>

مرض (صاحبة الجلالة)..!

حمّاد السالمي

* ظل القادة والساسة وكبار المفكرين والمنظّرين في العالم؛ ينعتون الصحافة بثلاثة ألقاب رئيسية، لكل لقب منها دلالاته الخاصة، التي تجسّد قيمة وأهمية هذه المهنة النبيلة في حياة الناس.
* وصفوا الصحافة فقالوا: هي (مهنة المتاعب). وهي (السلطة الرابعة)، وهي (صاحبة الجلالة).
* الصحافة هي مهنة المتاعب بكل ما تعني الكلمة من معنى، نظرًا لمعاناة الصحافيين وتضحياتهم وركضهم المضني وراء الحوادث، بهدف الحصول على الأخبار التي ينتظرها قراؤهم، والحرص على اكتشاف حقيقة ما يجري، وما هو وراء هذه الحوادث والأخبار، وهذا لا يتم لهم في العادة في ظروف عادية، وإنما هم يجدون أنفسهم مجازفين بحياتهم، ومضحين براحتهم، تحت أي ظرف مهما كان. غير مكترثين للأوضاع السائدة سلمية كانت أو حربية، في حر الصيف أو قرّ الشتاء، في الحواضر وفي المناطق النائية، ولو كانت مسالكها وعرة، حتى إن ما ينشب من حروب ونزاعات هنا وهناك، يأخذ معه إلى الموت عددًا غير قليل من المحرّرين والصحافيين... هذه كلها متاعب في متاعب، ومعاناة في معاناة، بهدف توفير الخبز المعلوماتي اليومي والساعي أحيانًا، لملايين البشر الذين ينتظرون نشره مكتوبًا، أو عرضه مرئيًا، أو بثه سماعيًا.
* والصحافة سلطة رابعة في المجتمعات التي تعرف دورها، وتقدِّر جهدها، فهي التي تدعم بقية السلطات: (تشريعية وتنفيذية وقضائية)، في الإدارة العامة للمجتمعات كافة، فبفضلها تُكشف السلبيات، وتعزَّز الإيجابيات، ويخشاها الفَسَدة وأهل المخالفات، فتنهض بدور إصلاحي كبير مقدَّر من المواطنين والمسئولين على حد سواء، فهي ضمير الكل الذي يشجع كل منجز جيد، ويشير إلى كل خطأ أيًّا كان.
* والصحافة هي: (صاحبة الجلالة)، فهذا هو اللقب الأسمى والأفضل الذي به تتميز مهنة الصحافة، وبه تتوّج بوسام الفخر والاعتزاز، ويمنحها مكانتها السامية بين باقي الأدوات والمكونات الإعلامية والتنويرية للمجتمعات. إن لقب (صاحبة الجلالة) للصحافة ومهنتها في العالم؛ هو لقب تشريف وتكليف معًا، فرسالتها عظيمة، ومهنتها جسيمة، والحضور الذي تشكّله في حياة الناس لا يُستهان به، ولهذا كانت وما زالت محط اهتمام حكومات العالم، وكافة المؤسسات الاجتماعية. فكرية وأدبية واقتصادية وسياسية وأمنية، ومن مصلحة الدولة والمجتمع في كل مكان، أن تظل صحافتها ثابتة وقوية، حتى تنهض بدورها في التنوير والتطوير، وحتى تكسب المقارعة في حلبات الحروب الإعلامية.
* هل تُصاب الصحافة بالمرض..؟
* تتعرَّض الصحافة إلى أمراض عدة، سياسية كانت أو فكرية، لكن مرضها اليوم في بلادنا هو (شح الموارد المالية). هذه الحالة كشفها وعبّر عنها أستاذنا أبو بشار: (خالد المالك)، في مقال له من أربع حلقات نشر بهذه الصحيفة في الأيام الفارطة. لقد أبان أبو بشار أوجه المشكل الذي تعاني منه مؤسساتنا الصحافية كافة، وأن أكثر من سبب وصل بها إلى هذا المرض، واقترح عددًا من الحلول العملية التي لا تتحقق إلا بإجراءات من داخل المؤسسات ذاتها، ومن جهات خارج المؤسسات. هذه الجهات كانت داعمة في السابق، وهي بكل تأكيد حريصة كل الحرص على دعم المؤسسات الصحافية اليوم، حتى لا تمرض أكثر، ويودي بها مرضها إلى الموت، خاصة وأنه لا بديل عنها في الساحة لا اليوم ولا في غضون عقد قادم من الزمان، فالصحافة الإلكترونية ضعيفة وغير ناضجة، وليس لها مصداقية كافية، وتعاني كذلك من شح الإعلان الذي هو عصب الحياة للصحف ورقية كانت أم رقمية.
* الكرة اليوم في ملعب رؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات والمديرين العامين، ثم هي في مرمى وزارة الثقافة والإعلام ووزير الإعلام، الذي هو بكل تأكيد قريب مما يجري، ويعرف طبيعة مرض (صاحبة الجلالة)، ولن يقبل لا هو ولا كبار المسئولين في الدولة؛ سقوط هذه المؤسسات، التي كانت وما زالت صوت المواطن عند دولته، ومرآة الدولة عند مواطنيها.
* كانت الدولة فيما مضى؛ تدعم المؤسسات الصحافية مقابل الإعلان الحكومي، وهو دعم مقصود بهدف نجاح التجربة الصحافية، التي تبلورت من صحافة الأفراد إلى صحافة المؤسسات، ثم سمت وسمقت حتى احتلت مكانة مرموقة بين نظيراتها في المنطقة العربية، رغم حداثتها وعمرها الذي لم يتجاوز الستين عامًا.
* الحالة المرضية التي تمر بها مؤسساتنا الصحافية؛ مرت وتمر بها مثيلاتها في منطقتنا العربية تحديدًا، لكن السوق السعودية ما زالت كبيرة وبخير، ودولتنا - أعزها الله- هي الراعية لهذا الخير كله على المستويين العام والخاص، ونقل الصورة كما هي أمام أنظار خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله- من قِبل وزارة الثقافة والإعلام والمسئولين في المؤسسات الصحافية؛ هو الحل الأقرب والأمثل الآن، لمعالجة المشكل، وإيجاد سبل توفر الحد الأدنى من الوفر المالي؛ الذي يضمن الاستمرار والعمل.
* رحم الله أمير الشعراء (أحمد شوقي)، الذي أبدع في تصوير الصحافة؛ هذا المنجز الحضاري للبشرية؛ كما لم يفعل أحد قبله أو بعده. قال:
لِكُلِّ زَمانٍ مَضى آيَةٌ
وَآيَةُ هَذا الزَمانِ الصُحُف
لِسانُ البِلادِ وَنَبضُ العِبادِ
وَكَهفُ الحُقوقِ وَحَربُ الجَنَف
تَسيرُ مَسيرَ الضُحى في البِلادِ
إِذا العِلمُ مَزَّقَ فيها السَدَف
وَتَمشي تُعَلِّمُ في أُمَّةٍ
كَثيرَةِ مَن لا يَخُطُّ الأَلِف



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا