>

هل يعود العراق ؟ - سرمد عبد الكريم

هل يعود العراق ؟
سرمد عبد الكريم
ina1dk@yahoo.com
iraq4all@

قال الخطيب البغدادي رحمه الله عندما أشار في كتابه تاريخ بغداد إلى حديث رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم (أن أبي إبراهيم عليه السلام هَم أن يدعو عليهم* فأوحى الله تعالى إليه لا تفعل فإني جعلت خزائن علمي فيهم وأسكنت الرحمة قلوبهم)

بهذا الحديث نبدا مقالنا حول العراق ... الذي استثناه رب العزة من العذاب والويلات التي عاقب بها سبحانه وتعالى امم اخرى رغم ان اهل العراق كانوا في حينها كفرة !

والمعروف عن العراق و الشعب العراقي له طبيعة خاصة ، من طبائع الشعب العراقي أنه لا يوالي أحدا ، فدائماً أقول: أسعد الملوك من يحكم مصر.. المصريون يموتون غراماً بحاكمهم حتى لو كانت كليوبترا ، والعراقيون يموتون من حاكمهم حتى لو كان علي بن أبي طالب.. ولهذا تعجب إلى أن كل من يحكمه يخويه ، لأن هذا الشعب مستحيل أن يوالي لأحد ، فسينقلب ، فهم كنهرهم بالثانية ينقلب ، فهل هناك أكثر من مقتل سيدنا الحسين ، فعندما قتل سيدنا الحسين ، وتعلمون القصة ، كان سيدنا الحسين وعبدالله بن عمر ، فكان عبدالله بن عمر يعشق سيدنا الحسين ، ففي اليوم الثالث من العيد قال: أين أبو عبدالله. فقالوا بأنه ذهب إلى العراق حيث أرسل إليه أهل العراق.. فلحق به ودعاه بأن يعود لكنه أصر على السير إلى العراق.. فقتل هناك.. وبعد ستة أشهر جاء أهل الكوفة لكي يحجوا ، وكان عبدالله بن عمر جالسا في ظل الكعبة ، فجاء أهل الكوفة ليسلموا عليه.. فقال لهم: بالله عليكم لم قتلتم الرجل وأنتم الذين أرسلتم إليه؟ قالوا: ماذا نفعل يا ابن عمر ، لقد ملأ ابن سبئ جيوبنا بالمال.. اليوم تعرفون في العراق أن الفساد في سرقة الأموال بلغ حداً لم يعد يذكر أحد أنه مصيبة ، ولهذا رب العالمين جعل أغنى بلد في العالم العراق حتى يرضيهم لأنهم فعلاً هم أصحاب عقول وعبقريات فأعطاهم هذه الثروة وإن لم ينالوا منها شيئاً.. هذا الذي يجري في العراق من فساد أجدادهم فعلوه ، حيث قالوا: قتلناه لأن بنو قريضة*1 ملؤوا جيوبنا بالمال..

المعروف ان العراق يمر الان بايام سوداء منذ احتلال البلاد في 2003 ولحد الان بل ان هذه الايام السوداء مر بها العراق حتى قبل الاحتلال الامريكي البريطاني , حيث مر بحالة حصار قاسية ضربت العائلة العراقية
بالصميم لغرض التمهيد لاحتلاله ...

والمعروف ايضا ان العراق بلد حضارة منذ فجر التاريخ , حيث بدات الحضارات بالعراق ومصر حصرا ومنها انتشر الشعاع الحضاري لكل انحاء المعمورة , فلا توجد اي حضارة في اي مكان الا وانامل العراقيين تجدها واضحة فيها .
فالعراق ليس بلدا طارئا , فهو بلدا اصيلا ... على المستوى التاريخي والديني والعلمي .. ولذلك بلدا سكنته الحضارة من فجر التاريخ لابد ان يمتلك في كينونته الجسمية وفي شفرته الوراثية عوامل الصمود
واعادة الحياة , مهما كانت الظروف ...

والتاريخ حافل بالوان حمراء (الوان الدم والنيران ) في كل اجزاء كتب الحضارة العراقية , فحروب فجر التاريخ كانت تؤشر بشكل جدي لاهمية مايجري في ربوع الرافدين ومحاولة جيران العراق السيطرة عليه
طيلة قيام حضارات اشور وبابل وسومر وبعدها بداية الفتوحات الاسلامية والغزو الفارسي المتكرر للعراق وحملات قدمت من اسيا المغول والتتار (هولاكو ) مثلا ... كل هذه الايام كانت سوداء وفي كل مرة ينهض العراق منها
اقوى مما كان عليه ...

وبما ان البلاد تعيش اليوم ماساة وتراجيديا الاحتلال بكل تفاصيلها , فمن الطبيعي ان تدب روح الياس في نفوس الضعفاء , لكن بنفس الوقت ان هذه الحالة تستفز ضمائر شرائح قوية من العراقيين وعندما نقول العراقيين
فاننا نستدعي ذاكرة سومر وبابل واشور لنفك شفرتها الوراثية , حتى نعلم ان كل الجينات التي نحملها جينات اجداد عظام , بعيدا عن الاعراق والاديان والمذاهب ....

فالدم العراقي دما واحدا , ورسالة السماء بفتح القدس على يد العراقي الكردي صلاح الدين الايوبي , اشارة واضحة لعراقة دم العراقيين بعيدا عن تفاصيل ليس لها علاقة باصالتنا .

ان العراق اليوم يعاني من بعض الامور , التي حقيقة الامر اثرت واطالت حالة الاحتلال وتاثيرها ومن هذه العوامل :

ظهور دولا طارئة على التاريخ , تحمل بكل تاكيد عقد الحرمان التي مرت بها هذه البلدان الطارئة ... وبالتاكيد حداثة ظهورها وتقدمها نتيجة فورة دولارات النفط لديها , لم يبعدها عن عقد قديمة ..

لذلك اصرت هذه الدول الطارئة على التدخل بعراق ضعيف ممزق مهلهل نتيجة الاحتلال , فالتدخل ظاهره مساعدة انسانية او قومية اما حقيقته هو الاصرار على ديمومة تاثير الاحتلال السلبي ...

وبهذا نعرف ان تاثير الدول الطارئة له قصد اما الدول الاصيلة بالمنطقة وهي على حدود العراق سواء فارس واطماعها او تركيا وطموحها المستند لتاريخها العثماني ..

العراق بحضارته دولة اصيلة وبالتاكيد فارس وتركيا دولا اصيلة وما ان الحدود مفتوحة تاريخيا فحدث التاثير والتاثر المتبادل حضاريا وهذا عامل ايجابي جدا لبناء البلاد وتطورها ...

ولذلك من الطبيعي ان يكون هناك تفاعل عراقي فارسي تركي لينتج عنه حالة متطورة وهذا مااتوقعه قريبا جدا ...

وهذا واضح بالشخصية العراقية فهي حضرية وبنفس الوقت عشائرية رغم تناقضها وهذا مااكده العلامة الوردي .. وكل ذلك نتيجة التاثر والتاثير نتيجة تاريخ الحروب والغزوات التي مرت بها البلاد .

بعد هذا الاستعراض الطويل ... نرجع لسؤالنا هل يعود العراق وتتمة لهذا السؤال هل الاحتلال دمر وحرق كل شيء ؟ والجواب الاكيد ان عودة العراق امرا مفروغا منه ... ولايوجد اي شك بذلك

والعودة مجرد تاريخ ووقت طال او قصر ...اما تاثير الاحتلال على بنية البلاد فبالتاكيد حدث ضرر كبير , لكن وهذا هو المهم , عندما نقارن ماحدث بالعراق عبر الغزوات التي مر بها العراق فجميعها تقريبا

حرقت العراق ودمرته , لكن كان العراق دائما يعود اقوى وافضل وعند التدقيق نجد الجواب في تركيبة جينات العراقيين كونها اصيلة مبتكرة مبادرة ....

فكات الغزوات رغم قسوتها حقنة تجديد اكدت قوة واصالة البلاد , كما يفعل لقاح اي مرض حيث يحفز الجسم للدفاع عن المرض ...

الذي اراه ان الاحتلال رغم دماره جدد البنية الاصيلة للعراقيين وهذا يفسر الرفض الكامل لكل محاولات الاحتواء التي مرت بها البلاد من جيرانه اصلاء وطارئين ..

والذي اراه واضحا امام عيني ... ان العراقي البسيط (الفلاح والعامل والجندي والشرطي والكاسب ) , هو من سيرسم مستقبل البلاد لا القائد العسكري او رجل الدين المنافق

ولا السياسي المستورد ...

فقط اذكركم باول مسيرة قرب الامام حنيفة النعمان بعد يوم واحد من الاحتلال , وهي تمثل الرد الطبيعي على حالة يرفضها الضمير العراقي بكل الوانه الجميلة تركمانه قبل كرده وعربه
يزيديه وصابئته قبل مسيحيه ومسلميه .... والاهم شعبه الطيب القافز والعابر للطائفية التي مثلها عثمان السني بالاعظمية لانقاذ غرقى جسر الائمة الشيعة !
باختصار لايوجد بالعراق سنة السعودية ولا شيعة ايران ... فهنا سنة وشيعة باسماء لكنها واقعا حالة واحدة بل ان سنة العراق وشيعته اقرب للمسيحيين بكل التفاصيل بعيدا عن عقد الدين
والايدلوجيا ...


على هذا الاساس فاننا نقول استنادا لماتقدم وبناء على المعطيات التاريخية والفنية فالعراق عائد وبقوة وان كل الدول ساهمت بتدميره وايذاء شعبه ايا كانت الاعذار فهي تمثل احقادا تاريخية
ستدفع ثمن ماجرى للعراق وشعبه .

ان الصورة السياسية للعراق اليوم لاتعبر باي شكل من الاشكال حقيقة العراق , كل الموجودين هم ادوات احتلالية فارسية او لدول الجوار او غربية ... ولاتمثل الروح السياسية الحقيقية للبلاد
فالاحتلال يراهن على الوقت ليفعل الفساد فعله (وهو اول من شرع هذا الفساد) , لكن المحتل يجب ان يعرف ان هذا الشعب ملتصق بارضه وحريته ولن يستطيع تغيير بوصلة التفكير لديه , لانها مخزونة
في ضميره واصيلة لذلك ترى هذه الصفات تظهر فور حدوث اي مصيبة , فالمشاعر لايمكن زرعها ولايمكن استحداثها ....

الفساد وتاثيره ضرب كل العراق وصولا لكل شارع وكل حارة ولم تفرق بين كل الوان هذا الشعب الاصيل !

وبالتاكيد الاحزاب القديمة والجديدة وصلها الفساد وغير من طبيعتها واصبحت جميعها لاتمثل ارادة الجماهير كما كانت بسبب تسلق الوصليين والانتهازيين ووصول نماذج لاتؤمن اصلا برسالة الاحزاب
ومهمتها السامية ... ولتضرب مثل على مانقول هل الحزب الشيوعي العراقي هو نفس الحزب الشيوعي سابقا , او حزب البعث هل هو نفسه حزب قبل الاحتلال ؟ فالجواب طبعا لا
لكننا نراهن على الجين العراقي الموروث فهو اقوى من ايدلوجيات فارغة او شعارات بدون هدف والشعب يتلضى جوعا وفقرا و بردا ... بينما مناضي الاحزاب اللذين تحولوا
لمناضلين على الفيسبوك والكل يناضل من اوربا و امريكا واستراليا بينما ابن الخايبة ينتظر نصف كيلو عدس من حكومته الرشيدة !!

لكن من المؤكد سيتغلب الموروث على كل محاولات الاحتلال بتغيير الهوية ... وستبقى هويته مميزة تستمد قوتها من جذورها الاصيلة ...

العراق باذن الله عائد وبقوة لا باحزاب كانت سببا في تدميره ولا بمساعدة دولا طارئة واصيلة , بل سيعود بارادته المستقلة الاصيلة وقوته الذاتية كما فعلها دائما منذ بدء الخليقة ولحد الساعة والله اعلم .






* العراق
*1 بنو قريضة نوري المالكي اصله من بني قريضة

كاتب واعلامي عراقي
الدانمارك
24/3/2019م



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا