجن في إربيل بعدما قبض عليه مقاتلو البيشمركة والقوات الأمريكية في عام 2016 تساءل:”هل أنا نادم؟ لا اعرف إن كنت سأستخدم الكلمة”. وقال “لقد أصبحوا الحكومة وصرنا تابعين لهم” و “كنا نريد العمل للحصول على الراتب”. ويبلع العفري من العمر الآن 52 عاما واستعاد قصة تجنيده من قبل تنظيم “الدولة” في مركز مكافحة الإرهاب المحصن في شمال العراق. وينتظر العفري تنفيذ حكم الإعدام وهو واحد من القلة الذين ساهموا ببرنامج تنظيم “الدولة” الكيماوي وألقي القبض عليهم أحياء.
ووصف بطريقة علمية محاولات التنظيم الناجحة صناعة غاز الخردل، وهو الجيل الأول من السلاح الكيماوي الذي تسبب بقتل عشرات الألاف في الحرب العالمية الأولى من أجل حماية حدود “الدولة” وترويع المعارضين لها. ويزعم التقرير أن رواية العفري تم التأكد منها عبر القوات الأمريكية والأكراد الذين قاموا بتدمير مصانع للسلاح الكيماوي وقتلوا وأسروا القادة البارزين. وتكشف القصص التي قدمها الباحث عن مشروع السلاح الكيماوي الذي اعتمد على مخابر الجامعة ومنشآت للتصنيع وكادر من الباحثين العلميين والفنيين. ويقول المسؤولون العراقيون والأمريكيون أن الأسلحة التي تم تصنيعها استخدمت في العراق وسوريا وتسببت بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا. وتوقف التقدم في المشروع بداية عام 2016 عندما شن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الجهاديين حملة لتدمير وتعطيل كل المواقع التي تنتج أسلحة أو تمول عمليات. إلا أن التهديد لم يتوقف حيث قام التنظيم بنقل بعض المعدات من العراق إلى سوريا في نفس العام، ويعتقد أنها لا تزال مدفونة هناك. ويقول الخبراء الغربيون أن المعرفة التي حصل عليها المشاركون لا تزال موزعة على ذاكرة الكمبيوترات وعصي الذاكرة وفي عقول الذين نجوا بعد انهيار تنظيم “الدولة”.
ويعلق هاميش دي بريتون- غوردون الخبير في السلاح الكيماوي والذي قاد فرق رد سريع بالجيش البريطاني وحلف الناتو”هناك جهاديون يستطيعون الدخول إلى عالم النت المظلم والحصول على ما يريدون”. وأضاف أن “الحركة الإرهابية الأولى في العالم لا تزال مهتمة بالسلاح الإرهابي المطلق”. بدأت الحكاية في حزيران (يونيو) 2014 عندما داهمت قوات من 1.500 الموصل مثل عاصفة الصحراء وهزمت قوات عراقية ضعف المهاجمين بـ 15 مرة وسيطرت على المطار والقواعد العسكرية وأدت لخروج مليون لاجيء. وقتل الجنود العراقيون الذين حاولوا رمي زيهم العسكري والاختلاط بالمدنيين. وتابع العفري أخبار الغزو من بيته حيث سمع المواجهات وعندما خفت صوت الرصاص خرج سكان المدينة ليجدوا أعلاما ترفرف فوق الوزارات ومراكز الشرطة. وفي البداية ظل الموظفون المدنيون في بيوتهم خاصة أن رواتبهم ظلت تحول إليهم. وعندما توقفت وجد الكثيرون منهم أنفسهم أمام خيار إما العودة أو التخلي عن الراتب. وقرر العفري العودة إلى مكتبه والحصول على وظيفته قبل أن تعطي لشخص آخر. وأكد العفري في المقابلة مع الصحيفة التي استمرت 45 دقيقة، أن تنظيم الدولة “لم يجبر أحدا” على العمل و “خفت أن أفقد وظيفتي، خاصة أن الوظائف الحكومية من الصعب الحصول عليها، والافضل التمسك بها”. واهتم الحكام الجدد بوازرة العفري كونها مفتاح المصانع والمناجم والنفط. ولم يكن هؤلاء مهتمون بالحكم قدر اهتمامهم بإثراء منظمتهم وتوسيع قدراتها العسكرية. وبعد ذلك بدأت ورش المدينة بصناعة قنابل ضخمة لزرعها في الشوارع وعربات مصفحة تستطيع اختراق صفوف العدو قبل تفجيرها.
واهتم الإرهابيون بالمعادن وزاروا مكتبه بعد أسبوع من الاحتلال، حيث طلبوا بصفته مسؤولا عن الوحدة توفير قائمة من المعدات المعدنية وتركيبها. وشملت القائمة على خزانات صلب وأنابيب وصمامات ومواسير وكلها ذات قدرة على تحمل التفاعلات الكيماوية ودرجات الحرارة العالية. وعلم العفري بعد ذلك أن المهمة هي العمل مع باحثين آخرين منهم من عمل في نظام صدام حسين وفني واحد على انتاج غاز الخردل. وكانت مهمة العفري كما اعترف الإشراف على عملية التزويد لغاز الخردل التي امتدت من جامعة الموصل إلى الأحياء. ومن أحاديثه مع المشرفين عليه من قادة التنظيم علم أن الهدف من السلاح الكيماوي هو ردع القوات العراقية من مهاجمة المناطق الواقعة تحت حكم الخلافة. وقال العفري “كان من المهم صناعة تنظيم الدولة سلاحا قويا قادرا على الترويع” و “كان من أجل خلق الرعب والتاثي على النفسية والمعنويات، ولا أعتقد أن جودة السلاح وصلت لمستوى خطيرا”. وقال إن وظيفته تشبه بطرق عدة عمله كمدير في الحكومة العراقية. وأضاف “طلبوا مني المساعدة وأحضروا المعدات والحاويات والأشياء اللازمة للسلاح الكيماوي”. و “كانت لدي خبرة في الصلب وكانوا يبحثون عنه ولم يكن لدي أي خيار سوى الانضمام إليهم”.
وتشير الصحيفة إلى أن أول استخدام للمواد الكيماوية بدأ في 11 آب (أغسطس) 2015 أي بالضبط بعد 14 شهرا من رفع علم التنظيم الأسود فوق الموصل. وأطلق مقاتلوه 50 قنبلة هاون على بلدة سيطرت عليها قوات البيشمركة ، وانفجرت محدثة صوتا ناعما وانطلق منها سائل زيتي ودخان أبيض. وبعدها شعر ثلاثة من المقاتلين الأكراد بالغثيان وحرقان في العيون والرئة، وظهرت بثور مؤلمة على أرجل وبطني مقاتلين آخرين. وكان الافتراض في البداية أن تنظيم “الدولة” سرق المواد من سوريا أو عثر عليها من بقايا البرنامج الكيماوي العراقي في ثمانينات القرن الماضي. ولكن الحقيقة هي أن الأسلحة كانت مصنعة محليا وبدائية ينقصها الكثير من العناصر التي تؤدي إلى ذوبانها سريعا بعد إطلاقها في الجو. وشعرت البنتاغون بالخوف من أن التنظيم يقوم بتصنيع موادا كيماوية ولن يمر وقت قبل أن يحصل على أسلحة متقدمة. خاصة أن التنظيم استخدم قبل هجوم 2015 غاز الكلور مرتين في معاركه مع الأكراد. والآن هناك أدلة عن محاولة التنظيم الحصول على نظام إطلاق متقدم. وبعد أشهر قامت إدارة باراك أوباما بالتعاون مع الأكراد بحملة قوية لتحديد مواقع انتاج السلاح وتدميرها. وكانت المهمة صعبة بسبب وجود معظم المواقع بين المدنيين. ولكن إدارة أوباما تعاملت مع التخلص من برنامج التنظيم كأولوية. وقال مسؤول أمريكي متقاعد في الحملة “أصبحت أمرا مهما” و “كنا نبحث عن اي دليل أو مفتاح يقودنا إلى مصادر السلاح”. وفي القترة ما بين 2015 و2016 قتل باحثان يشتبه ان لهما علاقة ببرنامج تنظيم “الدولة”. وتم تدمير مركزين في الموصل وهيت بطريقة دقيقة خشية أن لا تؤدي إلى انبعاث الغازات السامة. وقال المسؤول المتقاعد إن الهجوم أجبر التنظيم على نقل عملياته وإبطاء الإنتاج وإخفاء الباحثين. وفي تلك الفترة أي عام 2016 كان التنظيم يتراجع في عدد من المواقع. إلا أن السلاح الكيماوي ظل مستخدما حيث نشره التنظيم 76 مرة حسب جدول أعده كولمب ستراكس، الباحث في شؤون الشرق الأوسط بـ أي أتش أس ماركيت. إلا أن جودة السلاح ظلت فقيرة مما يقترح أنه لم يستطع استعادة القدرات بعد ضربات الأمريكيين لمواقع الإنتاج. ويؤكد العفري هذا، فعندما زار موقع الإنتاج في عام 2016 وكانت المرة الأخيرة وجد أن المشروع في حالة فوضي واضطر للاستعانة بعمال غير مؤهلين بسبب عدم توفر الباحثين العلميين “كان برنامجا بدائيا وبسيطا” و “كان العاملون فيها غير متعلمين وليست لديهم المهارات الضرورية”. وفي نفس اليوم الذي زار فيه موقع الإنتاج ركب سيارته وساق في الطريق الصحراوي باتجاه تلعفر لزيارة والدته. ولم يكن يعرف أنه مراقب، حيث استطاعت المخابرات تحديد هاتفه النقال وكانت تأمل بالقبض عليه حيا. وعندما كان يقود سيارته لاحظ أربع مروحيات تحلق فوقه حيث حامت اثنتان امام سيارته فيما هبطت اثنتان وبعدها سمع إطلاق النار، حيث اصيبت عجلات سيارته فأوقفها. وخرج من السيارة وبدأ بالتسلق على تلة رملية وعندها ظهر كلب وعضه بيده.

يقول المسؤولون في وحدة مكافحة الإرهاب الكردية إن العفري كان مفيدا حيث قدم اسماء وحدد مواقعا تم ضربها لاحقا. ومنع تنظيم “الدولة” من تطوير برنامجه.

وكشف عن أثر عضة الكلب على يده ورصاصة اخترقت ركبته “لم أكن خائفا لو قتلوني” و “لم أنظر لنفسي كشخصية مهمة وكنت مشغولا مع الكلب”. وحمل جندي صورة ووضعها أمامه وسأله إنه كانت صورته فأجاب العفري بنعم. ووضع كيس على وجه وجر نحو واحدة من المروحيات. وعندما رفع الكيس عن وجهه وجد نفسه محاطا بعدد من الجنود الأمريكيين والأكراد. ويقول المسؤولون في وحدة مكافحة الإرهاب الكردية إن العفري كان مفيدا حيث قدم اسماء وحدد مواقعا تم ضربها لاحقا. ومنع تنظيم “الدولة” من تطوير برنامجه “لم تتحسن قدراته” حسب هيربرت تينسلي من جامعة ميريلاند وأضاف “على الجانب التكتيكي نجح التنظيم في استخدام السلاح الكيماوي لمنع تقدم عدوه أما على المستوى الاستراتيجي فقد كانوا هواة”.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا