>

هذه الانتخابات السياسية الأمريكية


أمينة شفيق

في حدود سنوات عمري التي بدأت في منتصف ثلاثينات القرن الماضي وفي حدود تلك السنوات المهنية التي بدأت مع عام 1953 كانت متابعاتي لمعارك الانتخابات الرئاسية الأمريكية المتتالية. وكانت أولي المتابعات، وأنا في الثامنة عشرة في عام 1953 مع واحدة من أشهر انتخابات رئاسية أمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وهي الانتخابات التي فاز فيها الرئيس دوايت أيزنهاور القائد الأعلي لقوات الحلفاء والذي قادهم إلي النصر. خاض الانتخابات مع نائبه الشاب، حينذاك، ريتشارد نيكسون. منذ أولي هذه المتابعات لم أشهد انتخابات رئاسية للبيت الأبيض الامريكي علي هذه الدرجة من الضحالة والتراجع الاخلاقي السياسي كالتي تجري الآن علي انتخاب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الامريكية..

جرت الانتخابات الرئاسية عام 53 ثم ما تلتها في الدورة الثانية للرئيس أيزنهاور التي انتهت عام 1961، بالمنهاج المتبع القديم وهو تجوال المرشح في الولايات وتنظيم اللقاءات. ولكن جاءت انتخابات عام 1961 لتفتح الطريق أمام أسلوب جديد في المبارزات الخطابية بين المرشحين الاساسيين الاثنين المرشح الجمهوري والآخر الديمقراطي وكانت في شكل مناظرات سياسية مذاعة علي الهواءومبثة علي التليفزيون الامريكي المحلي. في البداية كانت المناظرة تعرض علي الجمهور الامريكي ثم تحولت مع الفضائيات حتي باتت تشد أنظار المشاهدين في العالم.

ثم جاءت هذه الحملة الأخيرة التي نتابعها الان والتي يمثل طرفايها السيدة هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، والتي اسمتها إحدي الفضائيات الامريكية الشهيرة بأنها أكثر المناظرات قبحا في التاريخ الأمريكي القريب أي منذ عام 1961 عندما نظمت أول مناظرة..

فهيلاري قانونية التعليم وكانت محامية ناجحة كما كانت واحدة من أشهر مائة محام أمريكي قبل أن تدخل البيت الأبيض كسيدة أولي. في عملها في المحاماة كانت تحقق دخلا أكبر من الدخل الذي كان زوجها يحققه كحاكم لولاية أركانسو، وكانت وزيرة للخارجية وعضوا في الكونجرس الأمريكي، بحكم كل هذه المواقع تمتلك الخبرة في التحرك السياسي، كما تعرف حقائق كثيرة عن العلاقات الحاكمة للمؤسسات الامريكية. ولكنها لا تملك فكرا سياسيا مميزا كالذي كان يملكه رؤساء آخرون ومنهم زوجها بيل كلينتون، حتي لو اختلفنا أو اتفقنا مع هذا الفكر. أما ترامب فهو جزء من المؤسسة الاقتصادية والمالية الأمريكية. رجل أعمال ملياردير دائما ما يعطيني إحساسا بأنه خريج مدرسة «وسائط الاتصال الاجتماعية» يملك معلومات متناثرةوغير موثقة وبالتالي يملك افكارا مشوهة تدفع به إلي الديماجوجية الكريهة والشعبوية القبيحة. رجل شديد الثراء، بناء علي تعريفه لنفسه، ولكنه لا يملك اي قدرة تنظيمية للاتفاق مع مرشحه لمنصب نائب الرئيس علي برنامج سياسي وآراء متقاربة حتي انه اضطر الي الاعتراف بخلافه السياسي مع هذا المرشح.وتتحدث هيلاري كثيرا عن دورها في خدمة قضايا النساء والأطفال ولكن الغريب في الموضوع أن الكثير من النساء خريجات الجامعات الأمريكية لم يكن في صفها. وفي أحد البرامج الفضائية ظهرت مجموعة نساء عاملات كون جماعة أسمينها trumpet وكن ناشطات لتشجيع الملياردير الجمهوري. فهي، أي هيلاري، من مدرسة التوجه العالمي تجاه حرية المرأة، وكانت بالفعل تنادي بذلك، ولكنها لم تكن منخرطة في نشاطات الدفاع عن أجور المرأة او مساواتها أو القوانين التي تعالج التمييز ضدها أي كل تلك العناصر الاجتماعية والاقتصادية التي هي المقدمات الاساسية والاساس الصلب لتقدم النساء.

في البداية أنا لست منحازة لأي منهما، لأنهما، سويا، لم يصلا إلي مناقشة قضايانا في الدول النامية أو العربية ، ولكن أتابع هذا السجال الرديء الدائر بينهما والذي تتدخل فيه اجهزة، أراها غامضة، تشير إلي ان ما يحدث امامي، بعد سهري الليالي، غير الذي ستتمخض عنه هذه المناظرات. وقد عبر عن ذلك الأخ المرشح ترامب ذاته عندما قال في أحد تصريحاته العفوية، وما أكثرها، أن the establishment is against me. بما يعني ان المؤسسة أو البناء المؤسسي الأمريكي يقف ضده. ومن هذه التدخلات ذلك التسريب الذي سبق المناظرة الثانية بعدة أيام قليلة من قبل جريدة أمريكية شهيرة هي النيويورك تايمز. سجل هذا الشريط عام 2005 وحمل كلاما رديئا عن المرأة وعن العلاقات معها. في الشريط ظهر ترامب كرجل شره جنسيا لا يحترم المرأةككيان إنساني، مما دفعه إلي تخصيص جل وقته بعد التسريب للدفاع عن نفسه والاعتذار لأسرته وللمجتمع.وعلي الجانب الآخر هاجم ترامب أسرة هيلاري عندما وقف في المناظرة السياسية، التي من المفروض أنها مناظرة سياسية تعد الناخب الأمريكي لاختيار رئيسه الجديد،مهاجما إياها وناقدا لأسرتها بسبب انحرافات بيل كلينتون الأخلاقية التي ارتكبها في أثناء وجوده كحاكم لولاية أركنسو ثم كرئيس للولايات المتحدة الامريكية. ثم تبادل الاثنان الشتائم «أنتي كاذبة» «شيطانة». وعندما سأفوز بالرئاسة سأعين مدعا عاما يضعك في السجنس لترد عليه في لقاء في طائرتها أنه يكذب بنسبة 70%.

وفي الحقيقة.. سواء وقف البناء المؤسسي الأمريكي ضد ترامب أو معه.. فإننا نتابع مستوي تحاور، يدخل في غالبيته في حالة من استخدام الخطايا الشخصية القديمة والجديدة البذيئة وغير المحترمة في معركة انتخابية سياسية في الدولة الكبيرة التي لا تتورع عن إعطائنا دروسا سياسية واقتصادية ليلا نهارا. لم نسمع عن برنامج انتخابي داخلي أو خارجي. كل الذي نتابعه هو نقد لاذع عفوي من جانب ترامب للسياسات التي اتبعها أوباما والتي كان في استطاعة هيلاري إصلاحها. ومن الجانب الآخر نسمع استعراضا واسعا لتلك الخبرات الجمة التي اكتسبتها هيلاري من وجودها في الحياة العامة لمدة الثلاثين عاما الماضية. انتخابات أمريكية علي طريقة العولمة.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا