>

هل يجوز ترديد القسم العسكري في صحن الائمة؟


الدكتور
عبد القادر القيسي

بداية ان مقالي يتناول الموضوع من ناحية قانونية ذات بعد عسكري، بعيدا عن أي تفسير ديني مغرض قد يدخلنا البعض فيه لغاية في نفس يعقوب، وال البيت الكرام لهم المنزلة الرفيعة في القلوب والعقول، وكنت عازم على الكتابة قبل هذا الوقت عن تلك الممارسة؛ لكن عافيتي كانت لا تعينيني على الكتابة بسبب اجرائي عملية جراحية (شافكم الله) وبعدها سفري؛ ورغم أنى لست من المدمنين على مشاهدة الفضائيات إلاّ باليُسر اليَسير من الوقت، لكني توقفت مؤخراً عندما ادى المئات من طلبة الكلية العسكرية العراقية الرابعة في بداية شهر كانون الأول من عام 2016 القَسَم في ضريحي الامام الحسين وأخيه العباس(عليهم السلام) بمدينة كربلاء بحضور جمع من رجال الدين بعد ان نظموا مسيرة عسكرية في شوارع المدينة بعكس ما هو متعارف عليه بترديد القسم في مقر الكلية العسكرية وبحضور امر الكلية مع وزير الدفاع او رئيس الأركان وقادة في الجيش.
قال العميد عبد الكريم سوادي آمر جناح في الكلية العسكرية "نحن هنا اليوم لتأدية القسم في حضرة الإمام الحسين عليه السلام ونعاهد إمامنا الحسين وأخاه أبا الفضل العباس عليهما السلام أن نكون جنودا أوفياء في خدمة الوطن وأن يكون هدفنا الأول هو حفظ الوطن وشعبه ومقدساته".
ليس ثمة مجال وظيفي من مجالات العمل بالدولة أكثر أهمية وأشد خطورة من مجال العمل العسكري، فهو يأخذ أهميته من طبيعة المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتق العسكريين؛ إذ بهم بعد الله تعالى تُحمى الأوطان، ويتحقق الأمن والأمان، وتحتفظ الأمة بالعزة ورفعة الشأن، أما خطورة العمل في المؤسسة العسكرية، يكمن في ثلاثة:::
الأول: تحوله من قوة للدفاع عن الوطن الى قوة أمنية.
الثاني: تحوله من جيش الأمة إلى جيش الطائفة، ويستبدل الولاء للوطن بالولاء للمذهب ويصبح جيش مذهبي.
الثالث: فساده، عندما يفقد العسكري صفته العسكرية ويتحول الى انسان مرتزق اختار الانتساب الى القوات المسلحة للارتزاق والراتب فقط.
ومردّ أي خطر من تلك؛ سوء العواقب وفداحة الخسائر، والذي قد يتجاوز حدود الوحدة العسكرية في أدنى تنظيم لها، صعوداً إلى القوات المسلحة بسائر فروعها؛ وقد تصل منتهاها لتشمل الأمة بأسرها، وما من شك في أن السقوط أو الانكسار العسكري لأمة من الأمم يحتاج إلى عقود طويلة لجبره، وإمكانات وفيرة لِصَلْبه، وعوامل كثيرة لتستعيد الأمة عافيتها، وتستردَّ ثقتها في قواتها المسلحة.
ان اداء القسم بهذه الطريقة التي رأيناها؛ يتنافى مع العقيدة العسكرية التي سادت في العراق منذ تشكيل جيشه الوطني في عام 1921، ولم اجد نص قانوني في أنظمة الكليات العسكرية مثلا (نظام 28 لسنة 1966) وغيرها يبيح ترديد القسم في صحون الائمة أو المزارات أو المراقد او الاضرحة، حيث القسم المعروف والدارج يكون بمقر الكلية العسكرية المتخرج منها الضابط، وبالمصحف الشريف؛ بالولاء للوطن وسيادته وحدوده والدفاع عن الشعب العراقي دون تمييز، وكان الجيش العراقي عراقيا خالصا ومن أقوى الجيوش العربية، وخاض العديد من المعارك الكبرى، وكان الإطار الوحيد لصهر المكونات العراقية، وتكوين الهوية العراقية الجامعة، وكان التجنيد الوطني الإلزامي هو الوسيلة المثلى، وقد تم حله عقب الغزو الأمريكي للعراق في تاريخ 13/6/2003، وفق قرار جائر من بول بريمر برقم (2)، ولحق القرار قرارٌ آخر بدمج الميليشيات المسلحة بالأمر رقم (91) لعام 2003.
والمتمعن في مضامين القسم العسكري لأي دولة ومدلولاته يجده دستوراً جامعاً لثوابت الأمة وأصولها، ومطالب الجندية وأهدافها، وتقاليد الحياة العسكرية وأعرافها.
ان المؤسسة العسكرية مؤسسة عسكرية صرفه ومهنية، عليها ان تلعب دور محايد ومتجرد من الميول والاتجاهات السياسية، لذا؛ فان أداء القسم في صرح الكلية العسكرية هو الامر المتعارف عليه في غالب الجيوش؛ سيما ان الدفعات المتخرجة تضم كافة مكونات الشعب العراقي منها (الشيعي والسني والمسيحي والكردي)، والقسم هو اشهار علني وإبراز للقيم المهنية والمثل العسكرية الجوهرية منها(الطاعة والحزم والصرامة والثقة والتصميم والإخلاص) والمظهرية في المؤسسات العسكرية؛ فالصورة التي يتم بها القسم العسكري علناً في موقف مشهود، وبشكل جماعي، تبرز ما ينتظم المجتمع العسكري من رابطة الزمالة وأواصر الأخوة في السلاح، والعمل بروح الفريق؛ والكيفية التي يتم بها القسم عبر التلقين من قبل أحد القادة والترديد من المُقسِمينْ، واضعين أيديهم على (القرآن الكريم)، وتعلو سحناتهم علامات المهابة والوقار، وتتعالى أصداء أصواتهم لتعمّ المكان العسكري بالثقة والافتخار؛ والسمت الموحّد زياً وأداءً ومهابةً ووقاراً الذي يكون عليه الضباط أثناء القسم، يبرز خاصية الانضباط التي يتميز بها الأداء العسكري، كما يبرز في الوقت ذاته مفهوم الانتماء إلى المجتمع العسكري الذي وحّد بقيمه ومثله ومبادئه تلك الجموع الغفيرة على قلب واحد ولسان واحد وهدف واحد.
فما علاقة الصحن الشريف للأمام الحسين (عليه السلام) بتلك الممارسات العسكرية الصرفة التي لا مجال للاجتهاد في أداء القسم خارج مقرات المؤسسة العسكرية؟؟
وقريبا من ذلك؛ فقد عاصرنا عدة ممارسات لترديد القسم من برلمانيين ومجالس المحافظات؛ كما حصل في كربلاء والنجف وقوائم حزبية وغيرها بعد فوزهم بالانتخابات؛ حيث جاؤا وأقسموا داخل الحضرة الحسينية المشرفة بأنهم سيعملون بكل نزاهة واخلاص، فهل صانوا القسم وعملوا لخدمة مواطنيهم؟؟؟
لماذا نجعل هذه الأماكن الطاهرة ميدانا للمزايدات بكافات مجالاتها؟؟؟
إن قسم كبير منهم لم يزهو بالقسم عزة وافتخاراً، بل استخف به أو تهاون في شأنه، ونكث اليمين وخلف الوعد ونقض القسم، أن تبعات الوفاء بالقسم ثقيلة ومضنية للمقسِم.
ان تلك الممارسة لا تليق بالعرف العسكري، وقد يصنفها الغير بانها إختزال طائفي صريح، سيؤدي الى ان يقوم الضابط السني بأداء القسم في ضريح أبي حنيفة(رض) أو عبد القادر الكيلاني(رض) والضابط المسيحي أيضا يؤدي قسم الولاء في الكنيسة وهلم جرى.
أن نص القسم العسكري يختلف لفظاً ومضموناً من دولة لأخرى، تبعاً لاختلاف عقائد الدول ومذاهبها، ومناهجها ومبادئها؛ لكنه موحد في نفس الدولة، وأداء القسم في الاضرحة والمزارات يفقد القسم من مدلولاته ومضامينه، ويعد ممارسة خاطئة، تسقط بالقاضية الضوابط الخاصة للحياة العسكرية واعرافها المرعية، فما هو مقبول في مكان ما مقابل ما هو غير مقبول في مكان آخر، بخاصة، عندما يعود الامر إلى الممارسات الدينية أو الثقافية، والامام جعفر الصادق(عليه السلام) له مقولة تعضد ما نقول، حيث قال:::
(لقد أمسينا وما أحد أعدى لنا ممن ينتحل مودتنا).
وكل عراقي يتذكر ان الزعيم المرحوم عبد الكريم قاسم كان يردد وبإلحاح بأن الجيش العراقي يجب ان يبقى بعيدا عن السياسة ورفع شعاره الذي لا ينسى (الجيش فوق الميول والاتجاهات) لكن الجيش العراقي وعلى مر مراحل بنائه وتطوره يعتبر ضحية الأنظمة السياسية التي حاولت تجييره لصالحها ولم تعمل على بقائه محايدا بعيدا عن التأثيرات والميول والاتجاهات السياسية أو الدينية أو العرقية، حيث كان من المفروض أن يعامل الجيش والقوات المسلحة عموماً على أنها مؤسسة دولة وليست مؤسسة حكومة.
إن الجيش العراقي بتلك الممارسات الخاطئة؛ قد يبتعد يوماً بعد آخر عن الأعراف والتقاليد العسكرية، بسبب الولاءات الحزبية والمذهبية.
لقد تعرّض الجيش العراقي إلى جروح كبيرة من قبل الساسة الطائفيين أنفسهم، وأصروا على أن يُفقدوه مكانه ومكانته، إنّ أسوأ ما فعله بعض الساسة أنهم، أطاحوا بالعسكرية العراقية، فمثلا عندما يتهموه بالخيانة عندما تم تحريك قوة الى مخمور ويدعون ان مليشياتهم اقوى من الجيش وعندما نسمع هناك اكاديمية العباس والصدرين تخرج مقاتلين، وصار حديث الخبراء النواب عن أدقّ الأمور العسكرية الاستراتيجية أسهل كثيراً من الكلام في شؤون السوق والملابس.
تهدف المؤسسة العسكرية من إلزام خريجيها بأداء يمين القسم العسكري قبل تكليفهم بالعمل الميداني إلى عدة أهداف، أبرزها:::
أولاً: تذكير المُقْسِم بثقل الأمانة التي حملها طواعية واختياراً بانخراطه في السلك العسكري وانتقاء الجندية.
ثانياً: إعلان المقسم في عزّة وفخار عن ولائه لربه ودينه، وصدق الانتماء للوطن، حفاظاً على أمنه، وسلمه، ومقدساته، ومقدراته، فضلاً عن مواطنيه.
ثالثاً: بث الثقة في قلوب المواطنين بقواتهم المسلحة، وبقدرة منسوبيها على تحقيق الأمن المنشود والأمان المقصود للأمة، وبعزمهم واستعدادهم على الدفاع عن الدين والوطن.
رابعاً: طمأنة القيادة العليا للدولة على أن ثقتهم الجليلة في محلها، وأمانة الدفاع عن الوطن على أكتاف من هم أهل لها، وانهم وجدوا في أنفسهم الكفاءة لحملها.
خامساً: عكس صورة الأمة وإظهار خصائصها، باعتبار أن القوات المسلحة هي المرآة العاكسة لما يؤمن به الفرد والمجتمع من عقائد وقيم، وما يتمتع به الوطن والمواطن من عزة ومنعه؛ ونص القسم تجسيد لذلك لفظاً ومضموناً.
ان الجيش العراقي كان يتمتع بسمعة عربية وإقليمية قبل الاحتلال من خلال فيالقه السبعة وأداءه الميداني المشهود سواء في ظل الحكم الملكي في حرب1941 ضد الحكم البريطاني و1948 في فلسطين أو في ظل الحكم القومي في حربه عام 1967 و1973 في فلسطين وحرب 1980 وغيرها.
وأخيرا، هناك ضرورة ببناء قواتنا المسلحة على أسس وطنية سليمة، بعيداً عن الانتماءات الفرعية والولاءات الثانوية، وان تكون مهمة الجيش هي الدفاع عن الوطن وسيادته واستقلاله ونظامه الدستوري، وان تجري تربية منتسبيه بروح الولاء للوطن واحترام المؤسسات الديمقراطية، ويتوجب السعي الى إعادة العمل بالخدمة الإلزامية تعزيزا لروح المواطنة، فبدون ذلك لن تتمكن قواتنا من النهوض بدورها المنتظر على الوجه المطلوب.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا