>

مصير الأكراد وجنوب السودان - محمـد أبــوالفضـــل

مصير الأكراد وجنوب السودان
محمـد أبــوالفضـــل


ما يريده أكراد العراق ليس بدعة تاريخية، ولا رغبة محرمة سياسيا، فقد سبقتهم جماعات وطوائف وأقاليم كثيرة، منهم من فشل وعاد يكافح لتحقيق حلمه ولايزال، ومنهم من نجح فى تقرير المصير والوصول إلى نقطة الاستقلال.

المشكلة أن الانفصال عندما يتحول إلى هدف فى حد ذاته وعنوان مطاط يدغدغ به الساسة مشاعر المواطنين، يواجه أزمات معقدة ويجلب لأصحابه مشكلات مركبة، ففى ظل تجاهل مقومات الدولة والتحديات الداخلية التى تواجهها وعدم الاعتداد بطبيعة البيئة الإقليمية، من السهولة أن يصطدم الحلم بالواقع ويتحول إلى أزمة أو على الأقل تكوين دولة تحمل كل عوامل الفشل.

تجربة جنوب السودان تقف شاهدا وناضل ساستها وعسكريوها ومواطنوها عقودا طويلة وفازوا فى النهاية بالاستقلال عن السودان، وتلقوا دعما كبيرا من جهات إقليمية ودولية عدة، لكنهم حولوا الإقليم إلى دولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى لمقومات الحياة، ولم يمر أكثر من عامين على الانفصال، وبدأت التجاذبات والخلافات وملامح الحرب الأهلية تلوح فى الأفق، ولا يزال سعيرها يحرق يوميا أعدادا كبيرة من المواطنين، ولا أحد يعلم متى سينتهى الاقتتال؟

حالة أكراد العراق أشد ضراوة، فالاستفتاء على تقرير المصير وجد ممانعة ظاهرة من جانب قوى إقليمية ودولية كبيرة، ويواجه بانقسام داخلى واضح بين مؤيدى الانفصال ورافضيه، فليس كافيا أن تمتلك الرغبة وتعلن الإرادة ولديك التأييد المحلي، ففى الأجواء الحالية من الضرورى أن تقبض على مفاتيح الحل البقاء والاستمرار.

تشابكات جنوب السودان الإقليمية أقل حدة من أكراد العراق، والقبائل الممتدة فى الإقليم لا تربطها أواصر قوية تهدد الدول المجاورة، وتفتقر إلى الكثافة العددية اللافتة، والأهم لم يعرف عن طوائف جنوب السودان أنها تخفى أجندة تسعى نحو الاستقلال.

مع ذلك بمجرد نشوب الحرب الأهلية هبط على الجنوب جنود من أوغندا، وسخرت إثيوبيا إمكانياتها وتسللت عبر قوات حفظ السلام الدولية وأوجدت لها قدما تحت مظلة أممية للحفاظ على مصالحها ومنع امتداد شرارات الحرب إليها، وانخرطت كينيا، من وراء ستار تارة وعلانية تارة أخري، فى بعض جوانب الصراع، وحشدت أدواتها السياسية والأمنية لضبط مساراته بالصورة التى تبعدها عن تداعياته السلبية.

السودان نفسه انتهز الفرصة وحاول إعادة ما سلبه منه الاستقلال بهدوء عن طريق العودة إلى العزف على أوتار الحرب، والتى بدأ يدق عليها بقوة فى مناطق التماس والأقاليم الحدودية، وتحولت دولة جنوب السودان من حلم إلى كابوس مخيف يؤرق أصحابه قبل خصومه، حتى ندمت عليه دول حرضت على الانفصال، بعد أن جعلته خيارا وحيدا، اعتقادا منها أنه سينهى مأساة الصراع بين شمال وجنوب السودان، وجعلت من الظلم الذى وقع على سكانه لعقود طويلة مدخلا للاستقلال.

المشهد مع أكراد العراق سوف يكون أشد وعورة، وكل المؤشرات المعلنة تؤكد أن دول الجوار، إيران وتركيا وسوريا فضلا عن العراق، تشحذ هممها للبحث عن آليات مناسبة للانتقام، وهى دول لديها الكثير من الأدوات التى تؤهلها لجعل الانتقام مميتا، من النواحى الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

كان رهان جنوب السودان على أن الانفصال وحده كبير، وأنه سوف يفتح أمام الدولة الجديدة الأبواب المغلقة، والنفط الوفير فى باطن أرضه كفيل أن يحول الدولة الفقيرة إلى غنية، وتغافلت قيادته السياسية عمدا عن تركيبة البيئة الداخلية الهشة والتى تقوم على أساس قبلى تصعب معه الحلول الحضارية، فما بالك إذا غابت أصلا الأخيرة؟

كما أن الدول التى وعدت وحرضت وأيدت ودعمت الجنوب، تلاشت رغبتها بعد أن ظهرت نذر الحرب الأهلية، وتقاعست عن تقديم المساعدات اللازمة لإنقاذ أرواح مئات الآلاف من البشر، وتركتهم نهبا للفقر والجوع والمرض، وحتى الأمنيات التى داعبت بعض القوى لتحويل جنوب السودان إلى أداة أمنية لضبط إيقاع الأوضاع فى شرق إفريقيا تبخرت، والأحلام التى راودتهم لجعلها نموذجا اقتصاديا توارت مع أول صاروخ أطلقه أنصار رياك مشار على قصر خصمه الرئيس سيلفا كير فى جوبا.

العبر والدروس التى يقدمها نموذج جنوب السودان تجعل مصير أكراد العراق فى مهب الريح، فإذا كان رهان رئيس الإقليم مسعود بارزانى على وحدة شعبه وترابط قواه الحية.

وهناك ميراث طويل من الخلافات والمرارات والاقتتال والصراعات يشكك فى استمرار ما يظهر على السطح من تماسك.

وإذا كانت لديه ثقة فى أن الدولة المنتظرة سوف تلقى دعما وفيرا من إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما لتأديب إيران والحد من نفوذها فى المنطقة، وتطويق سوريا والضغط على تركيا، فقد خاب ظنه، لأن المعادلات والتوازنات الحالية يمكن أن تتغير، ويدخل أكراد العراق محنة جديدة لن تقل ضراوة عن المحن السابقة، وربما تزيد، فى وقت تعيش فيه المنطقة وسط حروب مترامية وتحالفات متقلبة.

وإذا كان مؤيدو الاستفتاء مرتاحين للمواجهة التى تخوضها دول عدة ضد تنظيم داعش الإرهابي، فإن داعش رقم مهم فى المنطقة يتلاعب به من صنعوه لتحقيق أهدافهم، وتلك المعركة لن تستمر روافدها طويلا فى العراق، وبدأت ملامحها تتقلص مؤخرا فى أراضيه، ما يعنى أن الأكراد وصلوا إلى نقطة لن يغمض فيها جفن لخصومهم، فأزمتهم إستراتيجية بإمتياز ولن تتحول إلى مشكلة هامشية، ومن الصعوبة أن تتجاهلها الدول المتضررة من خسائر الانفصال.

وإذا قدر للاستفتاء الذى أجراه أكراد العراق الوصول إلى محطته النهائية وهى الاستقلال، فالمتوقع أن تواجه الدولة التى تحمل عوامل فشلها مصيرا قاسيا، فجنوب السودان وسط كل احتقاناته وأزماته لم يطالب أحد بجدية عودته إلى حضن السودان الأم، لكن فى حالة الأكراد الوضع سوف يكون أشد سوادا، فمن الممكن أن يتعرض الإقليم إلى عقوبات إقليمية تزيده انقساما وتدهورا، وتجعل حلم الدولة كابوسا يصعب التفكير فيه مرة أخرى مستقبلا. فهل درس بارزانى ومن معه هذه المخاوف جيدا واستفادوا من مصير جنوب السودان؟



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا