>

ميليشيات العراق المتوحشة... داود البصري




ثمة تحركات مشبوهة ذات أبعاد طائفية مريضة باتت تحرك الأوضاع والملفات العراقية التي تراكمت بشكل مفجع خلال الأسابيع الأخيرة وتوجت جهدا إيرانيا مركزا لخلط الأوراق في المنطقة ومحاولة الدفاع عن الحصون المتهاوية، وللحماقة في السياسة العراقية تاريخ حافل وموثق، بدأت مع بدايات العصر الانقلابي بعد عام 1958 وتبلور السياسات الثورية المراهقة المعتمدة على الشعارات الحماسية ولغتها الخشبية المعروفة والمستمدة أساسا من عصر الانقلابات الثورية الذي بدأ في الشام ثم في مصر وانتقل للعراق ليكون هناك بمثابة كرنفال حافل بالفوضى والركاكة، وبعيدا عن الإيغال في متاهات التاريخ القريب وأحداثه والتي توجتها حماقة النظام العراقي السابق بغزوته الكويتية الشهيرة عام 1990والتي فتحت بوابات جهنم على العراق والعالم العربي وأسست لمرحلة الفوضى العاتية التي نعيشها حاليا، فإن العراق تحت حكم أمراء الحروب والطوائف والعشائر والعصبيات يمر اليوم بمرحلة فوضوية غير مسبوقة منذ أيام الغزو المغولي منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، فالعصابات والجماعات الطائفية قد تغولت بدرجة مرعبة وباتت تفرض سطوتها على الدولة العراقية التي تهاوت أركانها مع سلسلة الانهيارات الأمنية والعسكرية وشيوع التقاتل في المدن لغربية للعراق على أسس طائفية وما فعلته دعوات التحشد الطائفي من تمزيق حقيقي للنسيج الوطني العراقي، حتى أضحت الطائفة هي الفيصل والمعيار في التقويم الوطني وانزوت قيم وروابط الوطنية العراقية الجامعة، لقد كان من أبرز نتائج مشاركة الميليشيات الطائفية في المعارك الداخلية العراقية هو نموها الأميبي المتزايد وسطوة قياداتها التي هي أصلا قادمة من مصانع الحرس الثوري الإيراني ومن الأجهزة السرية للنظام الإيراني الذي أعد عدته لهذه الأيام، وكان ومنذ ثلاثة عقود يمتلك خطة إستراتيجية طموحة وبعيدة الأهداف للتوسع والتمدد الإقليمي بعد استغلال الظروف والمتغيرات الدولية والإقليمية الناشئة! لذلك فقد كان ظهور عشرات الميليشيات والجماعات الطائفية المقاتلة تعبيرا عن مرحلة الحصاد الإيراني التي نضجت كل الظروف المواتية لها، لقد انطلقت الميليشيات لتحاول فرض وقائع وأوضاع جديدة تتناسب والأجندة الإيرانية وتتعاكس والواقع العربي، ولتكون سهما مضافا للجعبة الإيرانية في الشرق! فبعد عاصفة الحزم العربية الخليجية وبقيادة المملكة العربية السعودية تبلور في العراق ذلك الخزين الهائل من الأحقاد والمواقف المضادة وحيث أضحت الميليشيات هي العامل الأقوى في تقرير الإرادة الرسمية العراقية، فالعراق وقف بشكل مضاد لعاصفة الحزم وإن كان قد غلف الموقف المعارض بغطاء من سوليفان الدبلوماسية الناعمة التي تحرص على إبداء الأمنيات بالحلول السلمية ظاهرا والتعاطف التام مع المواقف الإيرانية لدرجة توجيه التهديدات العلنية لدول الجوار الخليجية الشقيقة! خصوصا بعد الخطوات الحكومية في تغيير التقسيمات الإدارية للمحافظات ووضع منطقة (النخيب) التي كانت تابعة سابقا لمحافظة الأنبار ضمن سيادة محافظة (كربلاء)!!؟ مع ما يعني ذلك من تحويل تلك المنطقة لقاعدة لجماعات الحشد الشعبي الطائفية وخصوصا لجماعة لواء أبي الفضل العباس الذي يقاتل في ريف دمشق دعما لبشار أسد، وجماعة عصائب أهل الحق التي يقودها قيس الخزعلي والخاضعة لإمرة فيلق القدس الحرسي الإيراني!؟ ولم يتردد قادة الميليشيات أبدا عن مخالفة التوجه الرسمي العراقي مع دول المنطقة وحيث هددت تلكم الميليشيات بمهاجمة بعض الأهداف لتخفيف الضغط على الحوثيين، ولزعزعة الأوضاع الإقليمية، ولخدمة الأجندة الإيرانية!!، و ، الواقع يقول إن مهاجمة أي دولة في المنطقة من العراق هو انتحار حقيقي للجماعات المهاجمة ! فالأمر مجرد تلويح تهديدي ابتزازي لاصلة له بالواقع الميداني! ولكن مجرد رفع أصوات وشعارات التهديد الوقحة فإن في الأمر خطورة كبيرة وتعبير عن ضياع السلطة العراقية وتخبطها في متاهات ستؤدي بالعراق للهاوية الحقيقية إن لم تتم فرملة الأمور وإعادة هيبة وسلطة الدولة المركزية وحسم الخطاب السلطوي، وتحجيم العصابات الطائفية، وهي أمور لايبدو أنها ستتحقق في القريب العاجل! وهي خيار انتحاري في زمن التيه العراقي الكبير.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا