>

هيئة علماء المسلمين: العملية السياسية هي اللغم الذي شرخ وحدة أهل السنة والجماعة في العراق

هيئة علماء المسلمين: العملية السياسية هي اللغم الذي شرخ وحدة أهل السنة والجماعة في العراق

كشف قسم الثقافة والإعلام في هيئة علماء المسلمين، عن مجموعة من الحقائق والوثائق المتعلقة بالموقف من العملية السياسية ومقاطعتها في عام (2005)، والشبهات المُثارة ضد الهيئة والمقاومة في هذا الشأن.
وجاءت تفاصيل تلك الحقائق في تصريح صحفي مطوّل أصدره القسم اليوم الاثنين؛ على خلفية التصريحات التي يُطلقها المشاركون في العملية السياسية بين حين وآخر؛ ويحملون الهيئة فيها مسؤوليات ليس لها صلة منفردة بها، ومغالطات لا حقيقة لها على أرض الواقع، والتي كانت آخرها ما نشره موقع (عربي 21) في لقاء أجري مع الدكتور محسن عبد الحميد الشهر الماضي.
وفي الوقت الذي أكّد القسم في تصريحه أن العملية السياسية ومجلس حكمها ـ سيئ الصيت والذكر والفعل والأثر ـ كانت بمثابة (انفجار اللغم) الأول الذي شرخ وحدة أهل السنّة والجماعة في العراق؛ أدلى بشهادة وتوثيق للتاريخ؛ بأن هيئة علماء المسلمين لم تصدر أي فتوى تمنع أحدًا من المشاركة في الانتخابات سنة 2005، ولم تجبر أحدًا على شيء إلا في إطار الإجماع في الرأي والموقف، مشيرًا إلى أنها سعت دائمًا إلى استطلاع رأي القوى السياسية، التي عقدت جميعها معها ثلاثة اجتماعات لاتخاذ قرار بشأن موضوع الانتخابات، موضحًا أن البيان القاضي بالمقاطعة وقعت عليه (56) قوة وحزبًا وهيئة وتيارًا وتجمعًا عشائريًا، و(13) شخصية علمية وأكاديمية مستقلة.
وكشف التصريح عن أسماء أعضاء لجنة صياغة بيان مقاطعة الانتخابات في ذلك الوقت؛ وهم كل من الدكتور (زياد العاني) عن الحزب الإسلامي العراقي، والشيخ (قاسم الحنفي) عن هيئة الدعوة والإرشاد والفتوى، والشيخ (ياسين الحنبلي) (رحمه الله)، والشيخ (يحيى الغانم)، والشيخ (عبد المنعم البدراني) عن التيار السلفي بمختلف أطيافه، والشيخ الدكتور محمد بشار الفيضي عن هيئة علماء المسلمين.
واستشهد قسم الثقافة والإعلام بإقرار عدد من المشاركين في العملية السياسية ممن يتهمون الهيئة بما ليس فيها بجدوى مقاطعة انتخابات 2005، ومنها تصريح الدكتور محسن عبد الحميد لجريدة السفير اللبنانية في الثاني من شهر شباط/ فبراير 2005، أي بعد أيام من الانتخابات، بقوله: (إن الانتخابات كانت ناقصة؛ لأنّ قرابة ستة ملايين عراقي من السُّنة لم يشاركوا فيها)، وتساءل القسم إزاء ذلك بقوله: لماذا يُسفه قرار هذا العدد من الناس الآن ـ على الرغم من أنه أقل من الواقع ـ ويُصادر رأيهم، ويُراد لهم أن يعدلوا عن ذلك؟
ومن بين الشواهد الأخرى على إقرار من يتهم الهيئة بالسبب في المقاطعة؛ ما ورد على لسان السيد طارق الهاشمي الأمين العام للحزب الإسلامي؛ في اجتماع لجنة متابعة قرارات مؤتمر القوى السياسية، المنعقد في المقر العام للحزب بتأريخ 28/11/2004، الذي قال: (ونحن كحزب إسلامي نطالب بالتأجيل وبنفس الوقت أن نعرف موقف الآخرين وأن نعرف ما يكنون من قرارات كالمحاصصة...)، فضلاً عن تصريحه للصحافة العربية بأن ( وجود الحزب في صفوف المعارضة أبلغ تأثيرًا من وجوده في السلطة)) وتشديده على (إمكانية حشد الدعم لاستخدام حق الفيتو للطعن في الدستور)؛ وفقًا لما نشرته جريدة السفير اللبنانية.
وفي هذا السياق؛ أكد قسم الثقافة والإعلام على أن مقاطعة الانتخابات لم تقتصر على (السنة) فقط، كما يشاع، وإنما شاركتهم جهات عراقية أخرى، أمثال (جناح حزب الدعوة_ الكوادر) ولم يُسمع نكير عليها من أولئك الذي يحاولون لصق المسؤولية في الهيئة، مشيرًا إلى أن العكس هو الذي حصل؛ إذ عمد أولئك إلى التنسيق مع تلك الجهات وتثمين مواقفها، مستدلًا بالوثيقة الصادرة عن مكتب العلاقات في الحزب الإسلامي بتأريخ (14/8/2005)، التي جاء فيها قول السيد (إياد السامرائي)، نائب أمين الحزب في وقتها، لأمين عام حزب الدعوة_ الكوادر (عبد الرحمن أبو رغيف): (تكونت لدينا نظرة إيجابية تجاه (الكوادر) متأتية من متابعة نشاطاتهم من خلال الآخرين ومن خلال وسائل الإعلام... ولقد أحسنتم بالتوفيق بين الإسلام والوطن).
وإيضاحًا لموقف الهيئة في النصح والعمل على تقويم مسار المشاركين في العلمية السياسية؛ أورد التصريح نصوصًا مطولة من رسالة الهيئة إلى الحزب الإسلامي وقائمة التوافق والساسة في مجلس النوّاب في 26/9/2006م، ومنها: التأكيد على أن تشكيل مجلس الحكم رسّخ أول قانون لأقلية السنة ودستورية المحاصّة الطائفية، وقد كان ذلك المجلس مشروعًا أمريكيًا بكل ما لهذه الكلمة من معان وأبعاد، إذ تم تعيين أعضائه من قبل السفير الأمريكي بول بريمر، وقسّم على أسس عرقية وطائفية للمرة الأولى في تاريخ العراق.
وشددت الرسالة في ذلك الحين على أن العملية السياسية في ظل الاحتلال تعني منحه شرعية البقاء، والقدرة على تحقيق مشاريعه، معاتبة الحزب الإسلامي بالقول: (ومع أنكم اتخذتم قرار الانسحاب بملء إرادتكم من دون أن يملي أحد عليكم هذا الموقف، فإنكم لم تتوانوا عن استغلال سخط الناس لتعبئتهم ضد هيئة علماء المسلمين وتحريضهم على مواقفها)، ووصفت التبريرات التي تبناها الحزب آنذاك والتي انطلت على كثيرين وأصبحت سمة عامة في خطابهم وخطاب قواعدهم والمتأثرين بها، بأنها أنجح حملة تشويه سمعة هيئة علماء المسلمين بعد غزو العراق واحتلاله.
ووثق التصريح نصيحة الأمين العام للهيئة ـ الشيخ حارث الضاري (رحمه الله) ـ بالمقاطعة، في اللقاء الذي انعقد بتاريخ (5/رمضان/1426_ 8/10/2005)، وذكّر الجميع أنها السلاح الوحيد المضمون لإفشال مشروع الدستور، لكن الحزب ومعهم أكثر الحاضرين في ذلك اللقاء أصروا على أن يكون إفشال الدستور من خلال المشاركة في الاستفتاء بقول (لا)، مما جعل الإعلان عن موقف المجتمعين بأن رفض الدستور بكل الوسائل المشروعة سيأخذ منحيين: منحى المقاطعة وهو موقف هيئة علماء المسلمين والقوى السياسية المؤيدة لها، ومنحى المشاركة بكلمة (لا) وهو موقف الحزب وقوى أخرى.
واستعرض تصريح قسم الثقافة والإعلام جوانب من تناقضات الحزب الإسلامي في تعوليه على (المقاومة السياسية) فقط دون غيرها والذي ورد في لقاء الدكتور محسن عبد الحميد مع موقع (عربي 21) بقوله: (إن موقفنا كان واضحًا للقاصي والداني في داخل العراق وخارجه، كما أن تصريحاتنا لفضائيات العالم وأجهزة إعلامنا آنذاك واضحةٌ لمن يريد أن يصل إلى الحقيقة؛ بأن مقاومتنا السياسية للاحتلال كانت قوية وموجعة للأمريكان..)، وهو مما يتناقض مع قول الدكتور (أسامة التكريتي) في لقائه مع (موقع إسلام أون لاين) بتاريخ 28/4/2003: بأن (دور الجماعة في هذه المرحلة هو تعبئة الأمة والشعب العراقي على وجه الخصوص لمقاومة الاحتلال ودحره بكل ما يتيسر لنا من وسائل)، وهذا القول يتقاطع مرة أخرى مع حديث السيد أسامة التكريتي في برنامج (بلا حدود) في قناة الجزيرة بتأريخ (14/5/2003) عن رأيه بالقوى والأحزاب التي جاءت مع الاحتلال؛ الذي قال: (... إن ما تفعله أميركا هو مصلحة مشتركة بيننا وبينها).
واشتمل التصريح على ملفات وحقائق وأسماء وتواريخ، وغير ذلك من شهادات ولقاءات؛ ترد على جميع المغالطات التي أثيرت على مدى السنوات الماضية، وروّج لها لتأخذ منحى الانطباع العام تجاه هيئة علماء المسلمين، التي وجد قسم الثقافة الإعلام فيها نفسه مضطرًا غير مختار لكشف تلك المواقف وتسليط الضوء عليها.
وللاطلاع على النص الكامل للتاريخ والوثائق المرفقة معه، يرجى زيارة الموضوع الآتي:
تصريح صحفي
بشأن حقيقة الموقف من العملية السياسية ومقاطعتها في عام (2005)
والهيئة وأثرها في ذلك والمقاومة وجدواها


تصريح صحفي بشأن حقيقة الموقف من العملية السياسية ومقاطعتها في عام (2005) والهيئة وأثرها في ذلك والمقاومة وجدواها

أصدر قسم الثقافة والإعلام في هيئة علماء المسلمين، تصريحًا صحفيًا بشأن حقيقة الموقف من العملية السياسية ومقاطعتها في عام (2005) والهيئة وأثرها في ذلك والمقاومة وجدواها، وفيما يأتي نص التصريح:

مرة أخرى يقف العراق على أعتاب مرحلة جديدة تنبئ مؤشراتها عن الكثير من المتغيرات التي ربما يصدق القول على بعضها أنه خارج سياق التوقعات، ولاسيما مع التعاون والتعاضد غير المخبأ بين الولايات المتحدة وإيران الذي تترجمه الأحداث بوضوح. ومن بين ما هو مُشخّص على مدى السنوات العشر الأخيرة ومرشح لأن يستمر لاحقًا إلى أمد غير محدد؛ واقع حال (أهل السنة والجماعة) في العراق، وتباين التشخيصات بشأن المتسبب بما وصل إليه حالهم، ومن يتحمل المسؤولية ويرضخ للمساءلة، وما هي أسباب ذلك؛ ومن هنا كانت لنا وقفة مضطرين لها غير مختارين مع تصريحات الدكتور (محسن عبد الحميد) في لقائه مع موقع (عربي 21) بتاريخ (9/تشرين الأول_أكتوبر/2017م)؛ لنفتح فيه أبوابًا تاريخية عدة، ونطرح موضوعات لم تكن متداولة منا من قبل؛ لاعتبارات مرحلية، يبدو أن غيرنا لم يراعها المراعاة التي ينبغي أن تكون.
أولًا: أجاب الدكتور محسن عن سؤال الموقع ((ما حقيقة ما يقال من أن فتاوى ومواقف "هيئة علماء المسلمين" في العراق آنذاك هي من ضيعت أهل السنة في العراق؟قائلًا: ((النتائج النهائية التي انتهى إليها أهل السنة في العراق تثبت ذلك بصورة قطعية. لقد نصحناهم، ولا سيما المرحوم الشيخ حارث الضاري، ولكن لم يُفد. وتدريجيًا ابتعد الكثير ممن شعروا بأن هذا الموقف سيُردي بأهل السنة إلى الهلاك. سامحهم الله.. وسامحنا إذا كنا مخطئين في اجتهادنا)).
وجدير بنا هنا أن نوضح بأن ظاهرة الضعف (السني) المتداول الحديث عنها؛ ينبغي أن تأخذ طابعًا تشخيصيًا صحيحًا معززًا بأدلة الواقع، ولاسيما ونحن نتحدث عن تأريخ قريب أغلب وقائعه ما تزال حاضرة في الأذهان، والكثير من شهودهالم يزل على قيد الحياة، فلا مجال للجدل فيها أو المغالطات.وبداية فإن (أهل السنة والجماعة) في العراق بشكل عام، وعلماءهم الشرعيين، والمفكرين، والنخب منهم على وجه خاص؛ كانوا قبل 2003 يسيرون على مسارات متوازية ومتقاربة نحو أهداف وغايات تكاد تكون واحدة، بصرف النظر عن الاختلاف الفكري وتباين الوسائل المعتمدة، وهذا الاختلاف والتنوع ظاهرة طبيعية وإيجابية تشير إلى سعة في مساحة العمل وحرية في حماية الثوابت وصيانة المبدأ، وعلى الرغم من حجم المضايقات الكبيرة، والمعوقات التي كانت تواجه الدعوة والحركة الإسلامية _ بإطارها العام _؛ إلا أنها لم تعجزهم عن المواصلة، ولم تتمكن أن تكبح استمرارية حراكهم، فإذا ما أغلق أمامهم طريق وجدوا طرقًا أخرى بديلة.
ومن هنا؛ كان لـ (أهل السنة) قوتهم وحضورهم، وأثرهم الواضح في مواجهة التحديات وإلى وقت قريب بعد وقوع الاحتلال؛ ومظهر ذلك الأبرز، هو اختيار غالبيتهم _إلا من قعدت به نفسه_ لخيار المقاومة بكل أشكالها للاحتلال. إلى أن جاءت العملية السياسية ومجلس حكمها _سيئ الصيت والذكر والفعل والأثر_ التي كانت بمثابة (انفجار اللغم) الأول الذي شرخ وحدتهم، وجعلهم ينقسمون _مع الأسف_ ليس على أساس المناهج الفكرية أو المدارس التي ينتمون إليها، التي هي سبب تباين وسائلهم المشروعة قبل الاحتلال؛ بل على أساس الموقف من الاحتلال ومشاريعه وفي مقدمتها العملية السياسية، والموقف من مقاومة مشروع الاحتلال؛ فكانت الفرقة التي أنتجت ضعفًا له مآلات وتداعيات خطيرة، من ضياع للحقوق، وتهميش وإقصاء، فضلًا عن المنهجية القائمة على تصفيتهم رموزًا وعوامَّ، أو اعتقالهم بتعسف، أو الضغط عليهم لإجبارهم على مغادرة البلاد أو الرحيل عن مناطق ومدن بعينها، وما مرد ذلك إلا العملية السياسية التي أعطى المشاركون فيها (شرعية)، عززت الاعتراف بفرضية ما يسمى (المعارضة العراقية) قبل الاحتلال التي أقرت _بمشاركة من شارك في العملية السياسية من السُّنة بعد الاحتلال_ بأنهم أقلية في العراق، ولسان حال بعضهم ومقاله يقول: ((لنعترف بأننا أقلية))([1]). وهذه فرضية (آثمة) تعززت بعد الاحتلال بعد موافقتهم على المشاركة في مجلس الحكم وفقًا لها، بدءًا من مجلس الحكم، وانتهاءًا بالحكومة الحالية، وهي نسبة لا تتجاوز (19_20%). وعدت هذه المشاركة؛ موافقة على واقع أرادت الولايات المتحدة فرضه؛ لتحقيق مآرب شتى تكشّف بعضٌ منها وبعض ستكشفه الأيام، وليت الأمر بقي عند هذا الحال، فالمتتبع للأحداث يجد أن هذه النسبة أخذت تتناقص من دورة انتخابية لأخرى على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية.
ثانيًا: نشأ الحديث عن أن مواقف هيئة علماء المسلمين وفتاواها هي السبب في ضياع حقوق سنّة العراق؛ مع بدء تشكيل مجلس (الحكم الانتقالي) الذي اعترضت عليه الهيئة في بيانها (السياسي) الأول بتاريخ (16/7/2003)؛ كونه قام على أساس المحاصّة الطائفية والعرقية، التي غبنت حقوق أغلبية الشعب العراقي، وأخذ هذا الكلام يتكرر من حين لآخر ولاسيما في مواسم الانتخابات؛ ومن الطبيعي أن يحاول القائمون على العملية السياسية كبت كل صوت من شأنه بيان اعوجاجها وإظهار عدم أهليتها،وهذه فرية على الهيئة، ولابد لنا هنا من بيان الآتي:
شهادة لله وتوثيقًا للتاريخ؛ فإن هيئة علماء المسلمين لم تصدر أي فتوى تمنع أحدًا فيها من المشاركة في الانتخابات، على الرغم من أن الهيئة أعلنت صراحة أنها كجهة شرعية ومؤسسة تنشط في جميع جوانب الحياة ومنها جانب الشأن العام والسياسي في مقدمته؛ لن تدخل في أي مشروع أسسه الاحتلال ويرعاه ليثمر على طريقته الخاصة، واتخذت هذا الموقف من منطلقات شرعية ورؤى سياسية مصلحية ووقائع ميدانية، لكنها لم تجبر أحدًا على أن يحذو حذوها؛ إلا ما كان باتفاق تام مع القوى الأخرى، أو من باب النصح والإرشاد، طاعة لله عز وجل وتبليغًا لأمانة العلم بتبيان مفاسد هذه المشاريع ومضارها، التي أثبتت تجارب الأيام اللاحقة مصداقية استشراف الهيئة لها. ومن المعيب حقًا، والقادح شرعًا وعقلًا، وغير المسوّغ علميًا وأخلاقيًا؛ تبرير الفشل وعزو الإخفاق، والتملص من المسؤولية؛ بإلقاء اللوم على الهيئة تارة وعلى المقاومة تارة أخرى؛ بل والتمادي في ذلك والزعم بأن مقاطعة (السنة) للانتخابات كان بتوجيه من الهيئة، وأنه كان بمثابة حجر الأساس للتهميش والإقصاء، والوصول إلى مرحلة ما هم عليه اليوم من الحال المتردي والشتات.
2.لم تجبر هيئة علماء المسلمين أحدًا على شيء إلا في إطار الإجماع في الرأي والموقف، والشواهد على ذلك كثيرة، والأمثلة الحية والواقعية أكبر من أن تُحوى في تصريح صحفي أو مقال أو مقابلة مقتضبة؛ ولكن إيضاحًا لعدم صدق من يقوّل الهيئة ما لم تقل؛ ينبغي أن يكون معلومًا أن مقاطعة الانتخابات الأولى التي جرت في شهر (كانون الثاني 2005)، كانت من جميع أهل (السنة) وباتفاقهم، ولدينا وثائق كثيرة على ذلك، من: نصوص موثقة وصور، وشهادات صحفية، ومنها: اجتماع علماء العراق الطارئ في (20/10/2004)، أي قبل الانتخابات بنحو ثلاثة أشهر، وحضره (150) شخصية من علماء العراق، وأقيم في جامع (أم القرى) ببغداد، وتمخض عن بيان ختامي صاغه (7) ممثلين عن التوجهات الفكرية المختلفة للعلماء المشاركين في المؤتمر، ومثّل هيئة علماء المسلمين في لجنة الصياغة الشيخ الدكتور (محمد بشار الفيضي)، ومثّل الحزب الإسلامي الدكتور (زياد العاني). وتلا البيان _الذي دعا العراقيين إلى مقاطعة الانتخابات في حال استهداف الفلوجة وأخواتها من المدن العراقية جميعًا_ الشيخ (قاسم الحنفي) ممثل (هيئة الدعوة والإرشاد والفتوى)، وشارك في اللجنة أيضًا الشيوخ: (ياسين الحنبلي) (رحمه الله) والشيخ (يحيى الغانم) والشيخ (عبد المنعم البدراني) ممثلين للتيار السلفي بمختلف أطيافه. وقد نصّ بيان المؤتمر على جملة أمور، منها: ((بناءً على طلب من أهالي الفلوجة المحروسةللنظر فيما تتعرض له مدينتهم من ظلم واعتداء متمثلين بحملات القصف والتدمير والإبادة المنظمة، التي تمارسها ضدهم قوات الاحتلال الأمريكي وحلفاؤها؛ لأجل اتخاذ ما يمليه الواجب الشرعي والوطني والإنساني من مواقف الدعم والمؤازرة لهذه المدينة وأهلها)).وزاد البيان: ((وبعد أن استطلع العلماء والنخب المجتمعون الحال الراهنة في المدينة، ولجوء أهلها إلى كل الحلول السلمية الممكنة ودخولهم مفاوضات عديدة من أجل حل الأزمة سلميًا، واستجابتهم للطلبات الممكنة المقدمة من قبل قوات الاحتلال والحكومة المؤقتة آنذاك برئاسة إياد علاوي... وتدارس المجتمعون حجم الدمار الذي يخلفه القصف اليومي للمدينة، والذي يطال يوميًا الأبرياء من النساء والأطفال والعجزة، ويلحق الدمار بدورهم وممتلكاتهم، وهو أمر لم يقتصر على هذه المدينة؛ بل طال عددًا من المدن العراقية الأخرى، ويتم ذلك كله تحت ذريعة الإعداد للانتخابات، في استخفاف سافر بإرادة الشعب العراقي وحقوقه وكرامته... وبعد أن تداول المجتمعون الرأي والمشورة؛ توصلوا إلى جملة من المتطلبات، واتخذوا في ضوئها ما يناسب المرحلة من قرارات، منها: أن ذريعة الانتخابات في اجتياح المدن مرفوضة لا تستحق الاحترام، ووجهوا دعوتهم لأبناء الشعب العراقي كافة، أنه إذا تم اجتياح مدينة الفلوجة، أو استمر عليها قصف الطائرات والمدفعية، أو طال ذلك مدنًا عراقية أخرى؛ فعليهم مقاطعة الانتخابات المقبلة، واعتبار نتائجها باطلة)).
هذا ما حصل في هذا الاجتماع باتفاق الجميع ومن ضمنهم المشاركون في العملية السياسية، الذين تناسوا دورهم في تقرير المقاطعة وألصقوها بالهيئة دون سواها، على الرغم من اتفاق الجميع على تخويل الهيئة بإعلان قرار المقاطعة إذا تحقق ما ذكره البيان من مخاوف، وهذا ما حصل.. مع فارق مهم، وهو أن الهيئة أوكلت هذه المهمة لممثل (هيئة الدعوة والافتاء) الشيخ (عبد المنعم البدراني) في تأكيد منها على جماعية القرار في وقتها.
لم تكتف الهيئة بالاجتماع السابق للعلماء والبيان الصادر عنه؛ بل سعت إلى استطلاع رأي القوى السياسية أيضًا؛ حيث دعت هذه القوى، التي لبت الدعوة واجتمعت في وقتها في مقر الهيئة في ثلاثة اجتماعات؛ لاتخاذ قرار بشأن موضوع الانتخابات. وحضر الاجتماعين الأول والثاني ممثل عن (الحزب الإسلامي) الذي على الرغم من مشاركته في العملية السياسية من باب (مجلس الحكم) إلا أن الهيئة دعته لمناقشة هذا الموضوع على الرغم من اعتراض بعض القوى الوطنية التي كانت لا ترغب في حضور أي طرف مشارك في العملية السياسية، وقد بذلت الهيئة جهدًا كبيرًا في وقتها لإقناع هذه الأطراف بأهمية حضور الحزب وجدوى مقاطعته للانتخابات وهو مشارك في العملية السياسية، ولم يحضر السيد (إياد السامرائي) ممثل (الحزب الإسلامي) الاجتماع الثالث بتاريخ (17/11/2004)، الذي أعلن فيه بيان المقاطعة، ووقعت عليه (56) قوة وحزبًا وهيئة وتيارًا وتجمعًا عشائريًا، و(13) شخصية علمية وأكاديمية مستقلة، ثم تتابع ورود التوقيعات من خارج العراق في الأيام التالية. وفيما يأتي نص البيان متبوعًا بأسماء بعض الموقعين عليه: ((اجتمعت القوى السياسية والوطنية والدينية والتجمعات الشعبية والشخصيات الوطنية المستقلة المناهضة والمقاومة للاحتلال... في جامع أم القرى المقر العام لهيئة علماء المسلمين، وقد أصدرت هذه القوى مجتمعة قرارًا نهائيًا بمقاطعة الانتخابات المزمع إجراؤها مطلع العام القادم والتي يروّج لها الاحتلال تحت شتى الذرائع والحجج؛ لأنها لن تعبر عن إرادة شعبنا ومطالبه الحقة في السيادة والاستقلال ما دامت تقوم على الأسس المفروضة التي وردت في قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي رفضته المرجعيات السياسية والدينية والمستقلة؛ لما فيه من مخاطر جسيمة تمس مستقبل العراق وسيادته ووحدة أراضيه كما أن الهجوم على المدن العراقية في النجف وكربلاء وسامراء والموصل وبغداد ومدينة الصدر والأعظمية وخصوصًا جريمة الإبادة الوحشية في الفلوجة تشكل عائقًا قطعيًا أمام المشاركة في العملية السياسية التي تجري تحت هيمنة الاحتلال... ومع تصورنا الكامل بأن هذه الانتخابات لن تكون حرة ونزيهة، ومع علمنا بإمكانية حصول التزوير فيها لعدم وجود أرضية إحصائية مناسبة لعملية التصويت تحت ظل قصور الأجهزة الأمنية عن حماية المواطنين وفشل مؤسسات الدولة في تسيير أعمالها. ونحن نعلم أيضًا أن المخطط الذي يحاك للإيقاع بالقوى الوطنية الشريفة المناهضة للاحتلال هو تشجيعها على المشاركة في الانتخابات ثم منعها من الفوز بقصد إضفاء الشرعية على المحتل ومن سيمثل المحتل بعد هذه الانتخابات، ومع علمنا المطلق بأن النتائج محسوبة ومحسومة مقدمًا لمن يريدهم المحتل من المتعاونين معه؛ لذا نعلن بناءً على ما تقدم مقاطعتنا للانتخابات ودعوة كل أبناء شعبنا إلى مقاطعتها، وننوه هنا إلى أن عددًا من الجهات والأحزاب والقوى السياسية الأخرى التي حالت الظروف بينها وبين الحضور ستنضم لاحقًا إلى القوى الوطنية المصدرة لهذا البيان))([2]).
أقر عدد ممن يتهم الهيئة بما ليس فيها؛ في أكثر من مناسبة بأن المقاطعة كانت إيجابية، ومن ذلك ما جاء على لسان الدكتور (محسن عبد الحميد) نفسه من تصريحات نشرتها وسائل الإعلام في وقتها: ونقتبس هنا من خبر في جريدة (السفير) اللبنانية في (2/2/2005)، أي بعد أيام من الانتخابات؛ جاء فيه قوله: ((إن الانتخابات كانت ناقصة؛ لأنّ قرابة ستة ملايين عراقي من السُّنة لم يشاركوا فيها)). ولا ندري لماذا يُسفه قرار هذا العدد من الناس الآن _على الرغم من أنه أقل من الواقع_ ويُصادر رأيهم، ويُراد لهم أن يعدلوا عن ذلك؟! وقد أفرز واقع العملية السياسية صواب قرار المقاطعة؛ إذ إنه على الرغم من مشاركة بعض الجهات (السنية) في الانتخابات اللاحقة، وتحشيدها الجماهير بخطاب عاطفي و(طائفي) وفق متطلبات العملية السياسية؛ فقد حُجبت عن محافظة (الأنبار) أربعة مقاعد، وعن محافظة (نينوى) ستة مقاعد، والأمر عينه جرى في محافظتي (صلاح الدين) و(ديالى)؛ وقد جرى تحويل حصص تلك المحافظات إلى محافظات أخرى في جنوبي العراق وشماله، بذرائع مثيرة للسخرية، مفادها أنّ ((نسبة الشّباب في هذه المحافظات أقل من نسبتها في المحافظات التي نقلت إليها المقاعد))!
عقد (الحزب الإسلامي) اجتماعًا لمجلس شوراه في (تركيا) بعد شهرين من بيان المقاطعة، واتخذ قرارًا بمقاطعة الانتخابات، وانضم بذلك للموقعين على البيان السابق([3])، وحمّل التقرير السياسي الصادر عن الحزب في (2005)، _المطبوع على هيئة كراس ووزع على أعضاء الحزب في وقتها، ووصلتنا نسخة منه_ الهيئة بدون أن يسميها المسؤولية عن قرار المقاطعة قائلًا: ((علينا استثمار الحالة النفسية السيئة الآن عند أهل السنة لشعورهم بالإحباط حيث عجزوا عن منع الانتخابات ولم يشاركوا فيها وخرجوا في النهاية من دائرة التأثير لذلك علينا توجيههم للانتباه إلى من دفعهم إلى هذا الموقف وإلى من تسبب لهم بهذه الهزيمة ونشرح موقف الحزب الإسلامي العراقي الرائع... ونكران الذات حيث فضّل أن يتراجع دوره في سبيل المحافظة على وحدة الموقف معهم وأن يكون متضامنًا معهم رغم أن موقفه المشاركة في الانتخابات ثم التذكير بأن هناك انتخابات قادمة فلا ينبغي السماح بتكرار الخطأ ولا يسمحوا لمن يريد أن يلعب بعواطفهم من أجل مصالح خاصة أو اجتهادات خاطئة أن يحقق ما يريد)). وزاد التقرير مبينًا أسباب عدم المشاركة وهي: عدم تأجيل الانتخابات، الحيلولة دون إضفاء الشرعية على الانتخابات، الخوف من تحميل الحزب تبعة إضعاف السّنة؛ بسبب النتائج الضعيفة المتوقعة فيما لو شارك الحزب لوحده فيها دون أهل السنة. وننقل هنا النص كاملًا للتوثيق: ((اتخذ الحزب قراره بالانسحاب من الانتخابات بعدما سدت كل السبل في إحداث تعديلات طالبنا بها وأولها التأجيل لفترة ستة أشهر ذلك الطلب الذي تجاوبت معه معظم القوى العراقية. وكان الحزب قد رصد جملة اعتبارات دعته للمطالبة بالتأجيل منها: حالة الرفض والسلبية لدى القطاع الأكبر من أهل السّنة العرب لعملية الانتخابات والنظر إليها باعتبارها مكيدة تستهدفهم تحديدًا والاضطهاد الذي كانوا يستشعرونه والظلم الواقع عليهم، وتشريد مئات الآلاف من المواطنين وتهديم بيوتهم والاعتقالات العشوائية التي طالت عشرات الآلاف منهم إضافة إلى الاغتيالات التي استمر مسلسلها منذ سقوط النظام ولا زال مستمرًا مما دفع أعدادًا غفيرة للهجرة إلى خارج العراق طلبًا للأمن من غير أن تستطيع الدولة فعل شيء بخصوصها وسريان الإشاعات إن عناصر متنفذة هي وراء هذه الأعمال، وعدم سلامة الإجراءات والآليات الانتخابية بشكل يؤثر على نزاهتها إلى حد كبير. وبسبب الاعتبارات الثلاثة أعلاه فقد المواطنون الحق في الحصول على فرص متكافئة في هذه الانتخابات.. إن نمط العملية السياسية الجارية في العراق وما يتبعها من سياسات أمنية تعزز مشاعر التمرد والرفض لدى أهل السنة العرب في ظل غياب مساعي حقيقية لملافاة واحتواء هذا الرفض))([4]).
وهذا الطرح يتفق تمامًا مع قول الدكتور محسن في تصريح صحفي لجريدة السفير اللبنانية في (2/2/2005): ((إن الانتخابات كانت ناقصة؛ لأن قرابة ستة ملايين عراقي من السنة لم يشاركوا فيها)) ويتفق أيضًا مع:ما ورد على لسان السيد (طارق الهاشمي) أمين عام الحزب في (محضر اجتماع لجنة متابعة قرارات مؤتمر القوى السياسية) المنعقد في المقر العام للحزب الإسلامي، بتأريخ (28/11/2004)([5])، مفتتحًا الاجتماع بالقول: ((نرجو من حضراتكم أن يقدم لنا كلّ رأيه وأن أذهان الجميع وصدورهم مفتوحة لذلك. مشيرًا إلى تصريح الحكومة. بالأمس المتضمن رفضها بتأجيل الانتخابات كذلك تصريح السفير الأمريكي في الفلوجة بالاتجاه نفسه وعلى هذا فنحن مطالبون باتخاذ قرار عاجل لهذه الحالة إذا أصرت الحكومة وحلفاؤها على ذلك وعلينا أن نتخذ برنامج عمل يوصلنا إلى نتيجة تنقذ الجهات والقوى السياسية التي ستتضرر مباشرة مما هي فيه، وأشار الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي إلى إمكانية استغلال المؤتمر الذي انعقد في دار السيد (عدنان الباججي) واستغلال المواقف التي أبداها المؤتمرون هناك وجمع أكبر عدد من القوى السياسية لتقف أمام أكثر من مائتين حزب يسعون لإقرار الانتخابات في موعدها الحالي وعلينا أن نفتح قنوات جديدة وندعو كل من يرغب في تأجيل أو مقاطعة الانتخابات)). وزاد أحد المشاركين في هذا الاجتماع قائلًا: ((نحن نطالب بالتأجيل ولا نقاطع وعلينا أن نلوح بكل ما نستطيع التلويح به ومنها المقاطعة ونتمنى أن نشترك بالعملية السياسية لكن الضغط الذي بدأنا نتلقاه والمتمثل بالتهديد بالقتل كما أخبرني اليوم عدد من المرشحين التابعين في الموصل والذين يطلبون سحب أسمائهم خوفًا من ذلك([6]). مما يدفعنا هذا إلى العمل بجدية بالمطالبة بالتأجيل ويجب أن نسعى إلى إثارة هذا في مجلس الأمن ونسأل المفوضية أنفسهم هل يستطيعون الذهاب إلى الموصل الآن وعلينا أن ندعو جميع الأحزاب والكيانات السياسية المسجلة وكل المؤمنين بالتأجيل وعلينا أن نأتي بأكبر عدد من هؤلاء وأن نعقد مؤتمر موسع لمناقشة ذلك)).ثم ختم الحديث السيد (طارق الهاشمي) قائلًا: ((ونحن كحزب إسلامي نطالب بالتأجيل وبنفس الوقت أن نعرف موقف الآخرين وأن نعرف ما يكنون من قرارات كالمحاصصة وغيرها، أريد منكم أيها الإخوة أن لا نضع أنفسنا في موقف يحرجنا ويحرج حلفائنا وأحب أن أقول لكم نحن كحزب إسلامي لن نتورط بكارثة تأريخية يحاسبنا عليها الله وهي مكشوفة الأخطاء والخروقات نريد أيها الإخوة التركيز والاتفاق على الجوانب التي نستفيد منها مثل الجوانب القانونية وأن موقفنا في ظل الظروف الحالية أقرب إلى المقاطعة من المشاركة وأود أن تكون جميع نوايا الحاضرين مكشوفة لبعضها دون إخفاء، هذا وقد خرج المجتمعون ببيان صحفي بخصوص الأمور المتعلقة بالمسألة)).
6. وأغرب من كل ما تقدم هو ترتيب الفوائد على الانسحاب والمقاطعة، ومن ثم النكير على المقاطعين!! ومن ذلك قول التقرير السياسي للحزب: ((إن انسحابنا من الانتخابات صعد الصراع على السلطة بين التيار العلماني والموالي للولايات المتحدة وبين قيادات قائمة الائتلاف العراقي وسوف يكون هناك سعي من الجانبين لكسبنا إلى جانبه إلا أن مصلحة الحزب في هذه المرحلة أن يقف موقفًا متوازنًا من الجهتين مادام موقفهما نحو الحزب موقفًا سليمًا غير معاد ما لم نجد ضرورة قصوى في تغيير الموقف؛ بل علينا أن نسعى لتخفيف التوترات التي يمكن أن تظهر نتيجة لهذا الصراع، ومن أجل تحقيق ذلك لابد من إبقاء قنوات الحوار مفتوحة ونشطة مع الجميع وتطوير العلاقات معهم والارتقاء بها إلى مستويات أعلى مما هي عليه الآن)).
لمتقتصر مقاطعة الانتخابات على (السنة) فقط، كما يشاع، وإنما شاركتهم جهات عراقية أخرى، ولم نسمع نكيرًا عليها؛ بل تعاون وتنسيق وتثمين... إلخ، ولن نذكر هنا جهات محسوبة على خط مناهضة الاحتلال، وإنما نورد مثالًا هو (جناح حزب الدعوة_ الكوادر) بحسب الوثيقة الصادرة عن مكتب العلاقات، في الحزب الإسلامي بتأريخ (14/8/2005)، وهي مطالعة تتضمن محضرًا عن لقاء السيد (إياد السامرائي)، نائب أمين الحزب في وقتها، بأمين عام حزب الدعوة_ الكوادر (عبد الرحمن أبو رغيف). ويقول فيها (السامرائي) مثنيًا على (الدعوة_الكوادر): ((تكونت لدينا نظرة إيجابية تجاه (الكوادر) متأتية من متابعة نشاطاتهم من خلال الآخرين ومن خلال وسائل الإعلام... ولقد أحسنتم بالتوفيق بين الإسلام والوطن)) ثم زاد قائلًا: ((إن منهجنا في الحزب الإسلامي العراقي يؤكد على مبدأ وجوب استقلالية القرار العراقي، وبالتالي فأيدينا مفتوحة لكل من يحمل هذه النظرة ويعمل وفق ما تمليه عليه. ثم زاد: ((الوضع في العراق اليوم مليء بالتدخلات الخارجية التي لا تعمل لمصلحة الوطن، ونحن نسعى إلى توثيق الصلة مع العراقيين جميعًا للعمل من أجل العراق، فنحن أهل الدار أعلم بأمور وطننا وشعبنا. إن نظرتنا الوطنية الخالصةومنهجنا الإسلامي المعتدل وحرصنا على ما فيه مصلحة الشعب بكل مكوناته ووحدة البلد وأمنه واستقلاله هي التي تحكم عملنا في لجنة الدستور)).
ثالثًا: على الرغم من كلما تقدم لم تتوان الهيئة عن تقديم النصح للمشاركين في العملية السياسية، وبيان أن هذه المشاركة ستفضي إلى ضياع حقوق العراقيين وفي مقدمتهم (أهل السنة والجماعة). أما ما ورد على لسان الدكتور (محسن عبد الحميد) في الحوار الصحفي مع موقع (عربي 21) من أن الحزب نصح الهيئة والشيخ المرحوم (حارث الضاري)؛ فهو مستغرب جدًا؛ فعلى الرغم من أنه لا تصح تسمية الدعوة إلى الانخراط في مشروع تدميري جاء به المحتل نصيحة؛ فإن الدعوة إلى شيء باطل مرفوضة شرعًا وعقلًا، فضلًا عن كونها تهلكة؛ والحزب لم يكن في موقع الناصح في هذا السياق، وإنما كان في موقع من يحاول إقناع الآخرين بوجهة نظره بأي طريقة من الطرق ووسيلة من الوسائل، ومع ذلك فإن الهيئة لم تدخر جهدًا في اللقاء بقيادات في الحزب الإسلامي وغيرهم ممن شاركوا وحرّضوا على المشاركة، وتوجيه النصح لهم، ومطالبتهم بنتائج ما أعلنوا عنه مرارًا من أن مشاركتهم ستفضي إلى تحصيل حقوق (السنة)، وحثهم على إبراز جدوى المشاركة وما آلت إليه، وهذا يدل على أن ما قاله الدكتور (محسن عبد الحميد) لا يتفق مع واقع الحال، فضلًا عن كونه قلبًا للحقيقة يُراد منها إبدال موقع الناصح الأمين وجعله مقصرًا ليُلزَم بقبول النصيحة، ولا شك أن في ذلك تغييرًا للحقائق، وتلبيسًا على أبناء الشعب العراقي، الذين باتوا اليوم على دراية تامة أن عدم المشاركة في العملية السياسية كان خيارًا صائبًا، لو أن الجميع التزموا به ولم يخرقوه؛ لما كان حال السنة خاصة وعموم العراقيين اليوم يرثى له. وعمومًا؛ فإن الأدلة الموثقة على تقديم الهيئة نصحها في هذا المجال تشبه الشمس التي لا يُحجب ضياؤها بغربال؛ ومن ذلك:
- اللقاء الدوري المشترك بين الأمين العام الراحل الشيخ حارث الضاري (رحمه الله) و (مراقب جماعة الإخوان المسلمين في العراق) في مقر الهيئة في (أم القرى)؛ للتشاور في بعض الأمور المتعلقة بالوضع العام وبيان الأخطاء التي يقع فيها الحزب، فتم اقتراح هذه الآلية لإيصال ما تريده الهيئة بعد أن اتضح لها عدم دقة ما ينقله بعض أعضاء الحزب لقيادتهم عن مواقف الهيئة، وكان يحضر هذه اللقاءات المرحوم (إياد العزي).
-الرسالة المفتوحة والمفصلة في (26/9/2006م) إلى كل من أعضاء الحزب الإسلامي العراقي، وأعضاء قائمة التوافق، والساسة في مجلس النوّاب؛ حيث حرصت الهيئة على أن توصل للمشاركين في العملية السياسية رسائل صريحة أو ضمنية، حين رأت أنهم مصرون على المشاركة رغم أن حججهم لم تكن تقوى على الصمود في ميدان التبرير؛ وذلك من منطلق أن هيئة علماء المسلمين نذرت نفسها للدفاع عن الحق وأهله منذ الوهلة الأولى التي تأسست فيها، وقطعت على نفسها أن تقارع الاحتلال ومشاريعه بكل ما تمتلك من وسائل، وأن تقول كلمة الحق غير هيّابة ولا وَجِلَة، وأرادت أن تبلغ القوم بأن العراق ليس ملكهم حتى يُسمح لهم أنْ يحددوا معالم مستقبله كما يروق لهم؛، بل هو مُلك شعب قارب تعداده ثلاثين مليون إنسان؛ ولن يرضى بأقل من الحرية والاستقلال والعيش الرغيد، وأن تضحياته بأبنائه شيبًا وشبابًا، وَجوده بممتلكَاته من غَالٍ ونفِيس، وتجرّعه الصّبر، وتحمله الصعاب، لا يمكن أن يُفرّط فيها؛ فالعراق ملك للعالم الإسلامي، وهو بالنسبة له كَالقلب النَّابض الذِي يطَال بتدَاعِيَاته كل أجزَاء هذَا العَالم. وقد وجهت الهيئة للسياسين (السنة) نصائح عدة تضمنتها رسالتها المفتوحة التي تضمنت أيضًا استفسارات، وإيضاحات، ومعلومات تتعلق بواقع العراق المزري، وبيان جدوى مشاركتهم، وتنبيههم على مسؤوليتهم الشرعية والقانونية كونهم صاروا جزءًا من الحكومة التي طفقت أجهزتها الأمنية تقتل على الهوية، وتعتقل لمجرد الاسم، علاوة على الفساد والتردي في كل شؤون الحياة الأخرى. ومع الأسف؛ لم يرد جواب عن شيء من ذلك، سوى مزيد من العناد، وكثير من الإصرار، وموجة من الاتهامات طالت الهيئة ومواقفها وشيوخها وفي مقدمتهم فضيلة الأمين العام الشيخ الدكتور حارث الضاري _رحمه الله_ ومما كان مستغربًا أن يصدر عن حزب إسلامي من المفترض أن ينطلق من ثوابت شرعية. ومما جاء في هذه الرسالة:
- ((كنتم تشاطروننا هذه الجهود، حتى جاءت اللحظة المشؤومة في تاريخ العراق بعد الاحتلال، بتشكيل مجلس الحكم الذي رسّخ أول قانون لأقلية السنة ودستورية المحاصّة الطائفية. كان ذلك المجلس مشروعًا أمريكيًا بكل ما لهذه الكلمة من معان وأبعاد، فقد تم تعيين أعضائه من قبل السفير الأمريكي بريمر، وقسّم على أسس عرقية وطائفية للمرة الأولى في تاريخ العراق؛ ليحقق الهدف الاستراتيجي للاحتلال وهو تقسيم العالم الإسلامي إلى طوائف وأعراق، فضلًا عن أن قرارات هذا المجلس كانت تخضع للفيتو الأمريكي. وقد فاجأتمونا بالمشاركة في هذا المجلس، ولم يصل ذلك إلى علمنا إلا بعد أن شاهدنا الناطق باسم الحزب آنذاك الدكتور (محسن عبد الحميد) على شاشة التلفاز يدخل المنطقة الخضراء ليجتمع شمله مع الساسة الآخرين. وحينها عاتبناكم على هذه الخطوة المفاجئة، التي نرى أنكم خرجتم بها على الثوابت الدينية والوطنية؛ لأن العملية السياسية في ظل الاحتلال تعني منحه شرعية البقاء، والقدرة على تحقيق مشاريعه، وقلنا لكم: لماذا لم تستشيرونا، وأنتم معنا في الهيئة، وكنا قبل يوم في لقاء مشترك، كانت إجابتكم مثيرة للدهشة، فقد قلتم لنا حينها: إن هذا شأن سياسي لا علاقة لكم به، فأنتم هيئة شرعية تقتصر مهمتها على شؤون المساجد والفتوى، وكانت لغتكم شبيهة بلغة العلمانيين الذين يرون إن الدين لا علاقة له بالسياسة، على الرغم من أن الفكر الذي تنتمون إليه، يرفض مثل هذا الطرح جملةً وتفصيلًا، ويعده من إمارات الجاهلية في القرن العشرين. لقد اضطرت الهيئة إزاء هذا الانقلاب المفاجئ في موقفكم إلى التدخل المباشر في الشأن السياسي حرصًا على دين الناس ودنياهم، ولم يكن لجوابكم أثر في صرفنا عن مهمتنا، فنحن في الهيئة نؤمن إيمانًا راسخًا أن الإسلام شريعة، دين ودنيا، وهو يوجب علينا جميعًا الدفاع عن بلادنا بكل الوسائل المشروعة، ومنها اتخاذ المواقف السياسية المناسبة في إدارة صراع بهذا الحجم. كان انخراطكم في هذا المجلس محبطًا لنا، ولاسيما بعد أن أُعلن في يوم ولادة المجلس عن عدِّ يوم 9/4/2003م _وهو تاريخ احتلال بغداد_ عيدًا وطنيًا. وعلى الرغم من أن الدكتور (محسن عبد الحميد) ذكر لنا أنه في المجلس اعترض على ذلك لكن صوته كان ضعيفًا، ولم يتم التركيز عليه من قبلكم كثيرًا بما يوحي أنه كان لكم اعتراض جدي على ذلك، كنا نذكركم دائمًا بأنكم من النشطاء في تثقيف الشباب على الولاء والبراء، فما الذي تغير فيكم حتى انقلبت مواقفكم رأسًا على عقب؟!..كان بعضكم يحار في الجواب، بينما يصر آخرون على الإكثار من الحديث عن الموازنة بين المصالح والمفاسد)).
- ((ومع أنكم اتخذتم قرار الانسحاب([7]) بملء إرادتكم من دون أن يملي أحد عليكم هذا الموقف، لم تتوانوا باستغلال سخط الناس لتعبئتهم ضد هيئة علماء المسلمين وتحريضهم على مواقفها، فمن جانب صدر من قبلكم تقرير([8])، حملتم فيه الهيئة المسؤولية الكاملة عن عدم المشاركة في الانتخابات، وكأنكم لم تقاطعوا الانتخابات مثلها، ومن جانب آخر قادت قواعدكم حملة دعائية منظمة ضد هيئة علماء المسلمين تحملونها فيها المسؤولية عن كل ما جرى، وسطرت في ذلك أقلام بعض من قيادييكم تقارير وكلمات ومواقف ما أنزل الله بها من سلطان([9]))). ومن ذلك ما جاء في التقرير السياسي الأول للحزب لعام (2005) بشأن الهيئة: ((أهل السنة تعرضوا إلى مؤامرة قاسية والمؤامرة مستمرة وهي متعددة الأوجه ومن أطراف متعددة ليست خافية عليكم ولا نجد ضرورة لذكرها وأن من المؤسف أن شخصيات بارزة من أهل السنة انساقوا في هذه المؤامرة من غير إدراك لها ولإبعادها وكان مؤسفًا أن بعض أهل العلم ركنوا للمنافقين والمبتدعة فجعلوهم مستشارين على حساب تآزرهم مع إخوانهم المسلمين ونجح هؤلاء في شق الصف وإشاعة البلبلة وتفرق الكلمة)). فيا ترى من هم أهل العلم الذين ركنوا الى المنافقين والمبتدعة ومن هؤلاء المنافقون والمبتدعة؟ وهلا طبقتم هذا المعيار على إعذار مجلس الحكم؟ وهل المعيار هو عقدي أو سياسي فإذا كان عقديًا وشرعيًا ويعتمد مصطلحات النفاق والبدعة فمن باب أولى إعمال مصطلحات الكفر والفسق، وهذا ما لم تفعلوه ولم نفعله ولكنكم تناقضتم فأردنا البيان والإيضاح، فبينما الهيئة تتعالى عن هذه الأوصاف وتصف الأشياء بمسمياتها السياسية نراكم تنساقون إليها وأنتم (حزب سياسي) استدرارًا للعواطف وطلبًا للتبريرات التي للأسف انطلت على كثيرين وأصبحت سمة عامة في خطابكم وخطاب قواعدكم والمتأثرين بها، لقد كانت بحق أنجح حملة تشويه للسمعة بعد غزو العراق واحتلاله. ونستشهد هنا بالكلام التحريضي لمعد التقرير السياسي الأول للحزب في (2005) الذي يقول فيه: ((سوف تكون هناك حسرة وألم لدى قطاعات كبيرة من أهل السنة على عدم المشاركة في الانتخابات، وعلينا أن ننمي عندهم هذا الشعور ونطالبهم بتحديد من يتحمل المسؤولية دفع السنة إلى هذا الوضع الضعيف ولمصلحة من كان يعمل...))([10]).
- ((على أية حال لنعد إلى قضية الانتخابات، فقد تمت في السياق الذي رسمته لها قوات الاحتلال من منح القوى المتحالفة معها الأكثرية، وتهميش الآخرين، وكانت هذه النتيجة بالنسبة لنا معلومة سلفًا، وسبق أن نبهناكم عليها، ولسنا نعلم الغيب بطبيعة الحال، لكننا استوعبنا في وقت مبكر أبعاد المشروع الأمريكي، وأهدافه الاستراتيجية في المنطقة([11])، وفي ضوء ذلك كنا ندرك كيف سيتصرف، وأي الخطوات التي سيعتمدها لتحقيق أحلامه وأوهامه. انتهت الانتخابات وفي الأيام الأولى من تسريب المعلومات عن النتائج، ظننتم أنكم حصلتم على نسبة متقدمة، وأخذتكم النشوة، وسللتم مرة أخرى سيوفكم ضد هيئة علماء المسلمين، وكنتم تقولون للناس انظروا لقد كادت الهيئة بإحجامها عن خوض الانتخابات أن تضيع فرصة ذهبية؛ بل ذهب بعضكم إلى أبعد من ذلك حين أطلق لسانه ليصف الأمين العام للهيئة بأنه (دكتاتور)، وأنه لا يأخذ بالشورى، وأنتم أعلم الناس بزيف هذا الادعاء؛ لأن لكم أعضاء في الهيئة يعلمون تمامًا أن قرارها شوري، لكن الذي بدا لنا من خلال التجربة معكم أن كل من لم يطاوعكم على قراراتكم المغامرة تعدونه مستبدًا))... ((ثم لما بدأت النتائج تظهر للعلن، وكانت مخيبة لآمالكم، ومؤكدة لما توقعناه من أنها لا تخرج عن نسبة المحاصصة، وهي 20%، لم تعترفوا بخطأ تقديراتكم؛ بل عدتم إلى تحميل الهيئة المسؤولية بحجة أنها لم تدعُ الناس إلى الانتخابات مع العلم أن الهيئة كان موقفها واضحًا في ترك العراقيين وما يختارونه، في وقت تعلمون فيه جيدًا أن مقاعد البرلمان محددة سلفًا بطريقة غير عادلة وتوزيع المقاعد واضح جدًا([12])، فحتى لو تضاعفت المشاركة، فلن يحدث تغيير في النسبة المحددة لكم)).
- ((وحين تأخر تشكيل الحكومة شهورًا كنا نسمع من الناس أن مساومات تجري بين الكتل السياسية، وكعادتكم لم تقوموا باطلاعنا على شيء مما يجري، اضطرت الهيئة إلى تشكيل وفد من أعضائها لزيارتكم، وإبلاغكم ضرورة اطلاعها على ما يجري في الخفاء، وقال لكم الوفد بالحرف الواحد: صحيح أننا قاطعنا العملية السياسية لكن من المهم أن نحاط علمًا بما يجري، وقدموا لكم حينها نصحًا ألا تتنازلوا عن وزارة الداخلية؛ لأنكم وعدتم الناس برفع الظلم عنهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتسلم وزارة الداخلية، لكنكم قلتم إن وزارة الدفاع أهم للمستقبل، وحين وجّه إليكم الوفد سؤالًا: ماذا لو جردتم من الوزارتين معًا؟! قلتم له: حينها سننسحب من العملية السياسية لأن ذلك يعني أن ثمة مؤامرة على السّنة لإبادتهم. لكن الذي حصل أنكم فعلًا جُردتم من الوزارتين ولم تفعلوا شيئًا. ومن أجل ألا تنفرد الهيئة بمثل هذا القرار دعت كل القوى المناهضة للاحتلال لاجتماع طارئ لمناقشة قضية الاستفتاء على الدستور، وقد تمت دعوتكم على الرغم من أن بعض أعضاء الهيئة لم يرَ مبررًا لدعوتكم لأنكم لستم ضمن القوى المناهضة للاحتلال؛ لأنكم شاركتم في مجلس الحكم، لكن السيد الأمين العام للهيئة وقف إلى جانبكم وقال: ماداموا قد قبلوا بمناقشة العملية الانتخابية فلابد من دعوتهم إلى هذا الاجتماع. وفي هذا اللقاء الذي انعقد بتاريخ (5/رمضان/1426_ 8/10/2005)؛ نصح السيد الأمين العام للهيئة بالمقاطعة، وذكر الجميع أنها السلاح الوحيد المضمون لإفشال مشروع الدستور، لكنكم ومعكم أكثر الحاضرين أصررتم على أن يكون إفشال الدستور من خلال المشاركة في الاستفتاء بقول (لا) وحين أكد لكم الأمين العام أن أمريكا لن تسمح بأن تغلب (لا) على هذه العملية، وإن اقتضى ذلك أن تقود أكبر عملية للتزوير، فضلًا عن أن مجرد المشاركة يمنح العملية شيئًا من الشرعية، قلتم: لن نسمح لها بذلك، فقد حزمنا أمرنا وأعددنا لكل شيء عدته (وسنقول أكبر لا في التاريخ). وأمام هذا الإصرار اضطرت الهيئة إلى أن توافق على إصدار بيانٍ يتضمن الحد الأدنى من المتفق عليه، وكلف الشيخ حارث الضاري المرحوم (إياد العزي) ممثل الحزب بصياغته، رغم اعتراض بعض الحاضرين، فتم الإعلان عن موقف المجتمعين وهو رفض الدستور بكل الوسائل المشروعة، وفسرنا ذلك لوسائل الإعلام من خلال ناطقنا الرسمي، بأن الرفض سيأخذ منحيين: منحى المقاطعة وهو موقف هيئة علماء المسلمين والقوى السياسية المؤيدة لها، ومنحى المشاركة بكلمة (لا) وهو موقفكم وموقف قوى أخرى. على الرغم من قول أمين عام الحزب السيد (طارق الهاشمي) للصحافة العربية في حينها: ((إن وجود الحزب في صفوف المعارضة أبلغ تأثيرًا من وجوده في السلطة)) وتشديده على ((إمكانية حشد الدعم لاستخدام حق الفيتو للطعن في الدستور)). [جريدة السفير اللبنانية 2/2/2005[.
ومن باب التذكير بتناقضات الذين يرون أن في المشاركة السياسية بمنظومتها التي أسسها الاحتلال، اجتهادًا في تحقيق مصلحة _رغم عدم صلاحية مصطلحي الاجتهاد والمصلحة في هذا المقام_ ويتهمون هيئة علماء المسلمين بأنها منعت الناس من المشاركة فيها؛ من المهم أن يطلع العراقيون على جانب من نظرياتهم في مجال العمل السياسي قبل سنة 2003، بمقال (الإسلاميون والمشاركة في الحكومات) الذي نُشر على جريدة (دار السلام) الصادرة عن الحزب، عندما كانت تصدر في المهجر في عددها (124) في تشرين الثاني 1998، جاء فيه: (‏(في كل الحالات التي حصلت فيها الحركات الإسلامية على حصة من المشاركة؛ فإنها لم تحصل على سلطة حقيقة))! وهذا في ظل أنظمة جائرة ودكتاتورية وليس في ظل احتلال؟!!
رابعًا: يتجنب الناقدون الحديث عن الدستور وكيفية إقراره، وكأن هذا الحدث الجلل لم يحدث ولم يجر ولم يتسبب في ضياع الفرصة الكبيرة الوحيدة، التي سنحت لإجراء تعديل كبير في العملية السياسية يخفف من غلواء الهيمنة طوال سنتين كاملتين وليس الأشهر التي أعقبت المقاطعة. ولا



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا