>

يحدث فى شرق البحر الأبيض المتوسط - د. عبد المنعم سعيد

يحدث فى شرق البحر الأبيض المتوسط
د. عبد المنعم سعيد

الظاهر فى الأنباء دائما حالات الصراع والخصومة، الثورات والحروب، وأخيرا كوارث الطبيعة من زلازل وأعاصير وبراكين وتسونامى وأشكال من غضب الكرة الأرضية. ببساطة الأخبار غير الطيبة تجد الاهتمام والتغطية الصحفية والإعلامية والشغف الإنسانى حول الدراما والتراجيديا لعله يعكس حالة إنسانية من الخوف والرغبة فى البقاء فى ظل ظروف صعبة.

وفيما يخص منطقتنا فإن فيها الكثير من القصص العنيف، وروايات ما بعد الربيع العربى كانت دامية بشدة حين قتل الناس بمئات الألوف، وباتت مدن عظيمة وتاريخية أطلالا تذكر الناس بحواضر أخرى جرى تدميرها فى أثناء الحرب العالمية الثانية. قوارب اللاجئين والزاحفين إلى أوروبا هذه المرة، ومشاهد المجاعة والأوبئة والأمراض فى القرن الإفريقى، ومنازعات وقواعد القوى الكبرى والصغرى أيضا خطفت الأبصار عن حوادث مهمة، وأخبار طيبة جرت فى منطقة شرق البحر المتوسط عندما كان مشهدها الأخير هو إنشاء منتدى للتعامل مع قضايا الغاز والنفط لصالح الأطراف السبعة التى شاركت فى المؤتمر الذى عقد فى القاهرة يوم الاثنين 14 يناير الحالى، وهى للتسجيل مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وفلسطين وإيطاليا والأردن.

واتفقت الدول الموقعة على إنشاء أمانة عامة للمنتدى فى القاهرة، لكى تضيف نقطة أخرى لاعتبار مصر مركزا للطاقة فى الإقليم. كان ذلك خبرا طيبا نشر يوم إعلانه، ولكنه لم يلق اهتماما فيما تلى من أيام، بل إن الأمر بدا كما لو كان أمرا لا يريد أحد الحديث عنه، ربما لأن الأمر بدا غامضا لا يعرف أحد مدى تأثيراته على الجغرافيا السياسية فى المنطقة، وعما إذا كانت زيارة وزير الطاقة الإسرائيلى يوفال ستينتز لحضور إنشاء المنتدى تعكس مرحلة جديدة فى العلاقات المصرية الإسرائيلية، وإذا كان ذلك كذلك فماذا يعنى ذلك بالنسبة للقضية الفلسطينية، وهل يكون إنشاء المنتدى نواة لمنظمة بحر متوسطية يكون لها قول فى مستقبل المنطقة؟.

مثل هذه الأسئلة تثار عادة فى هذه المناسبات، وفى أغلب الأحوال فإنها تنطلق من مواقف مستمدة من القرن الماضى للنظر فى التطورات الجارية والتى تمثل المرحلة التى بدأت مع الربيع العربى ورياحه المدمرة للدولة الوطنية العربية، والتى لم يكن مصادفة فيها التفجيرات التى جرت بإصرار لخطوط نقل الغاز من مصر إلى الأردن وإسرائيل لكى ينفجر معها السلام. فأيا ما كانت تفاصيل ما حدث فى الثورات العربية ومن أحلام تقدمية جرى إلصاقها بها من قبل الغرب، فإنها انتهت إلى تلك الصورة الدامية والرجعية والتى رسمت خطا فاصلا يفرق ما بين حلم تاريخى بتقدم المنطقة، وحلم آخر يريد أخذها أربعة عشر قرنا إلى الوراء.

كان الصراع ما بين الاتجاهين هو ما حكم الآثار الحزينة للعقد الثانى من القرن العشرين، والذى شهدت نهايته ثلاثة تطورات مهمة سبقت الإشارة إليها فى مقالات أخرى ونوجزها فيما يلى:

أولها أن الدولة العربية عادت مرة أخرى، خاسرة الكثير من قوة دفع التنمية، ومعه ضياع زمن كان ممكنا أن يكون مفيدا فى سباق التقدم العالمى, ودامية ونازفة فى حالات، ولكنها بقيت على الأقل فى تكاملها الجغرافى حتى الآن.

وثانيها أنه مع صمود الدولة فى معركة البقاء ضد أنواع مختلفة من الأصوليات الراديكالية العنيفة، فإن الجغرافيا السياسية عادت مرة أخرى لكى تحدد المصالح القومية فخفتت نزعات انفصالية، وتراجعت صراعات مذهبية، وأصبحت الدولة التاريخية هى الفاعل الرئيسى وتراجعت الفواعل من غير الدولة إلى هامش الحركات الإرهابية.

وثالثها كان ارتفاع صوت تيار الإصلاح فى المنطقة عامة، والدول العربية خاصة، وفى المقدمة منها فى كل الأحوال مصر التى كان لها فضل تحقيق الانكفاء والتراجع لموجات الإخوان وتوابعهم، كما كانت لها مبادأة السعى إلى إصلاح شامل تعذر تحقيقه فيما سبق، ولحسن الحظ أنه أصبح شائعا فى دول قريبة.

فى مثل هذه التطورات فإن الجغرافيا السياسية للدول لا تكون فقط مقصورة على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل إنها تحتوى وبشكل غير قليل على الأبعاد المختلفة للجغرافيا الاقتصادية التى هى على عكس الأولى لا يحكمها المنافسة وأصول المعادلات الصفرية، وإنما تحكمها المصالح المشتركة، والأنشطة الاقتصادية التى يستفيد منها الجميع. هى حالة من حالات النضج التى تجرى على الدول والمجتمعات تجعلها لا تضحى بالاقتصاد لحساب السياسة، ولا تضيع المستقبل لحساب الماضى.

منتدى شرق البحر الأبيض المتوسط كان نتيجة واحدة من أهم خطوات الدبلوماسية المصرية وأكثرها جرأة وهى تخطيط الحدود البحرية بين مصر وقبرص، ومعها الدول المشاركة فى المنتدى إلى اعتماد قانون البحار الدولى باعتبارها القاعدة المحددة لتوزيع وإنتاج الثروة من الغاز والنفط. ورغم أن إسرائيل لم توقع على قانون البحار، فإن كل اتفاقياتها مع قبرص واليونان، والآن مع مصر، وما هو ممكن بينها وبين لبنان، يقوم على أساس هذا القانون. أكثر من ذلك فإن القبول بعضوية فلسطين يخلق إمكانية لأول تعريف حقيقى لحدود الدولة الفلسطينية، فى البحر نعم، وفى الثروة الغازية نعم أيضا، ولكنه يمثل إنجازا حقيقيا لدولة لم تقم بعد.

ولم تكن فلسطين فقط هى التى استفادت، وإنما جميع الأطراف السبعة الموقعة على إنشاء المنتدى بما فيها إسرائيل، لأن ذلك هو منطق الجغرافيا الاقتصادية التى تتعامل مع مصالح قابلة ليس فقط للقسمة، وإنما الأهم التنمية والتطور والنمو.

(استخدم قانون البحار أيضا فى تخطيط الحدود البحرية بين مصر والمملكة العربية السعودية، ومن الممكن أن يكون له نفس النتائج فى البحر الأحمر).

عوائد قيام المنتدى على أطرافه ليست فقط نفطا وغازا ومنافذ للتصدير والتصنيع وموارد من النقد الأجنبى، وإن نتائجه السياسية ليست قليلة خاصة بالنسبة لمصر وربما كانت هذه هى التى وضعت تركيا فى صفوف المعارضين خوفا على نصيبها من نقل الغاز الروسى إلى أوروبا. ولكن إذا كانت روسيا قد اشترت نسبة من حقل ظهر، ألم يكن ذلك إشارة إلى أنه فى الجغرافيا الاقتصادية هناك دائما فرص للكسب الذى سوف تتعلمه تركيا إن عاجلا أو آجلا.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا