>

نظرية ولاية الفقيه 'بدعة' خمينية لاحتكار السلطة



احمد غزالي *

• نظّر آية الله الخميني لولاية الفقيه في كتبه ومؤلفاته منذ ما قبل الثورة الإسلامية سنة 1979، إلا أنه برز أكثر وأصبح مثار جدل وخلاف إثر الانقلاب على حكم الشاه وإمساك الخميني بزمام الحكم وتحول إيران إلى جمهورية إسلامية تطبق نظام الولي الفقيه، طوعه المرشد الأعلى وطوره بما يخدم مصالح نظامه وجعل رجل الدين «الفقيه الحاكم» يحكم سيطرته بشكل مباشر على مختلف مفاصل المجتمع والدولة.
العرب سيّد أحمد غزالي
سيطرة على إيران وفق مبدأ أنا الشيخ وأنا الشاه

لم يعد خافيا أنه لا وجود لنظام يستمدّ شرعيته من نظرية “ولاية الفقيه” إلا في إيران، وأنه لا يمكن فهم ماهية هذه النظرية إلا بالرجوع إلى منابعها، علما أنه لا وجود لمثل هذا النموذج لدى أهل السّنة. ولكن السؤال الغائب عن الأذهان: هل هذا النمط موجود تاريخيا لدى الشيعة، وإذا وجد ما هي الأسس التي يرتكز عليها وبماذا يختلف عن سائر نماذج الحُكم الأخرى في التاريخ القديم والحديث؟

على الصعيد العملي أي بالنسبة للحُكم أو النظام لا وجود لهذا النموذج في تاريخ الشيعة، وقد كان الحكم الذي دشّنهُ آية الله الخميني في إيران أول تجربة من نوعها. وإذا انتقلنا إلى الصعيد النظري فسنرى أنه لا وجود في فقه الشيعة لما يشير إلى صلاحيات الفقيه إلا في ما يتعلّق بما يُعرَف بـ«الأمور الحسبية»، أي تلك التي تعتبر من القضايا التي ليس هناك من يتولّاها، مثال ذلك ما يتعلّق بالأموال مجهولة المالك أو اليتامى الذين لا أولياء لهم، أو أمور الوقف العام وما شابه.

وهذا ما دفع فقهاء الإمامية إلى الإقرار بأن ولاية الفقيه لا تنسحب على الولاية المطلقة التي تمسك بزمام المناصب الرسمية. أما بخصوص الحُكم والولاية فقد كان الشيعة يعتقدون بأنهما من حقّ الله الذي أوكله إلى رسوله، ونص على ذلك بقوله تعالى «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم».
كان هذا في عهد الرسول، أما بعده فإن الحكم والولاية أصبحا ــ في عقيدتهم ــ من حق الأئمة الإثني عشر الذين لم يتمكن أيّ منهم تولّيهما إلا علي بن أبي طالب الذي قاد العالم الإسلامي لمدة خمسة أعوام فقط.

ولما كان هذا الحكم ــ في اعتقادهم ــ من حق هؤلاء الأئمة وصولا إلى الإمام الثاني عشر الذي هو حي يُرزَق لكنه غائب عن الأنظار، فإن جميع الحُكّام الذين تعاقبوا على البلدان الإسلامية كانوا «حُكاّم جُور». أمّا عندما ينتهي «عصر الغيبة» ويظهر الإمام الغائب، فهو الذي سيتولّى الحكم الإلهي.
طبعا لا يعني هذا الكلام أن جميع فقهاء الشيعة قد ردّدوه على مرّ التاريخ، ذلك لأن معظم هؤلاء كانوا يعيشون في ظل حكومات تَنعّموا بما أغدقت عليهم، ولم تكن إلّا القلّة منهم ضدّ «حكّام الجور». ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع من القول إن التوجّه العام لديهم كان رفض كل الحكّام، وأنه في مواجهة هذا التوجّه كان لكبار علماء الشيعة أيضا رأي آخر يصبُ في منحى مختلف، كقول آية الله محمد حسين النائيني الذي كان من أكبر كبار فقهاء الشيعة في بداية القرن العشرين، في معرض دفاعه عن الثورة الدستورية بأن “الاستبداد تحت ستار الدين هو أسوأ أنواع الاستبداد”؛ وكان يقصد من هذا الكلام التعبير عن رفضه رقابة رجال الدين على قرارات مجلس النواب الإيراني في ذلك الحين.

أكثر من ذلك، حتى المؤيدون لنظرية ولاية الفقيه من تلامذة الخميني لم يكونوا على رأي واحد؛ فبينما كان بعض المتشدّدين لهذه النظرية يرون أن ولاية الفقيه مُطلقة ومنصوص عليها ومُقدّرة، وأن شأن الفقيه هنا كشأن الرسول ولا يحقّ للشعب ولا لأحد الجدال في هذا الموضوع، كانت الأغلبية ترى أنه يجب أن يمرّ الفقيه من بوتقة الانتخابات عن طريق الشعب. وكان من بين هؤلاء آية الله منتظري، الذي كان الخليفة المعيّن للخميني لمدة عشر سنوات، ثم عاد وقدّم اعتذاره للشعب الإيراني أثناء انتفاضة عام 2009، بسبب دفاعه في السابق عن إدراج نظرية ولاية الفقيه في الدستور.
خامنئي لم يكتف بما لديه من هذه الصلاحيات المطلقة، بل أخذ يستخدم عددا من الركائز الأخرى لتعزيز سلطته الشاملة، ويتمثل أبرزها في "بيت القائد"
التناقض الصارخ مع النفس
لا ريب في أن الخميني الذي كان أوّل المتبنّين لنظرية أو فكرة ولاية الفقيه المطلقة قد وصل إلى درجة اعتبارها «واحدة من الأحكام الأولية للإسلام»، وهذا ما ورد نصا ضمن رسالة وجّهها عام 1986 إلى خامنئي- الوليّ الفقيه الحالي- جاء فيها قوله «لا بدّ أن أوضح أن الحكومة شُعبة من ولاية رسول الله المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام ومقدّمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحجّ… وتستطيع الحكومة (ولاية الفقيه) أن تمنع مؤقتا في ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي – إذا رأت ذلك – الحجّ الذي يُعتَبر من الفرائض الإلهية المهمّة. وما قيل حتى الآن وما قد يُقال ناشئ من عدم معرفة الولاية المطلقة الإلهية».

جدير بالتنويه هنا أن «نظرية ولاية الفقيه» هذه التي تم استنفار كل جهود الملالي لإدراجها في الدستور، أصبحت بالنسبة للخميني ذاته أهمّ من الدستور وأسمى من كل الاعتبارات الأخرى، إلى درجة أنه لم يَعُد يعبأ بهذا الدستور وأعلن أن لا شأن له به. فماذا يعني هذا الانقلاب الجذري في موقفه، وهل هو مجرّد تناقض مع الذات أم انتهازية مرحلية؟
إذا علمنا أن هذه الحالة ليست هي المرة الأولى التي ينقلب فيها الرجل على نفسه ومواقفه «التاريخية» التي لا حصر لها وفقا لتغيّر الظروف، يمكننا أن ندرك ماهيّة شخصيته الغامضة بازدواجيتها، وهذا ما حصل فعلا.

في أبرز الأمثلة التي تحضرنا من تاريخه الشخصي أنه أثناء وجوده في باريس كان يُكرر في حديثه وتصريحاته الصحافية القول دائما «ليست الدكتاتورية من الإسلام»، ويؤكد مرارا على ضرورة إجراء انتخابات عامة بعد سقوط الشاه، لاختيار ممثلي سائر شرائح الشعب من أجل إقامة مجلس تأسيسي وصياغة دستور جديد، وأن نواب هذا المجلس هم الذين يحدّدون النظام الجديد ويصادقون على النظام الأساسي للبلاد وكذلك الدستور. لكن هل تم ذلك فعلا بعد سقوط الشاه، أم حصل ما يُناقض هذا الطرح؟
بالتزامن مع سقوط الشاه وتسَلُّم الخميني زمام السلطة، أمر عددا من رجال القانون الإيرانيين بكتابة مسوّدة دستور النظام الجمهوري الإسلامي الجديد -أي دستور ولاية الفقيه- وكان من المفترض أن يجري عرض هذه المسوّدة على المجلس التأسيسي المنتخب من قبل الشعب ليقوم بمناقشتها والمصادقة على الدستور بعد أن يتم إقرار النظام.
لكن الذي حصل بعد ذلك حمل مفاجأة، إذ أقدم الخميني ومجلس قيادة الثورة على الإعلان عن أنه لن يكون هناك مجلس تأسيسي، بل سيقومون هم باختيار مجلس خبراء يتولّى النظر في هذه المسوّدة والمصادقة على الدستور.

لا وجود لنظام يستمدّ شرعيته من نظرية "ولاية الفقيه" إلا في إيران
وعليه، يكون الخميني قد سجّل بهذا الانقلاب في موقفه نقضا صارخا لكل ما طرحه ووعد بتنفيذه في بداية تسلّمه زمام السلطة. وهكذا تمّ تمرير الدستور بالصيغة التي يريدها من خلال مداولات المجلس المُعيّن بالاختيار من قبل السائرين على نهج الخميني.
إثر انتهاء الحرب الإيرانية العراقية، وعلى النقيض من مقولته “الدكتاتورية ليست من الإسلام”، أقدم الخميني على إعدام جميع المعارضين المتبقّين في السجون، فقام خليفته منتظري بالاحتجاج على ذلك، وكان ردّ الخميني سريعا بعزله من منصبه، متوجها له بالقول “لا يسعني هنا إلا أن أقول بأنك ستسلّم البلاد والثورة الإسلامية من بعدي لجناح الليبرال ومن خلالهم للمنافقين. لقد فقدت صلاحية وشرعية قيادة النظام مستقبلا …/ لا تراسلني بعد الآن، وما عليك إلا التوبة والاعتراف بالذنب”.

أحدث عزل منتظري فراغا كبيرا نظرا لعدم وجود مرجع ديني يمكن أن يخلفه، فأمر الخميني بتعديل الدستور لكي يفسح المجال لزعيم جديد. وهكذا بدأ العمل على التعديل في مجلس خبراء النظام قبل موت الخميني بثلاثة شهور، وتواصلت هذه التعديلات بعد موته.
وكان من بين المواد الرئيسية التي تغيّرت تلك المتعلّقة بولاية الفقيه، فتمّ شطب النص الذي يتحدث عن ضرورة شرط المرجعية الدينية لتولّي زعامة النظام، وزيادة صلاحيات الولي الفقيه لسبب يعود في أساسه إلى أن المرشد الأعلى الحالي آية الله علي خامنئي لم يكن على مستوى الكفاءة في سلّم رجال الدين لتبوّؤ هذا المنصب، فكان من الضروري تعزيز مكانته وملء هذا الفراغ بزيادة صلاحياته.
ومن خلال التدقيق في مضمون المادة 110 من الدستور التي تُحدّد صلاحيات الولي الفقيه، يمكن ملاحظة التعديلات التي لم تترك أي جانب هامّ من جوانب شؤون البلاد إلّا ووضعته تحت إمرة المرشد الأعلى، بالإضافة إلى جوانب استثنائية لم يأت ذكرها في الدستور، وهي إخضاع سياسة تصدير الثورة وأساليب تنفيذها في أرجاء العالم لإمرته ووضعها تحت إشراف ولايته.
لم يكتف خامنئي بما لديه من هذه الصلاحيات المطلقة، بل أخذ يستخدم عددا من الركائز الأخرى لتعزيز سلطته الشاملة، ويتمثّل أبرزها في “بيت” القائد”، أو ما يطلق عليه اسم “الحكومة السرية” وله ميزانيته السرية وأجهزته الخاصة في إيران.

ويتم توجيهه من لدنّ دائرة صغيرة جدا من الأفراد تُعرَف باسم ”النواة الصلبة”، ويتبوّأ على رأس كل منها إما وزير سابق أو شخصية بارزة مثل علي أكبر ولايتي مستشار الشؤون الدولية، وإما أحد القادة العسكريين الكبار مثل علي فلاحيان وزير المخابرات الأسبق.
والميزانية المالية السرّية لبيت القائد هي عبارة عن مشروع سري للغاية يطلق عليه اسم “صندوق الأزمات”، يجري تحويل مبالغ كبيرة إليه من عائدات النفط، غير أنه ليست هناك معلومات مؤكدة عن المبلغ المُودَع في حسابات هذا الصندوق سواء الكائنة في لندن، أو تلك التي تم فتحها في تركيا وماليزيا وماكاو وسنغافورة ـ حسبما عُلم من تقرير داخلي للنظام ـ، لكن المؤكد أن جزءا من عائدات النفط لا يزال يصل مباشرة إلى هذه الحسابات.
يشار هنا إلى أن هذا الأسلوب يجري اتباع شبيهه في الجزائر، حيث من المفترض أن تصبّ كامل واردات البلد في «صندوق الميزانية» أو ما يُعرف بصندوق ضمان استقرار الواردات، غير أن ثمة صندوقا غير رسمي يتحول إليه حوالي نصف هذه الواردات وربما أكثر، وهو موضوع تحت تصرف رئيس الجمهورية دون غيره.
95 مليار دولار تقديرات مجلة فوربس لثورة المرشد الأعلى علي خامنئي
غني عن الذكر أن ما ورد آنفا حول اعتبار بيت القائد حكومة سرّية، لا ينطبق على كافة الأجهزة الرسمية الأخرى التي ترتبط مباشرة وعلنا بالمرشد الأعلى، بل ينطبق على ما يستخدمه خامنئي من ركائز أخرى لتعزيز سلطته، تأتي في مقدمتها كافة أفرع القوات المسلحة، وقوات الحرس الثوري والباسيج ووحدات قوة القدس. ويعود هذا المزج بين هذه التشكيلات إلى أن عدد قوات الجيش قد انخفض بشكل متواصل، بينما زادت في المقابل قوات الحرس الثوري وتم وضع قادتها في قيادة الجيش، الأمر الذي أدّى فعليا إلى دمج الجيش في الحرس. أما بالنسبة لقوة القدس، وهي القوة الرئيسية في النظام وقرّة عينه، فيكفينا إلقاء نظرة واحدة على ما يجري في ساحات كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن وأفغانستان حتى نقف على حجم أنشطة هذه القوة التي يقودها قاسم سليماني.
امبراطورية مالية لخامنئي
كل هذه “الإنجازات” التي حققها الولي الفقيه لشخصه على كافة الأصعدة لم تكفه؛ فبعد ثلاث سنوات من التحقيق قامت وكالة “رويترز” للأنباء في نوفمبر 2013 بنشر تقرير تضمّن معلومات سرّية مذهلة حول «امبراطورية مالية ضخمة قامت على العقارات المصادرة» يتحكم بها خامنئي، وهي تُدعى بالفارسية «”ستاد إجرايي فرمان حضرت إمام” أي هيئة تنفيذ أوامر الإمام. (نُشر التقرير في "العرب" بتاريخ 2013-11-13، العدد: 9378، ص6).

العمل الأساسي لهذه الامبراطورية القيام ببيع العقارات التي تركها ملّاكها في سنوات الفوضى التي أعقبت الثورة عام 1979. ثم تحوّلت في الأعوام السبعة الأخيرة إلى كيان تجاري عملاق يملك حصصا في كل قطاعات الاقتصاد الإيراني بدءا بقطاعات المال والنفط وحتى تربية النعام. ويصعب حساب القيمة الإجمالية لهذه الهيئة بسبب سرية حساباتها التي لا يمكن لأي كان أن يطلع عليها بما في ذلك ممتلكاتها وغيرها من الأصول التي يسيطر عليها شخص واحد هُوَ خامنئي. وفي بحثها حول الكيفية التي قامت بها هذه الهيئة توصلت “رويترز” إلى نتيجة مفادها أن هذه الإمبراطورية قامت من خلال الاستيلاء الممنهج على الآلاف من العقارات التي تخصّ المغضوب عليهم، سواء أكانوا داخل إيران أم خارجها. وعملت على بيعها بالمزاد العلني عن طريق الإدعاء بأنها مهجورة. ثم قام مجلس تشخيص مصلحة النظام بتعديل المادة 44 من الدستور بإيعاز من خامنئي بحيث يُسمح بخصخصة صناعات كبرى. وتلا ذلك قيام المرشد الأعلى بإصدار أمر بتنفيذ خصخصة 80 في المئة من أسهم الشركات المملوكة للدولة. وهكذا أصبحت هيئة تنفيذ أوامر الإمام “ستاد” شركة خاصة بأكبر عملية بيع لأصول مملوكة للدولة.

واستكمالا لخطوات النصب والقرارات المسرحية بادر البرلمان إلى إجراء تعديل في لائحته يقضي بالحدّ من سلطته في التدقيق بأعمال المؤسسات الواقعة تحت إشراف خامنئي إلا بإذنه. وأصبح من الطبيعي في سياق هذا التطوّر قيام رئيس السلطة القضائية صادق لاريجاني بعد فترة بالتعميم على المحاكم أن «ستاد» هي الهيئة الوحيدة المكلفة بمسألة العقارات ذات الصلة بالمرشد الأعلى، ولا يحقّ للإدارات الرسمية المتخصصة بشؤون العقارات وبيعها مصادرة أي عقار باسمه
.
رئيس وزراء الجزائر الأسبق



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا