>

من يطلب رأس طارق رمضان؟ - ولاء سعيد السامرائي

من يطلب رأس طارق رمضان؟
ولاء سعيد السامرائي
4 نوفمبر 2017

شجب محامو أستاذ العلوم الإسلامية في جامعة أوكسفورد البريطانية، طارق رمضان، الحملة الإعلامية الواسعة التي تشنها بعض وسائل الإعلام الفرنسية عليه، ودعوا إلى احترام وقت العدالة وعملها في الاتهام المرفوع ضده بالاغتصاب من ناشطة الأسبوع الماضي. وقد طلب المحامون من رمضان التزام الصمت وعدم الرد. وقد شهدت القضية تغطياتٍ إعلامية منظمة ومناقشات كثيرة على صفحات التواصل الاجتماعي وفي المواقع الإخبارية. والمتابع للحرب الإعلامية الإسلاموفوبية في فرنسا منذ العام 2001 يرى أن القنوات والصحف، وبعض الشخصيات المعروفه بمعاداتها الإسلام والعرب، هي التي تبنت اتهام هذه الناشطة، وحولت قصتها إلى قضيةٍ سمّتها قضية طارق رمضان.
طارق رمضان هو فعلا قضية في فرنسا لبعض الأوساط، فقد انشغلت به بطريقة استثنائية منذ غزو العراق عام 2003، حينما نشر مقالا يدين فيه الحرب ومواقف النخب الفرنسية الصهيونية الداعمة لها. واعتبرت الأسماء التي وردت في مقال رمضان عملا معاديا للسامية، علما أن هؤلاء قد نشطوا بشكل واسع في مختلف أجهزة الإعلام لترويج الغزو، على الرغم من الموقف الفرنسي الرسمي، ورفض الرئيس جاك شيراك المشاركة في الحرب. ومع ذلك، فإن هذا الاتهام الخطير في فرنسا والغرب الذي يسقط أكبر شخصية لم يصمد كثيرا، لأن موقف طارق رمضان كان موقفا سياسيا بشأن حرب غير شرعية، خاضتها الولايات المتحدة، وكان من عشرات المثقفين الغربيين وغيرهم من الذين وقعوا على بيانات إدانة.
وخلال سنوات الحرب على العراق، وانكشاف عمليات التعذيب في سجن أبو غريب، وارتفاع
"ليست محاولات قطع رأس طارق رمضان وليدة اليوم بل تعود إلى أكثر من عقد ونصف العقد" غضب الرأي العام الأوروبي، والفرنسي خصوصا، وتدهور صورة الولايات المتحدة، نشطت الأوساط الصهيونية لمحاربة المناهضين لغزو العراق، وفي مقدمتهم طارق رمضان، ونجحت بحكم علاقاتها باللوبي في أميركا بإلغاء تعيينه في إحدى الجامعات الأميركية، ومنعته من المشاركة في أي ندوة للحديث عما يجري، ولم تتردد في الضغط على الجامعات، لمنعه من الندوات التي كانت تنظمها اتحادات الطلبة الفرنسيين وغيرهم، بزعم المساس بالأمن العام. وقد واجه رمضان، بهدوء ورصانة وإقناع، هجمات محدّثيه في البرامج التلفزيونية، ومن على الفضائيات، بشكل مستمر، على الرغم من كل محاولات النيل منه، ومن خطابه وتحريفها وتشويهها أمام الكاميرات، وأمام ملايين المشاهدين من متابعيه، ليس فقط من الجالية العربية المسلمة، بل من فرنسيين كثيرين يكنون له الاحترام، ويعتبرونه مثقفا حقيقيا بذكاء أكبر من خصومه المعروفة ولاءاتهم واتجاهاتهم.
استطاع رمضان، في أكثر من لقاء تلفزيوني، وأمام الملايين، أن يهزم حجج هؤلاء الخصوم التي تستهدف الإسلام والمسلمين والعرب بأجوبة ذكيه وراقية وإنسانية، كشف فيها عنصرية الخطاب الآخر وخطله. وسقط ترديد النخب العنصرية والصهيونية اتهام رمضان بالخطاب "المزدوج"، واستهلكت جملهم المردّدة في كل مرة يُدعى للمشاركة بلقاء تلفزيوني، ليتم تعريفه "شخصا مختلفا عليه"، الصفة البائسة والملصقة به عمدا. لم يترك فرصةً الا وفند تقديم الصحافيين، ومقدمي البرامج له بهذه الجملة، لكن من دون فائدة. ولعل الأذى الذي مسّ سمعة الشخصيات التي تحتل مواقع في الأكاديمية الفرنسية، وفي المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي، وحتى من السياسيين من وزراء ونواب، هو عدم قدرتها على هزيمة شخصية مسلمة متمكّنة من أدوات التحليل الغربية، من الفلسفة والأدب الفرنسي، إضافة إلى الفقه الإسلامي، تشرح الإسلام بطريقة ذكية لجمهور أوروبي وعربي مهاجر، مولود في أوروبا له أتباع في كل أوروبا.
لهذا السبب، ليست محاولات قطع رأس طارق رمضان وليدة اليوم، بل تعود إلى أكثر من عقد ونصف العقد. وأمثلة هذه المحاولات كثيرة، أهمها كانت مع الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، في أثناء ترشحه للرئاسة، وبحضور زوجته السابقة سيسيليا. فقد دعي رمضان إلى التحاور مع ساركوزي بالدوبلكس، ولم تتم دعوته إلى الأستديوهات، ما يسهل مقاطعته وإخراج البرنامج بالطريقة المطلوبة لنزع مصداقيته. وفعلا، لم يسمح له بشرح آرائه وتوضيحها، واجتزئت جمله حتى الوصول إلى "إنهائه" بسؤال بشأن رجم النساء في القرآن، حيث أجاب بتجميده. وكان جوابه هذا بمثابة الهدية التي أرادها ساركوزي، باعتبارها خطأ فادحا ستقوم الدنيا بعده ولا تقعد من أجهزة الإعلام. وقال فردريك تاديي، مقدم أحد أهم برامج النقاشات في فرنسا: "جواب رمضان مناسب. كيف لو قال إنه مع إبقاء هذا الأمر. ألصقت بطارق هذه الجملة بغير حق، فلم ينبس يوما بكلام يتعارض مع قوانين الجمهورية ولا الديمقراطية، وهو شخصية مثيرة للاهتمام". لقد فهم المختصون والإعلاميون أن هذا البرنامج قد رتب أولا لإنهاء طارق رمضان، وتقديم رأسه إلى الخصوم، خصوصا وأن ساركوزي وعد وأوفى بوعده، في تحجيم الجالية العربية المسلمة ونشاطاتها، لدعم القضية الفلسطينية بكل الطرق والوسائل.
أما الحادث الثاني المهم الذي أثار انزعاج شخصيات إسلاموفوبية عديدة، فهو لقاؤه مع الصحافي ايريك زمور، صاحب مقولة طرد المسلمين من فرنسا، وتسميتهم محتلين. لقد أربك أستاذ أكسفورد زمور، وأخرسه تماما، وجعله يجيب أجوبة ضحلة وعنصرية، في برنامج يتابعه ملايين المشاهدين يوم السبت. وتبعت هذا البرنامج سلسلة برامج مرتبة لإسقاط الرجل، وكانت في مقدمة هذه العملية كارولين فورست، المثلية المعادية للإسلام والملقبة "ملكة التشهير والكذب" من مثقفين فرنسيين عديدين، وهي تدّعي اليوم أنها شجعت الناشطة، هنده عياري، لرفع قضية ضد طارق رمضان. ومن خيرات فورست على الفرنسيين من أصول عربية هنا أنها لا تتهم كذبا رمضان بمعاداة السامية فقط، بل تتهم كل المسلمين في فرنسا، متجاهلة تماما كل ما يدور في المنطقة من أحداث.
بعد أخطاء الصحافي زمور القاتلة، أرادت القدّيسة كارولين إنقاذ ماء وجوه أصدقائها وحلقتها
"استطاع رمضان، في أكثر من لقاء تلفزيوني، وأمام الملايين، أن يهزم حجج هؤلاء الخصوم التي تستهدف الإسلام والمسلمين والعرب بأجوبة ذكيه" الإسلاموفوبية، فعمدت إلى طلب برنامج تواجه به طارق رمضان وحدها، لكن المحاور فند ادعاءاتها الكاذبة، واحدة تلو الأخرى، أمام جمهور صفق له بقوة، حتى أن أحد الصحافيين واجهها قائلا: رمضان فكّك ادعاءاتك قطعة قطعة مثل لعبة البازل، وأنت تستمرين، وتلقين عليه الاتهامات الكاذبة، وخصوصا اتهامه بمعاداة السامية. هكذا رُدّت حملات تشهيرها عليها، ليس فقط بواسطة محدّثها، وإنما فيما بعد من بلدية روتردام، وأخرى مباشرة من مقدم أحد البرامج المشهورة، حيث اعتذر أمام ملايين المشاهدين عن دعمه لها، وعدم معرفته بملف تشهيرها. وعلى الرغم من كل هذه المواجهات العلنية التي نجح رمضان في تجاوزها، بهدوئه المعتاد ورصانته وعقله، أمام ملايين المشاهدين الفرنسيين، فإن هذه الشبكة لم تتركه.
التقت قنوات التلفزيون الفرنسي الصهيوني بالناشطة هنده عياري، لتسرد قصتها، لكن الغريب أن أمراة تدّعي أنها قد اغتصبت، وأنها ثارت ضد ما كانت عليه (المحجبة)، لا تظهر أي أحاسيس بالألم، ولا بالغضب، بل كانت تدعو الناس لمساعدتها بتمويل جمعيتها التي تدعو النساء إلى التحرّر من الإسلام السياسي الذي يتبناه رمضان، كما تقول. الأمر الآخر الذي يثير الاستغراب أنها وضعت تعليقا على موقع أوروبا إسرائيل، تقول فيه إن 5%من ريع كتابها "اخترت أن أكون حرّة" يذهب إلى هذا الموقع. وكذلك فإن اتخاذها محاميا قريبا من حلقات دعم "الليكود" للدفاع عنها، يدعو أي متابع عربي أم فرنسي إلى طرح أسئلة بشأن مصداقيتها وحقيقة روايتها.. يروي الصحافي هشام حمزة أنه أجرى مقابلة في سبتمبر/ أيلول عام 2011 مع أستاذ الدراسات الإسلامية، جيل كيبل، وأعلمه، وهو يبتسم، أن المرشح الفرنسي الرئاسي السابق، دومينيك شتراوس، الذي اغتصب خادمة في فندق قبل سنوات، طفل مقارنة بطارق رمضان. ويقول الصحافي: تعجبت من المقارنة، وطلبت منه مزيدا من التوضيح. فقال: هناك "عملية" تعتمد على "كتاب – صادم"، يتم التحضير لها في بلجيكا. هذه "المناورة" ستفجر صورة رمضان لدى المسلمين، وهذا هو طلب الشبكات الإسلاموفوبية (!).



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا