>

ومازال الخطر مستمرًا - فاروق جويدة

ومازال الخطر مستمرًا
فاروق جويدة

بعد سنوات من المواجهات الأمنية والعسكرية مع حشود الإرهاب كان ينبغى أن تدخل الدول العربية جميعها وبلا استثناء فى مواجهة فكرية وثقافية مع فكر الإرهاب لأنه من الخطأ الجسيم أن نتصور أن الإرهاب قضية أمنية فقط فقد امتدت جذوره وجسوره إلى أبعد نقطة فى عالمنا العربى واستطاع أن يكتسب أرضا ويهزم شعوباً ويبدد ثروات أوطان كان من الممكن أن تبنى واقعا أفضل وزمانا أكثر تحضراً واستنارة.. لا أدرى حتى الآن لماذا تأجلت المواجهة مع فكر الإرهاب حتى إننا لم نشهد طوال السنوات الماضية خطة عربية على قدر من التنسيق والتكامل فى أى عاصمة عربية ترفع برنامجا لمواجهة فكر الإرهاب.

لقد أعلنت مصر منفردة خطتها تحت شعار إصلاح الخطاب الدينى ولم تدخل فى هذا البرنامج دول عربية أخرى باستثناء لقاءات جمعت بعض رموز المؤسسات الدينية من مصر والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية والبحرين وكانت هذه اللقاءات مجرد توصيات عامة لم تحدد أسباب المحنة التى تعتبر واحدة من أخطر التحديات التى واجهت الإسلام الأوطان والشعوب والعقيدة فى عصرنا الحديث.

الغريب فى الأمر أيضا أن الإرهاب وجد من يؤيده ويقف معه فى مؤامرات شهدها العالم كله بالمال والسلاح والتأييد وبقيت المحنة الحقيقية تهدد العالم العربى كله دون أن تتفق الحكومات المسئولة على برامج فكرية وثقافية لمواجهة الأزمة.. كانت هناك أسباب تتطلب وقفة من المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية فى الدول العربية تجعل من المواجهة ضرورة عاجلة وليست فقط مجرد بيانات أو شعارات تدين الإرهاب, ومرت سنوات والمعارك مشتعلة فى مواجهة حشود الإرهاب عسكرياً وأمنياَ دون أى جهد لمواجهة الفكر الذى كان وراء كل هذه الكوارث التى لحقت بالشعوب العربية وخرجت بها من العصر لتعود آلاف السنين للوراء.

كان من الضرورى أن تبدأ الدول العربية التنسيق فيما بينها لوضع خطة لمواجهة فكر الإرهاب خاصة أن منابعه كانت ومازالت معروفة وأن مصادر تمويله واضحة وأن المؤسسات الدينية والتعليمية أدت دوراً فى تعميق دور هذا الفكر المريض.

> لا أدرى لماذا توقفت مواجهة الإرهاب عند الجانب الأمنى دون جوانبه الفكرية فمازالت له منابع ومؤسسات تحميه ومازال يصدر كل يوم أفواجا وحشودا جديدة فى أكثر من دولة عربية وهذه الحشود لا تكتفى بأرض واحدة أو شعب واحد ولكنها تنتشر عبر الصحارى وتقتحم الحدود والجسور. وما حدث من مواجهات مع الإرهاب فى العراق وسوريا وليبيا واليمن وسيناء يجعل من قضية فكر الإرهاب قضية أمة وليست قضية شعب عربى واحد.. لقد مرت سنوات دون أن نرى خطة عربية لمواجهة هذا الفكر الضال والمضلل.

إن نقطة البداية وإن كانت قد تأخرت كثيرا هى التنسيق بين الدول العربية، لأن دولة عربية واحدة ووحيدة لا تستطيع أن تقوم بهذه المهمة أمام أمة يجتاحها هذا الخطر الداهم ولها لغة واحدة وأرض ممتدة ودين واحد وشعوب اختلطت عبر تاريخ طويل من العلاقات الإنسانية.

> نقطة البداية أن فكر الإرهاب انتقل مثل النيران من دولة إلى دولة ومن مكان إلى آخر ومن شعب إلى شعب.. كانت للإرهاب مدارس فكرية مارست كل ألوان التضليل عبر منابر كثيرة فى كل أنحاء الوطن العربى ولم تنج دولة ولا شعب من هذه اللعنة التى اقتحمت حياة الشعوب وتحولت إلى أركان ومقومات فى تكوين هذه الشعوب وفى حكومات إما مغيبة أو متواطئة. انتشر هذا الفكر وأصبح حقائق ثابتة وهنا يمكن أن نتوقف عند الجذور.

> كانت نظم التعليم فى معظم الدول العربية متشابهة فى مناهجها وأساليبها وخلال فترة السبعينيات طغت أساليب الحفظ والتلقين والمناهج الدينية التى كانت بعيدة تماما عن حقيقة الإسلام الدين والعقيدة وتشابهت الدول العربية فى المناهج التعليمية واستعانت ببعضها مما ساعد على انتشار الفكر المتطرف بين الأجيال الجديدة.

> لعل هذا يتطلب الآن وضع نظم للتعليم تشهد تنسيقاً بين المؤسسات التعليمية فى العالم العربى.. لقد انتشرت فى كل أرجاء العالم العربى الزوايا وخطباء المساجد الذين قدموا صورة مخالفة لحقيقة الإسلام ومهدوا عقول الناس للفكر المتطرف الذى كان نقطة البداية لأعمال العنف التى مهدت الأرض والبشر لقبول فكر الإرهاب.

> لا أعتقد أن المؤسسات التعليمية فى العالم العربى قد شهدت فى السنوات الماضية أى صورة من صور التنسيق لاقتلاع جذور الفكر المتطرف فى مناهج التعليم أو أساليبه أو الأعداد المهولة من المؤمنين به فى المؤسسات التعليمية.. وهنا كان ينبغى أن تضع هذه المؤسسات أهدافا مشتركة فى برامجها ومناهجها وأساليبها وأرجو ألا تتأخر فى ذلك.

> فى السنوات التى سبقت ظاهرة التطرف فى «الإسلام السياسى» ظهرت جمعيات دينية كثيرة اتسع نشاطها واقتحمت بفكرها الحياة الدينية للمسلمين فى كل الدول العربية وأصبح لها رواد ومريدون وقوى مالية تساندها ولم تكن هذه الجمعيات دعوة للإسلام العقيدة ولكنها اتخذت من الدين وسيلة للوصول إلى السلطة وقد حدث ذلك طوال عشر سنوات من الحرب الأهلية فى الجزائر أو مواجهات أمنية وعسكرية فى تونس ومصر والسعودية وأصبحت هذه الجمعيات تنظيمات متكاملة فى دعوات الفكر وحملة السلاح والاقتراب من السلطة وقد شاركت بعض الأنظمة فى دعم هذه التنظيمات إما خوفا أو تواطؤا وكانت النتيجة أن هذه التنظيمات توحشت وأصبحت تمثل تهديدا حقيقيا لشعوبها بل أن بعضها أقتحم حدود أوطان أخرى خارج العالم العربى كما فعلت «القاعدة» فى أفغانستان وكما فعل الإخوان المسلمون خارج مصر وللأسف الشديد أن هذه التنظيمات انتقلت من دائرة الشعوب العربية وأصبحت تنظيمات عالمية وجدت فيها الدوائر الأجنبية أدوات لتنفيذ مؤامرات وأهداف خارجية وصلت بنا إلى ما نحن فيه من الانقسامات والفتن والمعارك وملايين الضحايا الأبرياء.

> لا أحد يعرف الأسباب الحقيقية التى أدت إلى استفحال ظاهرة الجماعات الإسلامية طوال فترة السبعينيات وما بعدها.. هل هناك حكومات شجعت على ذلك أم أن حالة الاحباط والتردى فى العالم العربى جعلت الشعوب تلجأ إلى الدين حتى لو استخدمته بالباطل جماعات وتنظيمات مضللة.. أم أن الغرب وجد فى هذه التنظيمات وسيلة لإجهاض كل تجارب البناء فى الدول العربية بما فيها الديمقراطية الحقيقية أمام نماذج مزيفة منها.. لم يكن أحد يتصور أن تصل هذه الجماعات والتنظيمات إلى هذه الحشود العددية لأن تحارب الدولة فى الجزائر أو تغتال أنور السادات رئيس أكبر دولة عربية أو أن تشعل نيران الفتنة بعد ذلك فى أكثر من دولة وتصل إلى السلطة فى مصر وتونس وتعلن الحرب فى سوريا والعراق وليبيا.

إن أخطر ما شهده العالم العربى فى السنوات الماضية أن تصل جماعات الإرهاب فى معظم الدول العربية لأن تصبح قوى عسكرية تهدد أمن الشعوب وتسعى للوصول إلى السلطة وتجد الدعم والمال والسلاح لتظهر عصابة داعش والتى حملت كل تراث الجماعات الإسلامية التى حملت راية الإسلام منذ السبعينيات حتى الآن.

> لقد بدأت أفكار الإرهاب بعدد قليل من التنظيمات وبعض الاحداث فى عواصم عربية وتطورت فى أعدادها وأساليبها من حادثة الأقصر إلى إغتيال السادات إلى مواجهة الإرهاب بقوى الأمن فى المحافظات ثم إلى تنظيم داعش فى سيناء وخروج الجيش المصرى لحماية الوطن من عصابات الشر.

الغريب فى الأمر أن هذا التطور فى الفكر والأساليب والإمكانات والقدرات لم تواكبه فى أى مرحلة من مراحل تطوره مواجهة فكرية تقترب من جذور المحنة وأطراف مكوناتها الثقافية والفكرية والتعليمية.

> لا يستطيع أحد أن يتجاهل دور الإعلام العربى فى انتشار فكر الإرهاب وأكبر دليل على ذلك مئات البرامج التليفزيونية التى مهدت الأرض والعقول لهذا الفكر وشاركت فى ذلك عشرات القنوات الفضائية الدينية التى كانت منابر لأعداد كبيرة من أبواق التطرف والإرهاب وكانت هناك عواصم عربية تدعم هذه القنوات وتحمى أصحابها وتوفر لهم المال والمكان تحت شعار الدعوة.

> إن الشئ المؤكد أن الدول العربية لم تكن يوما من الأيام جادة فى مواجهة فكر الإرهاب بل إن بعضها استخدم هذا الفكر من أجل مواجهة دعاة الحريات وحقوق الإنسان ولهذا خلت الساحة تماما من أى صورة من صور التنسيق والمواجهة المشتركة من الدول العربية هناك من وجد فى فكر جماعات التطرف دعما لنظم قمعية ومن وجد فى فكر الإرهاب وسيلة لدعم الاستبداد.. وبقى فكر الإرهاب بكل مقوماته المادية والبشرية يعبث فى عقول هذه الأمة ويدمر أعظم ما فيها وهو العقل العربى.

إن مواجهة الإرهاب بالسلاح قضية قد يطول وقتها خاصة أن المعركة تركت جراحا كثيرة فى جسد الأمة ولكن هناك معركة أهم وهى مواجهة فكر الإرهاب خاصة أن الدول العربية مجتمعة لم تكن يوما جادة من أجل مواجهة عربية شاملة ضد هذا الفكر ومازال الخطر مستمراً.





..ويبقى الشعر

فى هذه الأرض ِ الشريفةِ أشرقتْ

يومًا قلاعُ النـور والبركــــــــــاتِ

بدأ الوجودُ خطيئة ً ثم انتهــــــي

بالصفح ِ والغفـران ِفى عرفـــــاتِ

حتى أطل على الوجودِ محمــــدٌ

فازينت عرفــاتُ بالصلــــــــــواتِ

فأضاء تاريخٌ وقامت أمـــــــــــة ٌ

بالحق ِتكتبُ أروع َالصفحــــــــاتِ

وسرى على أرجائها وحى الهدى

جبريلُ يتلو أقــــــدسَ الايــــــــاتِ

ومحمدٌ فى كل ركن ٍ ساجـــــــدٌ

يُحيى قلوبًا.. بعد طول ِ مــــــواتِ

بدءُ الخليقةِ كان من أسرارهـــــا

حين استوت بالخلق ِ فى لحظاتِ

وتزينت لنبيّها حتى بـــــــــــــدا

نورُ الرسالةِ فـوقَ كل حصـــــاة ِ

وتكسرتْ أصنامُ مكة.. وانزوي

خلفَ الحطام ِ ضلالُ ليل ٍ عــاتِ

فى حضن ِمكة َ كان ميلاد الهدي

والدهرُ يشدو أعــذبَ النغمــــاتِ

أممٌ أفاقت من ظلام ِعهودهـــــــا

واستيقظت من بعدِ طول ِسُبــاتِ

ألقى عليك الحاقدون ضلالهـــــم

وتسابقوا فى اللغو والســــوءاتِ

أترى يعيب الشمسَ أن ضياءهـــا

أعمى حشودَ الجهل ِ والظلمــاتِ

لو يعلم الجهلاءُ رحمة ديننـــــــا

لتسابقوا فى البر والرحمـــــــاتِ

لم يشهد التاريخُ يوما أمــــــــــة ً

جمعتْ حشودَ الحق ِفى لحظــــاتِ

لم تشهد الدنيا جموعًا سافــــــرتْ

عبرت حدود الأرض ِ والسمــواتِ

لكنه الإسلامُ وحد بينهـــــــــــــم

فتسابقــــــوا للهِ فى عرفــــــــــاتِ

هذا هو الإسلامُ دين محبــــــــــةٍ

رغمً اختلافِ الجــاهِ والدرجـــــاتِ

***

يا للمدينة حين يبدو سحُرهـــــــــا

وتتيه فى أيامها النضـــــــــــــراتِ

ومواكبُ الصلواتِ..بين ربوعها

تهتز أركانُ الضلال ِالعاتــــــــــــي

فى ساحةِ الشهداء لحنٌ دائـــــــــم

صوتُ الخيول ِ يصولُ فى الساحاتِ

والأفقُ وحيٌ.. والسماءُ بشائـــرٌ

والروضة ُ الفيحاءُ تاجُ صلاتِــــــى

ويطوفُ وجهُ محمدٍ فى أرضهـــا

الماءُ طهرى.. والحجَيـج سُقـَاتـــي

ماذا أقولُ أمام نوركَ سيـــــــــدى

وبأى وجهٍ تحتفى كلمــاتـــــــــــــي

بالعدل ِ.. بالإيمان ِ.. بالهمم ِالتى

شيدتها فى حكمةٍ وثبــــــــــــــاتِ؟

أم بالرجال ِالصامدينَ على الهـــدي

بالحق.. والأخلاق ِ.. والصلواتِ؟

أم إنه زهدُ القلوبِ وسعيهـــــــــــا

للهِ دون مغانم ٍ وهبــــــــــــــــاتِ؟

أم أنه صدقُ العقيدة ِ عندمـــــــــــا

تعلو النفوسَ سماحُة النيــــــــاتِ؟

أم أنه الإنسانُ حين يُحيطـــــــــــه

نبلُ الجلال ِ وعفة ُالغايـــــــــاتِ؟

أم انه حبُ الشهادةِ عندمـــــــــــا

يخبو بريقُ المال والشهـــــواتِ؟

أم أنه زهدُ الرجال إذا علــــــــتَ

فينا النفوسُ عَلى نِدا الحاجــاتِ؟

أم إنه العزمُ الجليلُ وقد مضــــى

فوق الضلال ِ وخسةِ الرغباتِ؟

بل إنه القرآنُ وحى محمــــــــــدٍ

ودليلنا فى كل عصــــــر ٍ آت..

يا سيدَ الدنيا.. وتاجَ ضميـــــرها

أشفع لنا فى ساحة العثـــــرات ِ

أنا يا حبيب الله ضاق بـِيَ المدي

وتعثـْرتْ فى رهبةٍ نبضاتــــي

وصفوكَ قبلى فوق كل صفــــاتِ

نورُ الضمير ِ وفجرُ كل حيـــاة ِ

بشرً ولكن فى الضمير ترفــــــعُ

فاق الوجودَ.. وفاقَ أى صفاتِ

وصفوكَ قبلى فانزوت أبياتـــى

وخَجلتُ من شعرى ومن كلماتي

ماذا أقولُ أمامَ بابك سيــــــدى

سكتَ الكلامُ وفاض فى عبراتي

يارب فلتجعل نهاية َ رحلتـــي

عند الحبيبِ وأن تراه رفاتـــــي

يومًا حلمتُ بأن أراه حقيقــــة ً

ياليتنى ألقاه عند مماتــــــــــــى

(من قصيدة «على باب المصطفى» سنة 2010)



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا