>

لماذا يرتدي بعض القضاة الجدد ثوب الكبرياء والغرور

الدكتور
عبد القادر القيسي

عندما يتم ترشيح محامين للقبول في المعهد القضائي يتم تزويده بكتاب حسن سيرة وسلوك من نقابة المحامين، وعندما كنت في المحكمة الجنائية المركزية في ساعة بغداد ترشح محامين عديدين من غرفتي للمعهد القضائي وزودناهم من خلال نقابة المحامين، بكتب حسن سير وسلوك وفق القانون، وكثير منهم من كان قاضي ذو خلق نبيل فلم ينسى زملائه وبخاصة رئيس غرفته، وقلة منهم من كان سباقا في ارتداء ثوب الكبرياء مع زملائه ورئيس غرفته أولا؛ رغم انه قبل فترة وجيزة كان يعيش معاناتهم، لكنه ما أن أنهى فترته التحضيرية وبدأ بالتطبيق؛ لاحت امام عينيه صورة القاضي المتكبر، وبدأ يهيئ استحضارا ته لارتداء ثوب الكبرياء؛ لكنه بداية، سوف لم يكن على مقاسه فت لضعف الخبرة، وبعد ترديد القسم وتوقيع المرسوم الجمهوري والمباشرة بالدوام في هذه الفترة تكتمل مرحلة تفصيل ثوب الكبرياء على المقاس بدقة، وتبدأ كليباتها وصورها في بادئ الامر؛ من طريقة السلام واستقبال زملائه، مرورا بمعاملته لهم عند المراجعة، وانتهاءا بتعسفه مع زملائه بطريقة احترافية شخصية؛ بحيث تصل الى حد محاربة زميل له برزقه، وأحد القضاة عندما كان محاميا في غرفتي كتب لي مطالعة بخط يده (احتفظ بها لحد الان) عن صعوبات وممارسات بعض القضاة والمحققين بوقتها في المحكمة الجنائية المركزية، ورشح بعدها للمعهد القضائي وصدر مرسومه الجمهوري وتنسيبه في المحكمة نفسها، فشاهدته في ممرات المحكمة وانا رئيس غرفته لأكثر من ثلاث سنوات في حينها، فكنت انتظر منه ان يبادر بالسلام، لفارق العمر ورئيس غرفته ولمكانتي العلمية، لكنه لم يبادر فبادرت بالسلام تحقيقا للأجر، فرد علي بطريقة استعلائية بان رفع يده رفعة يد معوق، ولم يتوقف وأستمر بالمشي، وبعدها التقينا في غرفته؛ لأن بعض المحامين اشتكوا من ممارساته معهم، وابلغته ان مطالعتك التي كتبتها بخط يدك موجودة وانك تمارس نفس الممارسات التي كنت قد اشتكيت منها، وقاضي أخر أيضا من محامي غرفتي، وصديق عزيز علي وشاركنا في عدة لجان نقابية مهنية ودعمته كثيرا، وزارني عندما كان على وشك التخرج سنة 2014، واكد لي بانه سيقوم بمساعدتي بكافة السبل المتاحة، وقلت له اني احتاج فقط دعم معنوي يتحقق بالهاتف الشهري للاطمئنان، ومنذ ذلك الوقت لم اسمع صوته وهو الان يمارس عمله في بغداد.//
عندما يعيش القاضي أدوار التكبر والغرور يفسد القضاء، لأنه يسعى بجد ومثابرة لإشباع متعته القصوى في الاستحواذ على المال وعلى الجاه وعلى السلطة والاكتناز والاقتناء؛ وبذلك يحل المال والنفوذ محل العدالة والمساواة أمام القانون وتنحسر النزاهة والعدالة أمام الرشوة والتزوير والغش والكذب، ويتشطر المجتمع وتتخلخل وحدته الوطنية من الداخل ويتجزءا إلى شرائح متصارعة ومتناحرة تعيش في خصومات مستمرة تغيب عنها السكينة، بل وتفقد الإحساس بالمواطنة وبالانتماء إلى وطن.//
إن الحوار الصريح، بدون تشنج ولا ضغينة، حول ما يعرفه قضاؤنا من خلل، سيساعد على رصد مكامنه لمعالجته، وهناك حالة، لمحامي على وشك ان يباشر عمله كقاضي، كان يجلس بجانبي قبل دخوله للمعهد القضائي، يسالني كثيرا ويدون اكثر ما أقوله حتى لو كان أحيانا في سياق حديث عام، وكنت ادعمه لأنه قارئ نشط، فعندما قدم للمعهد القضائي كانت هناك عليه معلومات من محافظته غير مشجعة باعتباره حاد المزاج ومشاكس مع زملائه (تدخلت بينه وبين محامين لديه مشاكل معهم)، لكن احد القيادات المهنية لم يلتفت لذلك وزوده بكتاب للمعهد يشير بحسن سيرته، لكنه ما ان اوشك على الانتهاء من الدوام بالمعهد، بدأ يتحدث بصقورية عالية ويطرح آرائه بأستاذية فارغة، ويرسم صورة لدورته وما يتلقاه فيها من محاضرات، لم تكن موجودة الا في ارقى الجامعات الاوربية، وأن دورته هم العصا السحرية ومفتاح ازدهار القضاء في العراق، وبهم سنتخطى الصعاب، معتقدا أن العراقيين، لا يفقهون ما وصل اليه الفساد في الدولة العراقية، مما يجعل كلامه لا ينسجم مع المنطق، بالرغم من ان الجهود المهنية والدراسية المبذولة في دورات تخريج القضاة جهود خيرة ووطنية.//
ولاحظت عليه في لقاء لمرتين؛ انه أصيب بوباء الكبرياء، وإعطاء نفسه علمية تتفوق على الاخرين، ويتحدث كانه قديس لا يناله الكبر والجهل، وبات يوجه سهامه بطريقة لا يدرك أنه بات يعيد بها مشاكله السابقة مع زملائه وبنفس السياقات؛ ولاحظت عليه سيره باتجاه ارتداء ثوب الكبرياء الفاضي الذي لبسه بعض المحامين الذين مارسوا نفس الممارسات والإخلالات، ما ان أصبحوا قضاة، حيث ارتدوا ثوب الكبرياء بغرور وغطرسة، وأولا على رئيس غرفتهم، وفي حديث معه طلبت منه ورقة تحدث بها عن تعديلات مقترحة لقانون أصول المحاكمات الجزائية، لقاضي احترمه واجله، لكنه اجابني باجتهاد غير صحيح ومن عندياته، بان القاضي لا يقبل بإعطائها لاحد لأنها سرية، واستغربت وقلت له؛ التعديلات ميزتها معلنة وكل شخص يدلوا بدلوه، وحصلت بعدها على التعديلات، ووجدتها مطروقة منذ فترة طويلة وتم مناقشتها في احدى لجان البرلمان وكنت عضوا فيها، وبعدها اخبرني بكلام ما نصه(أخاف احجي وتكتب علي) ولم اكن افهم كلامه لتوفر حسن الظن به، لكني بعد فترة علمت معنى كلامه وتيقنت بان كلامه فيه من المقاصد ما لا يخفى، ولم تتطرب له اذني، وفي جلسة لاحقة معه، ابلغته بان: كلامك السابق كان غير مسؤول ودريئة لتوجيه سهامك لها فقط، وأطلقته على عواهنه، وأقوال العقلاء يجب ان تصان عن العبث، وان تكون سليمة المقاصد، وتنفيذا لمخاوفه مني باني قد اكتب عليه، ها انا قد كتبت، وأؤكد له ولغيره؛ بان يغادر فراش نومه، ويستعيد وعيه، ويعلم، ان الكتابة علم وشجاعة واحساس وشعور لا يمكن ان يمتلكه أي شخص او يصل اليه دون موهبة وخبرة، والكاتب الحقيقي الوطني عليه مسؤولية، بان يؤشر كل السلبيات في مجاله؛ لأنها من واجبه كالقائد الديني او الوطني ان كان في موقع المسؤولية، وايقنت بعد ذلك ان المعلومات التي كتبت عليه بداية، قد يكون لها نصيبا من الصحة، ولا أتوقع له عمل مهني وطني بوظيفة القضاء.///
ان كبرياء القاضي ليس بتعبيس الوجه ورفع الحاجبين وتقطيبها مع حدة في قسمات الوجه، بل برسم الابتسامة لدى استقباله المحامي والمواطن، كبرياء القاضي ليس باستقبال زملائه بتعالي وبرسميات فوقية، والمحيا مرسوم عليه التذمر والحيرة، لان في ذلك غطرسة وغرور ليس لهما مكان في سلوكية القاضي، وهناك بعض القضاة كانوا مثال شاخص لتلك الممارسة، كبرياء القاضي ليس بغلقه الأبواب وتخفيه وراء الحراسات والحمايات، كبرياء القاضي بعدله وانسانيته وتطبيقه روح القانون وتجسيده مضامين العدالة وانصاف حقوق المتقاضين، لان الكبرياء والتعالي لا يليقان بالقاضي وهو بصدد الفصل بالمنازعات؛ لان المتقاضين سيكونون متوترين وغير مرتاحين وهم في رحاب العدالة، وقد لا يفصحون عن مكنوناتهم والتي قد تنير ميدان رؤية القاضي لافق القضية وتجعله يمسك بتلابيب الدعوى بقوة لأجل احقاق الحق ونصرة العدالة، والكبرياء للمسؤول ضعف كبير وضعفه اكثر خطورة وأيلام اذا كان قاضيا، خاصة عندما يقوم في تحرير صكوك اتهام في حق كل من يجرؤ على انتقاد اجراءاته وقرارتها واحكامه أو سياسته، فيقوم بتصدر المشهد في ادعاء الدفاع عن تحصين القضاء.//
لذلك كفانا من التقريع والتقزيم والخطاب غير الوطني، وعلينا جعل مهمة القضاء في اجتثاث غول الفساد سهلة ميسرة، والعدالة ليست في ارتداء ثوب الكبرياء او بالسلطة او ببناء القصور والبنايات الشامخة والسجون، ولكنها في إرساء الشعور بأن هناك قضاء منصف يطمئن إليه المتقاضي والقاضي.//
اننا نتأمل من القضاة الجدد بان يساهموا في رفع منسوب مصداقية القانون وهيبة العمل القضائي وترسيخ الطمأنينة لدى المتقاضي، الذين يعيشون غالبهم تحت هاجس الضغوط النفسية، أو صابرون محتسبون أمرهم لله، وذلك يتم من خلال البساطة وروح الشفافية في العمل القضائي بعيدا عن خلط الأوراق.//
سعيُنا دائما هو الارتقاء بقضائنا إلى المستوى الذي يشرف بلادنا، ونعتز بالمجتهدين من قضاتنا الذين يعملون في صمت إرضاء لضميرهم المهني ومسايرين للآفاق التي وعد بها القانون والدستور النافذ.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا