>

مرة أخرى.. هل اللبنانيون عنصريون؟ - د. نيفين مسعد

مرة أخرى.. هل اللبنانيون عنصريون؟
د. نيفين مسعد

أيام قليلة ويمر عام كامل على مقال نشرته فى «الأهرام» بتاريخ 22يوليو 2017 تحت عنوان هل اللبنانيون عنصريون؟ وكان المقال ينطلق من واقعة مقتل أربعة من اللاجئين السوريين اعتقلهم الجيش اللبنانى بعد مداهمة مخيمهم شكاَ فى وجود عناصر متطرفة داخل المخيم. ووضع المقال واقعة مصرع اللاجئين الأربعة فى إطار حملة الكراهية التى استهدفت السوريين واتخذت أشكالا مختلفة، وانتهى إلى أن علاقة لبنان بسوريا علاقة معقدة تتحكم فيها تراكمات سياسية وليدة فترة الوجود السورى فى لبنان من عام 1976 وحتى عام 2005.

اليوم.. أعيد طرح السؤال نفسه على خلفية واقعة أخرى مختلفة تماما تتعلق برفض إحدى الحضانات الواقعة فى قضاء كسروان بجبل لبنان قبول الطفل السودانى رزق فوزى لويس (وهو على الأرجح لاجئ من جنوب السودان) بزعم أن بعض الأسر اعترض على مزاملته الأطفال اللبنانيين بسبب لون بشرته. بالنسبة لى كان الخبر صاعقا لأول وهلة، لكن عندما تعمقتُ فى دراسة الموضوع تبين لى أن له جذوره وهو ما سآتى إليه لاحقا. ما أدهشنى فى البداية هو أن لبنان بلد التنوع, بلد فيه شىء من كل شىء، تجتمع على مساحته - التى تزيد قليلا على عشرة آلاف كيلو متر مربع - ثمانية عشرة طائفة تعترف بها الدولة وإن لم تكن هى كل الطوائف اللبنانية الموجودة فعلا، ومثل هذه المروحة من الانتماءات المختلفة تفتح عين اللبنانى منذ ولادته على التعددية وتطبّعه على التعايش معها. فى كل المرات التى جرت فيها محاولة التعدى على هذا التنوع لصبغ لبنان بلون واحد فإنه وقف على شفا الهاوية لا بل وسقط فيها كما حدث فى حرب الخمسة عشر عاما حين حاول كل طرف أن يشد لبنان فى اتجاهه، وفى الأخير خرج الجميع صفر اليدين. الباعث الآخر لدهشتى كان يرتبط بأن اللبنانيين بطبيعتهم شعب مهاجر، وهناك العبارة الشائعة التى تقول إن عدد اللبنانيين فى الخارج يساوى عددهم فى الداخل، ومثل هذا الوضع يجعلهم أكثر حساسية وتفهما لكل المشاكل التى يصادفها المغتربون. وفيما يخص قارة إفريقيا تحديدا - التى يحمل الطفل رزق جنسية إحدى دولها - فإن الحضور اللبنانى فيها حضور قوى و بالغ التأثير. فعلى موقع الجيش اللبنانى توجد دراسة مهمة عن اللبنانيين فى إفريقيا يعود تاريخها لعام 2011 تكشف كيف تنامى نفوذ اللبنانيين فى ساحل العاج إلى الحد الذى جعل أحد الرؤساء الإيڤواريين يقول إن اقتصاد البلاد بيد اللبنانيين، وذلك فى إشارة إلى تحكم اللبنانيين فى نحو 60% من القطاعات الحيوية للدولة، وليس حضورهم الاقتصادى بأقل من ذلك فى ساحل العاج حيث يسيطرون على 80% من تجارة الماس والذهب. فلماذا يكون تعامل اللبنانيين مع أصحاب البشرة السوداء مقبولا لا بل وضروريا فى البلدان الإفريقية ويكون محظورا بل ومستهجنا فى لبنان؟

ثمة ملاحظات متعددة ترد على الواقعة المشينة المتعلقة بالطفل السودانى رزق، الملاحظة الأولى أن مسرح الواقعة أى جبل لبنان هو منطقة يسكنها الموارنة بالأساس أى أن أهل الجبل يشاطرون عائلة الطفل الدين المسيحى ما يعنى أن التمييز هنا كان على أساس عرقى وليس على أساس ديني. الملاحظة الثانية أنه كانت ثمة تنويعات على واقعة الطفل رزق فى سياقات أخرى عندما رفض بعض أصحاب المسابح اللبنانية تقبل ــ لبضع سنوات ــ السماح بدخول زوار بسبب لون بشرتهم، والمصيبة الأكبر أن ما شفع لهؤلاء الزوار فى الدخول أنهم كانوا مواطنين أمريكيين! ما يعنى أن التمييز العرقى ليس مطلقا لكنه ينطوى على استثناءات، وما يجوز للأمريكيين السود لا يجوز للإثيوبيات مثلا، ومن يتردد على لبنان يعلم ضخامة عدد العاملات الإثيوبيات فى المنازل. الملاحظة الثالثة أن هذه الممارسات التمييزية حيال الآخرين لها أسباب مختلفة، بعضها ثقافى موروث أشرت له فى مقال العام الماضى، وبعضها يرتبط بالخطاب الشعبوى التحريضى للعديد من القيادات السياسية، كما فى تفاخر أحد الرموز اللبنانية البارزة بالقول إذا كانت لبنانيتى اتهاما بالعنصرية فأنا عنصري, وبعضها الثالث إفراز طبيعى للمناخ المسموم الذى يخيم على المنطقة منذ عام 2003 بتعصبه واستقطابه ونزعاته التفكيكية.

الملاحظة الرابعة أوردها منفصلة لأنها تبعث الأمل فى الحفاظ على لبنان كما نعرفه وكما يحب أن يُشاع عنه، فمن الصحيح أن من اعترضوا على قبول الطفل رزق مع أولادهم فى الحضانة يمثلون جزءا من المجتمع اللبناني، لكن من الصحيح أيضا أن جزءا آخر من هذا المجتمع تصدى بقوة لهذا الموقف. على الفور تم تدشين شعار على موقع تويتر بعنوان طفل ـ سودانى يتعرض للعنصرية ولاقى الشعار تفاعلا كبيرا معه، وتصدر نشطاء الحملات المناهضة للعنصرية وسائل الإعلام المختلفة للتنديد باستبعاد رزق، والتأكيد أن لبنان الذى شارك فى وضع الإعلان العالمى لحقوق الإنسان قبل سبعين عاما عليه احترام مبادئه، هذا علما بأن نشاط الحملات المناهضة للعنصرية قد تكثف بوضوح اعتبارا من مطلع الألفية الجديدة ،خصوصا مع تدفق اللاجئين السوريين. هذه اليقظة الاجتماعية هى حائط الصد ضد كل الممارسات التمييزية والخطابات التحريضية بكل ما لها من نتائج خطيرة، فإذا كان هناك من يقول إن الخارج لا يريد على الأقل فى هذه اللحظة أن يتم تفجير لبنان، ففى رأيى أن لبنان لا يحميه سوى اللبنانيين.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا