>

ناصر فى الأزهر - أحمد الجمال

ناصر فى الأزهر
أحمد الجمال

غدًا تكون الذكرى الثامنة والأربعون لرحيله.. ورغم هذا النصف قرن، إلا أنه ما زال يؤرق ويرعب كل الجبناء الذين لا يجدون سوى الكراهية سلاحًا ينتقمون به منه!.. فى ذكراه وجدت خطابًا له فى الأزهر الشريف بتاريخ 25/10/1954 حيث كان الأزهر يحتفل بتوقيع اتفاقية الجلاء، وفى الخطاب عبارات تناشد الأزهر أن يؤدى رسالته.. فما أشبه البارحة بالليلة.. وأستأذنكم فى هذا الاقتباس:«إخوانى رجال الأزهر: أحييكم، وأعبر لكم عن سعادتى بهذه الفرصة التى جمعتنا جميعًا للاحتفال بجلاء القوات البريطانية عن أرض الوطن فى رحبات الأزهر. ولا يسعنى فى هذه المناسبة إلا أن أذكر جهاد الأزهر على مر السنين، فقد حمل الأزهر دائمًا الرسالة، ولم يتخل مطلقًا عن الأمانة، وكافح كفاحًا مريرًا فى سبيل الحصول على أهداف الوطن. كافح الأزهر فى أيام الحملة الفرنسية، وقاسى رجاله وعذبوا، وقتلوا وشردوا، واقتحم المحتلون الأزهر، فلم يتوان عن المطالبة بحقوق الوطن، ولم يتوان عن حمل الرسالة، ولم يتوان عن تبليغ الأمانة، واستمر الأزهر يحمل الرسالة حتى سلمها إلى الجيش، سلمها إلى عرابى الذى قام وهو متسلح بروح الأزهر المعنوية بجانب قواته المادية، يطالب بحقوق الوطن، ويطالب بحقوق البلاد.

وما وطئت أقدام الاستعمار أرض الوطن، وما دخل الإنجليز أرض مصر إلا وحاولوا بكل قواهم أن يقضوا على الأزهر، وعلى رسالة الأزهر، وعلى أمانة الأزهر، كما حاولوا أن يقضوا على الجيش، وعلى قوة الجيش، وعلى رسالة الجيش، ورغم هذا يا إخوانى استمر الأزهر على مضى السنين، وعلى مضى الأيام يكافح كفاحًا مريرًا، ففى ثورة 19 حمل العلم مرة أخرى، وحمل الرسالة مرة أخرى، وحمل الأمانة مرة أخرى.

وأرادوا أن يفرقوه شيعًا وأحزابًا، وأرادوا أن يفصلوه عن هذا الوطن، وأرادوا أن يحطموا الجيش ويحطموا الأزهر. واليوم بعد أن قامت هذه الثورة أقول لكم إن عليكم أن تحملوا الرسالة مرة أخرى، وعليكم أن تحملوا الأمانة مرة أخرى، فإن أمامنا عملًا شاقًا طويلًا، وهذا العمل يا إخوانى يطالبكم بأن تعملوا من أجل الأهداف الكبرى، التى استشهد من أجلها السابقون، والتى قتل من أجلها السابقون، والتى كافح من أجلها الأزهر على مر السنين وعلى مر الأيام. إن الوطن يطالبكم بأن تحملوا الرسالة، رسالة المحبة، رسالة الدين، رسالة الإخاء، رسالة المعرفة. إن الوطن يطالبكم بأن تبشروا بين ربوعه: إن الدين محبة لا تعصب ولا إرهاب.

إن الوطن يطالبكم بأن تقولوا بين أرجائه: إن الدين تعاون لا فرقة وبغضاء. إن الوطن يطالبكم بأن تسيروا فى كل مكان لتنشروا روح المحبة، ولتنشروا روح الإخاء، ولتنشروا روح التعاون. وبهذا يا إخوانى نستطيع أن نقول إن الأزهر يسير فى الرسالة التى يحملها الأولون، وإن الأزهر حمل الأمانة مرة أخرى، من أجل هذا الوطن، ومن أجل أهداف هذا الوطن، ومن أجل عزة هذا الوطن، ومن أجل كرامة هذا الوطن«.

انتهى الاقتباس الذى هو خطاب لجمال عبد الناصر لرجال الأزهر الشريف.. ولا أريد أن أبدو شارحًا لمتن تاريخي، فأكون كمن تخصصوا فى كتابة الحواشى على متون غيرهم، فكان أن ساد الحفظ والنقل على حساب الفهم والإبداع، ولكنى أود أن أتوقف عند ظاهرة أضحت فريدة من نوعها، ولا أظنها قائمة فى الأمم التى تحترم وجودها، ومنها أمم لم تملك ما امتلكته مصر من مقومات حضارية وثقافية، وقدمت للبشرية ما يجل عن الحصر فى عصورها المتعاقبة منذ اهتدت إلى ما أكدته من بعد كل العقائد الدينية، وأعنى به المصير الأخروى للإنسان، حيث البعث والحساب ثوابًا وعقابًا والعدالة، وغير ذلك مما سجلته اللوحات المحفورة والمرسومة، وكذلك الكتابات فى المتون المختلفة، إلى آخر ما أبدعته المحروسة فى حقبتها المعاصرة من قدرة على التغيير وإعادة البناء!.

تلك الظاهرة هى ما قد تصح تسميته بتدمير الذاكرة الوطنية واختراق الوعى التاريخى لتزييفه، وتحويل خدمة العدو والتواطؤ معه من كونها خيانة إلى أنها وجهة نظر وممارسة لحرية الرأى والتفكير!.. ذلك أننا حتى هذه اللحظة التى ينشر فيها هذا الكلام، وبعد مرور نحو مائة وأربعين عامًا على ثورة الجيش والشعب المصرى بقيادة أحمد عرابى ورفاقه ضد الظلم والتمييز، وبعد مرور ما يقرب من سبعين عامًا على ثورة الجيش والشعب ضد الاحتلال البريطانى وضد الاستبداد والفساد عام 1952 وبعد مرور ما يقرب من نصف قرن على رحيل جمال عبد الناصر، إلا أننا نجد موجات التهجم والتزييف والانتقام على عرابى والثورة وناصر والثورة تزداد عنفًا وضراوة، واللافت للنظر أن الأدوات المستخدمة فى ذلك أضحت فى معظمها، إن لم يكن كلها، مصرية تساندها أخرى عربية!!.

ولعلى لا أتجاوز الحقيقة إذا قلت مؤكدًا أنه كما أن القوى الاستعمارية القديمة الفرنسية والبريطانية، أدركت أنها لن تستطيع تفتيت مصر على أساس دينى طائفى مذهبي، فاتجهت لإسناد المهمة لأطراف مصرية فى مقدمتها الإخوان المسلمين، وقد كتبنا وكتب غيرنا عن تأسيس الجماعة عام 1928 وفى حضن القاعدة البريطانية وشركة قناة السويس، ثم الدور الذى تكفلت به الجماعة حتى الحلقة المعاصرة فى 2011 وما بعدها، فإننى أعتقد أن القوى الاستعمارية والصهيونية الحديثة والمعاصرة أدركت أن اغتيال التوجه التحررى السياسى والاجتماعى والتوجه الوطنى والقومى العروبي، والتوجه التحررى العالم ثالثى فى مصر لن يكتب له النجاح الكامل طالما بقى مهمة إمبريالية صهيونية مفضوحة، فتم إسناد المهمة لأطراف محلية تجدها متنافرة فى كثير من الجوانب والتوجهات، غير أنها تلتقى على أمر واحد هو تدمير الوعى التاريخى للأمة وتزييف الحقائق، واغتيال شخصية رموز عظيمة كعرابى وناصر والثورتين الكبيرتين فى 1881 و1952 ولولا أن ما يحتاجه الوطن الآن من توجيه للوقت والطاقة نحو البناء ومواجهة الإرهاب، لأسهبت فى وضع النقاط على الحروف.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا