>

منْ خذل حلب..؟


عبدالعزيز السماري

ما جرى في حلب كان خذلاناً مهينًا وامتحانًا مريرًا للضمير العالمي، فقد سقطت أقنعة حقوق الإنسان ومجلس الأمن أمام جريمة الإبادة التي يتعرض لها الشعب السوري، ولم تتحرك القوى العالمية لإيقاف المجزرة الإنسانية، وما حدث كان سيناريو مكررًا لما حدث في البوسنة، لكن لأسباب سياسية وقف العالم مكتوفي الأيدي أمام حرب الإبادة، ولم يتدخل مثلما حدث في سراييفو.
تحاول بعض الأطراف المؤيدة للحل الجهادي التكفيري تحميل الدول والشعوب العربية السنية مسؤولية الخذلان في حلب، وكان واضحًا غياب الغضب الشعبي في المجتمعات العربية السنية، بالرغم من تحول الخطاب السياسي للطائفية بسبب سقوط دولة إيران تحت حكم ملالي الشيعة المتطرفين، وهو ما أدى لاحقًا إلى ظهور الاستقطاب الشيعي السني في المنطقة..
كان من نتائجه صعود أزمة الفكر الجهادي التكفيري، وبروز مواقفهم العدائية لمجتمعاتهم، فهم يعتقدون أن لهم دون الآخرين حق الحكم الشرعي، لأنهم مخولون من الله عزّ وجلّ، كما هو الحال مع ملالي إيران، وأن لهم حق التفسير الشرعي للدين، ومن يخالفهم فهو كافر في النار، وكانت سوابقهم في تفجير المجتمع العربي مثالاً للنظرة العدائية للجميع.
أزمة تيارات الإسلام السياسي السني أنها تتقن توزيع الاتهامات المعلبة لكل المخالفين لأطروحاتهم وكل من يقف ضد مشروعهم السياسي، ومخالفيهم إما كفار مرتدون أو منافقون، وهو ما أفسد مشروعات المصالح الكبرى للمجتمعات، ومن خلال مراجعة قصيرة لخطابهم الإعلامي ستكتشف أخي القارئ لغتهم العنيفة والمتطرفة والقمعية ضد المجتمع.
يقف خلف تلك المواقف اعتقادهم المطلق أنهم الموقعون باسم الله على وجه الأرض، وأنهم نواب الشعوب المعينون من السماء، ومن يخالفهم منافق وعلماني وعميل للغرب، وقد استغل النظام السوري المستبد والطائفي تلك الفجوة بين تيارات الإسلام السياسي السني والمجتمع العربي والغربي، ثم استدرجهم لساحة الصراع السوري ليبرر حروب الإبادة للشعب السوري بعد الاستعانة بالقوات الخارجية والأطراف الشيعية المصدرة للكراهية في المجتمع العربي.
من أجل مواجهة الخطر الإيراني ودخوله إلى المنطقة العربية من أوسع أبوابها، لا بد من مراجعة الخطاب الإسلامي السياسي بكافة اتجاهاته، والعمل على النزول إلى الأرض وإيقاف النبرة الإقصائية لفئات المجتمع، والاتفاق على مبادئ مشتركة بين الجميع، واستخدام لغة عصرية مواكبة لهذا الزمن مع عدم الإخلال بثوابت الدين والهوية.
إذا استمر الإسلاميون في لغتهم الفوقية التي تخون وتكفر من يخالفهم، فلن نخرج من الأزمة الحالية، وستسقط الأرواح البريئة بسبب التهور في الاعتقاد، فهم يعتقدون جازمين أن الله عزّ وجلّ سيرسل لهم ملائكة من السماء تنصرهم على الأعداء، وتنتشر في الإرث الإسلامي تلك القصص، ويتم سردها في شكل مؤثر على العامة، ولكن دائمًا ما تكون عواقبها كارثية.
لا تخلو الثقافات الأخرى من هذه التوجه، وتنتشر جماعات مماثلة في المسيحية، كان آخرها حركة دوفيد كوروش، أو الفرع الداوودي أو الفرقة الداوودية، وهي فرقة من 600 فرقة دينية في أمريكا، وتبشر بارتباطها بالخالق، وبنهاية العالم، ودائمًا ما تعمل من خلال فكر متهور وغير عقلاني، وتكون نهاياته مأساوية، لكن الفرق هو تطور المجتمعات الغربية وتجاوزها لخطابهم غير العقلاني.
أكتب هذه الكلمات وأنا مدرك أن ما أطالب به لن يكون له صدى، لأن خطاب التطرف الديني ما يزال له بعض القبول في الشارع بالرغم من الكوارث، وسيستمر في تهوره وطغيانه، وكأن لديه علمًا مرسلاً من رب العالمين..الله المستعان..



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا