>

ما بعد الانتخابات الإسرائيلية - حسن نافعة

ما بعد الانتخابات الإسرائيلية
حسن نافعة


يبدو أن عام 2019 سيمثل بالفعل، كما توقعت من قبل، نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة ككل، وفي تاريخ العالم العربي المهدد بالتفكك والانهيار التام. وتعود أهمية وخطورة هذا العام إلى مجموعة عوامل، أهمها:
أهميته الحاسمة لمستقبل ترامب السياسي. فمن المعروف أن العام الثالث من الولاية الأولى لأي رئيس أمريكي جديد، عادة ما يكون هو آخر الأعوام التي يستطيع فيها اتخاذ قرارات مهمة أو حساسة، بعيدا عن الضغوط الداخلية المرتبطة بالانتخابات الرئاسية.
طبيعة الإدارة الأمريكية الحالية. فهذه الإدارة تبدو مختلفة كلية عن جميع الإدارات السابقة، ليس فقط لأن رئيسها جاء إلى البيت الأبيض من خارج مؤسسات الدولة العميقة، ويتعامل مع الملفات السياسية برؤية ومنهج التاجر ورجل الأعمال، الذي يجيد عقد الصفقات، ولكن أيضا لأن ترامب أصبح بالفعل زعيما لتيار يميني متطرف، ويمتلك جرأة غير معهودة في التعامل مع أكثر الملفات السياسية حساسية وتأثيرا في المستقبل.
رؤية ترامب لما يستطيع القيام به من دور تاريخي لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. فقد عكف ترامب منذ اللحظة الأولى لدخوله البيت الأبيض على بلورة «صفقة» تستهدف التوصل إلى تسوية نهائية لهذا الصراع، وعهد بملفها إلى زوج ابنته اليهودي، الذي تربطه علاقة حميمة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولأنه يدرك أن تمرير هذه الصفقة يجب أن يتم خلال الأشهر الست المقبلة، وإلا فلن يستطيع ذلك مستقبلا، يعتقد على نطاق واسع أن هذا الملف سيتصدر جدول أعمال الإدارة الأمريكية فور تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن غموضا كثيفا ما يزال يكتنف هذه «الصفقة»، التي لم تصدر بشأنها أي وثيقة رسمية حتى الآن. غير أن تصريحات ومواقف الإدارة الأمريكية الحالية، من ناحية، والتسريبات الإعلامية حولها، من ناحية أخرى، تسمح بتكوين رؤية واضحة عن أهدافها الحقيقية، وعن الملامح العامة لمضمونها في الوقت نفسه. فمن حيث الأهداف، يمكن القول إن ترامب يسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: 1- فرض تسوية تستجيب للحد الأقصى من متطلبات الأمن الإسرائيلي. 2- التصدي لاي طرف يرفض أو يحاول عرقلة تصوره لما ينبغي أن تكون عليه هذه التسوية. 3- توظيف كافة الأدوات والوسائل الملائمة لإقناع الدول الحليفة بأهمية تمرير وتمويل تكلفة هذه الصفقة، أو لحملها على ذلك إن اقتضى الأمر.
أما من حيث المضمون، فيمكن تحديد ملامحها العامة على النحو التالي: 1- تتبنى الصفقة الموقف الإسرائيلي الرافض للعودة إلى حدود 67، ولإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولعودة وتعويض اللاجئين الفلسطينين. 2- تعترف للفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية بالحق في حكم ذاتي تشرف عليه الحكومة الأردنية، ويقتصر على المنطقة (أ) ومعظم المنطقة (ب)، وتمنح لإسرائيل الحق في ضم المنطقة (ج). 3- تعترف للفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة بالحق في حكم ذاتي تشرف عليه الحكومة المصرية، ولأن قطاع غزة يضيق كثيرا بسكانه، يتوقع أن تعرض الولايات المتحدة على الحكومة المصرية، في إطار هذه الصفقة، الاختيار بين صيغتين لحل مشكلة التكدس السكاني، الأولى: تقوم على تبادل الأراضي مع إسرائيل، بحيث تتنازل مصر عن حوالي 700 كم مربع من المنطقة المتاخمة لحدودها مع قطاع غزة، مقابل تنازل إسرائيل عن منطقة من صحراء النقب يتم الاتفاق على مساحتها بين الطرفين. الثانية: تقوم على إقامة منطقة حرة في سيناء تمتد من خليج العقبة جنوبا وحتى البحر المتوسط شمالا، تكون بمثابة منطقة تكامل اقتصادي بين مصر والسعودية والأردن وإسرائيل ومناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، وتتولى دول الخليج العربي ضخ الاستثمارات اللازمة لإقامة مشروعات تكفي لامتصاص وتشغيل العمالة الزائدة والقضاء على البطالة والمساعدة على توطين أعداد كافية من اللاجئين الفلسطينيين.

بفوز نتنياهو وتوقع إعلان صفقة القرن، تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة قد تكون الأخطر في تاريخها

يتضح مما تقدم أن «صفقة» ترامب، في حال ثبوت صحة التسريبات الإعلامية حولها، لن تطرح كمقترحات تشكل أساسا للتفاوض وإنما كخطة أمريكية لتسوية نهائية يتعين على الأطراف المعنية، إما قبولها أو رفضها ككل. ولأن ترامب اكتشف من خلال مشاورات أجراها بالفعل مع مختلف الأطراف، أنه لن يكون بمقدوره ضمان موافقة مسبقة على تفاصيل الصفقة التي سيقترحها، فقد قرر أن يمضي قدما في اتخاذ إجراءات أمريكية أحادية، كنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، كي يستطيع وضع جميع الأطراف المعنية أمام أمر واقع جديد، يأمل أن يساعده في الوقت نفسه على فرز وتصنيف المواقف، والتعامل مع كل طرف بالأسلوب الذي يستحقه، لذا يمكن القول إن لدى ترامب الآن صورة واضحة وكاملة عما ينبغي القيام به مع مختلف الاطراف المعنية، والتي يصنفها إلى الفئات التالية:
أولا: معسكر الأعداء، ويضم إيران وحزب الله والمنظمات الفلسطينية التي ترفع شعار المقاومة المسلحة (خاصة حماس والجهاد). ولأن ترامب يرى أن إيران هي «رأس الأفعى» والقائد الفعلي والحقيقي لهذا المعسكر، الذي سيسعى بكل ما أوتي من قوة لإفشال «صفقة القرن»، وبالتالي لا سبيل للتفاهم معه، أو تقديم أي نوع من التنازلات له، فقد اتخذ في مواجهتها سلسلة من القرارات العنيفة، بدأت بإنهاء الالتزام بالاتفاق النووي المبرم معها، وإعادة فرض عقوبات أكثر قسوة عليها، وانتهت مؤخرا بإعلان الحرس الثوري منظمة إرهابية، وهو ما يمكن اعتباره «إعلان حرب». ومن الواضح أن ترامب يبدو مصرا على محاصرة إيران وحلفائها بكل الوسائل الممكنة، حتى لو اضطر إلى استخدام القوة المسلحة.
ثانيا: معسكر الحلفاء، ويضم مختلف الدول القادرة على التأثير في القرار الفلسطيني، والمطالبة بلعب دور سياسي مباشر في عملية التسوية، وفي مقدمتها مصر والأردن، وكذلك الدول القادرة على تقديم الدعم المالي، وتحمل الجانب الأكبر من التكلفة المالية للصفقة، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وقطر والكويت، وربما دول أخرى في المنطقة، قد يجري الاستعانة بها لأداء أدوار معينة في توقيتات محددة، كتركيا على سبيل المثال لا الحصر، الخ. ولا شك أن الولايات المتحدة تمتلك ترسانة من الأسلحة التي تمكنها من التعامل بفاعلية مع هذه الدول، تجمع بين العصا والجزرة وممارسة أشكال عديدة من الابتزاز.
ثالثا: السلطة الفلسطينية، لأنها تتمتع بوضع خاص لا يسمح لها بالالتحاق صراحة بأي من المعسكرين السابقين. فهي، من ناحية، لا تستطيع القبول بصفقة تؤدي عمليا إلى تصفية كاملة للقضية الفلسطينية، أي قضية الشعب الذي تدعي أنها تمثله، وهي، من ناحية أخرى، في حاجة ماسة للمحافظة على علاقة خاصة مع كل الأطراف المعنية والمؤثرة في القضية الفلسطينية، حتى لو اضطرت للإبقاء مع بعضها على «شعرة معاوية». ويلاحظ هنا أن ترامب تعمد استغلال هذا الوضع الهش للسلطة الفلسطينية وقام بممارسة أقصى قدر من الضغوط عليها من خلال، إغلاق مكتبها في واشنطن، وقطع الدعم المالي المباشر وغير المباشر عنها وعن وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
في سياق كهذا، أتوقع أن يشرع ترامب في إطلاق «صفقة القرن» والبدء في وضعها موضع التنفيذ الفعلي عقب الانتخابات الإسرائيلية مباشرة، التي راهن فيها على نتنياهو وقدّم له كل عون ممكن لتمكينه من تشكيل وقيادة الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وليس من المعروف حتى الآن ما إذا كان ترامب سيكشف النقاب رسميا عن كل تفاصيل هذه «الصفقة» دفعة واحدة؟ أم سيتعامل معها بالقطعة؟ غير أنه يعتقد أنه يمتلك من الأوراق ما يكفي لتمريرها وراكم في جعبته ترسانة هائلة من الأسلحة التي يستطيع استخدامها في مواجهة جميع الأطراف، الأعداء منهم والأصدقاء على السواء، لذا يتوقع أن يقدم ترامب على الاعتراف رسميا بحق إسرائيل في ضم المنطقة (ج)، والتي تشكل حوالي 60% من مساحة الضفة الغربية، وأن يعترف لها بحقها في فرض سيادتها على كل المستوطنات المهمة الأخرى التي تقع خارجها، وذلك في حالة ما إذا أصرت السلطة الفلسطينية على رفض الصفقة، بل ليس من المستبعد أن يسعى ترامب لايجاد بديل لمحمود عباس إن تمادى في موقفه الرافض. أما إذا ترددت أو تقاعست مصر أو السعودية عن القيام بما هو مطلوب منهما لتمرير الصفقة، وهو كثير، فبوسع ترامب ابتزازهما عبر تحريك ملفات خاشقجي وحقوق الإنسان وغيرها من الملفات. ولأنه يدرك أن معظم دول الخليج العربي بحاجة ماسة للوقوف في وجه ما تعتبره تهديدا إيرانيا، فلن يتردد ترامب في ممارسة كل أنواع الابتزاز في مواجهتها لحملها على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بصرف النظر عن مصير التسوية النهائية للقضية الفلسطينية.
بفوز نتنياهو وتوقع إعلان صفقة القرن، تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة قد تكون الأخطر في تاريخها. ولأن العالم العربي ما زال يعيش في غيبوبة، يتوقع أن يكون هو الخاسر الأكبر في الصراع المحتدم عليها وفيها.
كاتب وأكاديمي مصري



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا