>

هل نحن مسؤولون عن مجزرة نيوزيلندا؟ هيفاء زنكنة

هل نحن مسؤولون عن مجزرة نيوزيلندا؟
يفاء زنكنة

قيل وسيقال الكثير حول المجزرة التي ارتكبت اثناء صلاة الجمعة، يوم 15 مارس/ آذار، في مسجدين، في مدينة كرايست تشيرش، في نيوزيلندا. وقد يكون ما لن يقال أكثر. ففي لحظات الفاجعة الانسانية الجماعية، وحتى ما يليها، يصاب العقل بصدمة تعيقه عن رؤية الحدث بجوانبه المتعددة، وغالبا ما تكون الاستجابة العاطفية خليطا من حزن وألم وذعر وغضب واستعادة لذكريات مريرة، في آن واحد. يتبدى هذا بوضوح على المستوى الانساني ـ الفردي وامتداده الجماعي. فتكون ردود الافعال، الآنية والبعيدة في بعض الحالات، نوعا من التشبث الانتمائي بالمجموعة، أيا كانت. خاصة اذا استقطبت الفاجعة الاهتمام سياسيا واعلاميا، وبات مادة خصبة للتداول بين ساكني مواقع التواصل الاجتماعي.
توفرت هذه المواصفات، كلها، في ردود الافعال حول ارتكاب مجزرة الجامعين وما تلاها. فهي المرة الاولى التي يحدث فيها مثل هذا العمل الإرهابي في البلد الذي بدا للعالم، حتى لحظة المجزرة، كأنه يغفو، بسلام، بعيدا عما ينتاب البقية. جاء جرس الاستيقاظ، بشكل شاب ابيض، وصل الى نيوزيلندا من استراليا، مسلحا، سلاحه مجاز قانونيا، وليس لديه أي سجل في دوائر الشرطة او القوات الامنية او الاستخبارات، في كلا البلدين، على الرغم من تنسيق الاجهزة الامنية بينهما. نفذ جريمته بتخطيط دقيق الى حد ترتيب البث الحي، دقيقة بدقيقة، وهو يرتكبها. تكلف نداء التنبيه الى وجود «اليميني المتطرف»، حسب توصيفه محليا وعالميا، دماء ما يزيد على الخمسين ضحية وعشرات الجرحى، من مصلين مسالمين، نساء ورجال وأطفال، كانوا يظنون أنفسهم آمنين في المسجدين، يوم الجمعة.
تبين مراجعة سردية ظهور «الإرهاب»، المفاجئ في نيوزيلندا واستراليا، التي انتشرت بعد ارتكاب المجزرة، وجود ثقوب عميقة، أو فراغات واسعة في الفكر الغربي السائد. لعل أهمها هو تغاضي اجهزة الامن والاستخبارات الغربية، عموما، عن وجود وممارسات اليمين الابيض المتطرف، المركزة على نشر خطاب الكراهية ضد اللاجئين و«الاجانب» من غير البيض. فهي لا تتعرض لهم، مهما فعلوا تقريبا، بينما تتجه ملاحقتها ومراقبتها وتركيزها الأمني المكثف على المسلمين. حيث بات الإرهاب، سمة ملتصقة بالمسلم مهما كانت قوميته أو خلفيته العرقية. انه متهم بشكل أو آخر، حتى لو كان، قد ولد أو ترعرع في بلد اوروبي. انعكس هذا الوضع، تدريجيا، على عامة الناس، الذين يتشكل وعيهم عبر الخطاب الاعلامي والسياسي، لتسود شيطنة المسلمين ويصبح تصنيفهم كإرهابيين مقبولا ومألوفا بلا تمحيص.

للإرهاب منظمات وحكومات تمارسه. وأن تصبح المطالبة بالبحث عن جذوره وإيجاد الحلول هو الهدف، إذا ما أردنا ترسيخ ما يجمع الناس بعيدا عن «نحن» و«هم»

ولدينا أمثلة على توجيه اصبع الاتهام، اعلاميا، الى مسلمين، حال وقوع حادث يستهدف مدنيين في اية مدينة اوروبية، والى ان تظهر الحقيقة تكون صورة المسلم كإرهابي قد رسخت بالاذهان. أدى هذا الامر، ومع ظهور منظمات تستخدم الإسلام لستر جرائمها، والتشويه المنهجي المتعمد والاختراق المخابراتي أو «العمليات السوداء» المنسوبة الى حركات مقاومة الغزو والاحتلال، الى تحشيد قوى الامن لمراقبة المسلمين وملاحقة البعض، وتزايد حملات الضغط والمراقبة ضدهم، مما وفر للأبيض اليميني المتطرف حرية الحركة وعدم الملاحقة. لذلك، من الطبيعي، ألا يوجد سجل لمرتكب المجزرة الاسترالي (مع آخرين لابد قد تعامل معهم في رحلاته الى بلغاريا واسرائيل وتركيا وغيرها في مجرى اختيار موقع جريمته) وهو الذي قضى عامين في شراء السلاح والاعداد الدقيق لجريمته.
ان مجزرة المسجدين ليست حصيلة فعل فردي مختل، أو «تفاحة فاسدة»، كما قيل عن تعذيب المعتقلين من قبل قوات الاحتلال الامريكي، بسجن ابو غريب. انها حصيلة تغذية منهجية، سياسيا واعلاميا لـ «الإسلاموفوبيا»، على مدى عقود، من قبل جهات متعددة تراوح بين المحتل الاستيطاني، والغازي الامبريالي، وتجار السلاح والهيمنة على النفط مرورا بالحكام العرب المستبدين. أنه واقع بتنا نعيشه، تتخلله أصوات مستقلة انتبهت منذ وقت مبكر الى تأثير هذه السياسة، وتداعياتها الوخيمة، ومسؤولية أجهزة الاعلام في تناولها. وهذا ما أكد عليه الاعلامي البريطاني جيمس أوبراين، في حديثه عن المجزرة، قائلا في برنامجه الاذاعي في «أل بي سي»: «إن وسائل الإعلام تتحمل بعض المسؤولية عن إطلاق النار على المسجدين في نيوزيلندا… من خلال نشر مقالات تثير الكراهية ضد المسلمين». كمثال على ذلك، حدد جيمس مقالين، نشر الأول في صحيفة «الصن ـ The Sun»، وهي الصحيفة الأوسع انتشارا في بريطانيا. إدعى كاتب المقال: «إذا كنا نريد السلام، فنحن بحاجة إلى قدر أقل من الإسلام»، أما المقال الآخر فنشر في مجلة The Spectator، الناطقة تقريبا باسم حزب المحافظين البريطاني، وحث فيه كاتب المقال على الخوف من المسلمين، قائلا: «لا يوجد ما يكفي من الخوف من الإسلام في حزب المحافظين». ويخلص جيمس أوبراين أن «مثل هذه المقالات ساعدت على خلق ثقافة يدخل فيها رجل إلى المسجد حاملا بندقية ويبدأ إطلاق النار».
ولكن، هل هناك تمييز ضد المسلمين، في بلد ديمقرطي، مثل بريطانيا؟ خلص تقرير صدر عن لجنة الحراك الاجتماعي في أيلول/سبتمبر 2017 إلى أن المسلمين يعانون على نطاق واسع من التمييز والعنصرية في مكان العمل، بسبب الخوف من الإسلام، على الرغم من تفوقهم على نظرائهم من غير المسلمين في التعليم. وما يقرب 50٪ من الأسر المسلمة في حالة فقر، مقارنة مع أقل من 20٪ من إجمالي السكان. سرد التقرير العوائق التي تحول دون النجاح، بما في ذلك الصور النمطية السلبية عن المسلمين. كشف التقرير أن النساء اللاتي يرتدين الحجاب يواجهن تمييزا خاصا بمجرد دخولهن مكان العمل. صرحت الأستاذة جاكلين ستيفنسون، من جامعة شيفيلد هالام، التي قادت البحث، أن «المسلمين يتم استبعادهم أو التمييز ضدهم أو خذلانهم في جميع مراحل انتقالهم من التعليم إلى العمل».
جمع رد فعل رئيسة الوزراء النيوزيلندية بين التأثر الكبير والاحساس بالصدمة جراء حدوث فعل «إرهابي»، في بلد كنيوزيلندا، واستنكار ان يكون مرتكب الجريمة «منا»، مخاطبة السكان المسلمين قائلة «انتم نحن». وهذا هو الموقف الانساني والسياسي السليم لمن يؤمن، حقا، بالتنوع البشري وحق العيش بأمان. وهذا هو بالضبط الموقف الذي يجب تبنيه عند إدانة الإرهاب، بأنواعه. وألا تقتصر الادانة على فئة أو مجموعة بشرية دون غيرها، فللإرهاب منظمات وحكومات تمارسه. وان تصبح المطالبة بالبحث عن جذوره وإيجاد الحلول هو الهدف، اذا ما أردنا ترسيخ ما يجمع الناس بعيدا عن «نحن» و«هم».

كاتبة من العراق



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا