>

ميزانية العراق ..حديث ذو شجون - القاضي عبدالستار رمضان

ميزانية العراق ..حديث ذو شجون

ربما يكون العراق أكثر بلد في العالم لا يهتم ولا يهمه التعامل بلغة الارقام او الحسابات، او بعبارة اخرى ربما يكون البلد الوحيد في العالم الذي ما زال يتعامل بالتقديرات والتخمينات في أخطر وأهم المواضيع ومنها موضوع الميزانية التي عنوانها مشتق من كلمة الميزان، وهي تعني لغة العدل والقسط والمساواة، وباعتبار الميزان يرمز الى العدالة في التوزيع والحكم العادل بين الناس.
ميزانية العراق مثل العراق والحديث عنهما حديث ذو شجون لانه لا بد ان يتطرق فيه المرء الى شؤون كثيرة ومختلفة مرتبطة مع هذا العنوان الكبير في اهميته وتاثيره على حياة ومستقبل ومصير الناس، وما يجري هذه الايام عن الارقام التي تضمنتها الميزانية العراقية لعام 2015 في ظل الانخفاض المستمر لاسعار النفط وتراجع سعر البرميل بنسب تزيد على ثلث او ربما الى نصف السعر السابق الذي قدرت عليه ميزانية العام الماضي، واذا كان هناك سؤال او تعليق من في هذا الموضوع فلابد من تسجيله وهو:
ماذا حققت لنا الميزانيات السابقة باسعار النفط العالية والتي وصل برميل النفط فيها الى اكثر من110 دولار؟ وماذا يمكن ان تحققه او تعجز عنه الميزانية الجديدة بالسعر الحالي للنفط (اقل من 60 دولار لسعر البرميل) والمستمر بالهبوط؟ مقابل الارتفاع الكبير للنفقات والمصاريف في كل شئ بدءاًً من الفساد الذي ينتشر كالسرطان في كل مرافق الحياة، الى جانب نفقات الحرب ضد الارهاب ومصاريف الحشد الشعبي والخدمات و..و..الخ.
فعندما يكون بلد تعداده بالملايين ولا يجري فيه احصاء او تعداد سكاني منذ اكثر من ثلاثة عقود، كيف يمكن ان يكون حال الاقتصاد فيه عندما يتم بناء كل شئ على الرمل من دون أي اساس؟
أي على تقديرات وتخمينات تخضع للمزاج والخلفيات المشبعة بالاجندات السياسية والمصلحية، بحيث يتم خلط كل المواضيع مع السياسة الملعونة التي افسدت البلاد والعباد ولم تترك شيئا الا ودخلت فيه المصالح الطائفية والقومية والمناطقية والحزبية وفقدنا ثقتنا واملنا بالسياسة واهلها وما يرددونه عن انجارزات وارقام وهمية غير موجودة الا في مخيلتهم الغائبة عن الوعي والاحساس بالمسؤولية وهموم معاناة الناس.
ميزاينة العراق يُراد سد عجزها البالغ مليارات عن طريق الادخار الاجباري وزيادة الضرائب وفرض رسوم عالية على الصادرات وغيرها من الاجراءات التي يراد من روائها جلب اموال للخزينة الفارغة، ولكن لماذا لا يتم السؤال:
لماذا فرغت الخزينة؟ واين المليارات التي تضمنتها ميزانيات السنوات السابقة؟ والتي تعلن لنا الاخبار يوما بعد يوم عن ارقام فلكية عن الفساد الذي ملأ البر والبحر والجو واصبحت الاموال العراقية رؤوس اموال واصول للبنوك والمصارف الاجنبية بعد تغيير ملكيتها من كونها مملوكة لبلد اسمه العراق الى ملكية شخصية لفلان وعلان.
بدلا من هذه الاجراءات التي سوف لا تزيد الا الفساد ومعاناة الطبقات الاقل ضعفاً وفقراً من الشعب، وبدلا من ان تتحول مبالغ الضرائب والرسوم المقترحة الى خزينة الدولة سوف تجد طرقاً سهلة وسالكة الى جيوب العديد من المسؤولين الذين يعتبر العراق اكبر بلد في العالم في عدد الوزراء ووكلائهم والمدراء العامين والمفتشين العموميين واعضاء مجالس المحافظات والاقضية والنواحي واعضاء البرلمان وحماياتهم وابنائهم وابناء خالات وعمات جيران الخياطين والخياطات اللواتي خيطن ملابس اصهار عمات المسؤولين!.
ان المطلوب من الحكومة العراقية وحكومة اقليم كوردستان كل ضمن مسؤولياته وصلاحياته اتخاذ خطوات جدَية وجديدة للتعامل مع الازمة المالية نورد على سبيل المثال:
1-متابعة قضايا الفساد بالملايين او المليارات في الجنود والموظفين الفضائيين(الوهميين) ومعاقبة كل من يثبت عليه ذلك بغض النظرعن اسمه وعنوانه الوظيفي او الحزبي، فلا حصانة لسراق المال العام وقوت الشعب.
2-الغاء العشرات من الهيئات والمؤسات الموجودة والتي تسنزف الميزانية العامة بالدرجات الوظيفية الخاصة والتخصيصات والايفادات الى خارج العراق، والتي هي اصلاً زائدة ودوائر ومؤسسات لم تنشئ الا ارضاءا لشخصيات او خلق مناصب ووظائف لاشخاص متنفذون في هذا الحزب او تلك القائمة، وهي واجهات تنهب المال العام وتصرفه بطريقة قانونية، ونورد على سبيل المثال هيئة النزاهة العامة، هيئة او وزارة حقوق الانسان ودوائر المفتش العام في الوزارات، ومؤسسة السجناء والمفصولين السياسيين، وهيئة الاعلام العراقي، وعشرات اومئات المنظمات والنقابات والجمعيات المهنية والمدنية ومن كل نوع واختصاص والتي اصبحت الكثير منها جمعيات عائلية للارتزاق والتكسب، ومجالس المحافظات والاقضية والنواحي، وافواج واعداد الحماية الخاصة للوزراء ووكلائهم والمديرين العامين و..و..الخ.
واخيروليس آخرا لابد من تفعيل وتطبيق كل القوانين والقرارات النافذة وتنفيذ الاحكام القاسية الرادعة التي تصل الى حد الاعدام بحق المتلاعبين والسارقين للمال العام، لانه اذا كانت الاحكام تصدر بالاعدام على جرائم الارهاب بناءاً على شهادة مخبر سري غير موثوق صدقه، فان المال والخزينة العامة يستحقان ان نحميهما بعقوبات قاسية ورادعة وسريعة وعلنية بحيث تعيد للقانون حضوره وللقضاء هيبته وللشعب امواله المنهوبة وللمستقبل القادم ...القليل القليل من الآمال التي ضاعت وتضيع كل يوم.

القاضي عبدالستار رمضان
نائب المدعي العام-أقليم كردستان -العراق
Sattar88@hotmail.com



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا