>

للتراث رب يحميه!


رياض المسيبلي

يعترف الراحل زكي نجيب محمود في شجاعة تليق بالكبار عن موقفه من التراث ثم كيف تغير هذا الموقف، “فبدأت بتعصب شديد لإجابة تقول إنه لا أمل في حياة فكرية معاصرة إلا إذا بترنا التراث بترا، وعشنا مع من يعيشون في عصرنا علما وحضارة ووجهة نظر إلى الإنسان والعالم، بل إني تمنيت عندئذ أن نأكل كما يأكلون ونجد كما يجدّون ونلعب كما يلعبون ونكتب من اليسار إلى اليمين كما يكتبون..” (1)

إنه اعتراف صادم؛ إذ وصلت الهزيمة الثقافية إلى أن يمسخ الإنسان قردا يقلد كل شيء يأتي من المنتصر حتى طريقة لعبه وأكله وكتابته. وغير الأستاذ من موقفه تجاه التراث، بيد أن في النص أعلاه صورة قاتمة، وإن تغيرت لدى محمود، فإنها لم تتغير عند كثير اليوم.

لقد حجب حاضر الزمان الرؤية عند السائرين وراء الثقافات المنتصرة، وتغافلوا أنّ للمكان ثقل في معادلة الحضارة كذلك، فأولئك الذين يرجعون إلى الماضي متجاوزين لزمنهم لا يختلفون عن الذين يهتدون بالمنتصر اليوم، فإن كان مع الفريق الأول حجة رسوخ الجذور الثقافية، فإن الفريق الثاني تجاوز المكان بكل خصوصياته وغدا رجعيا كذلك.. ولكنه رجعي يخادعنا بالمعاصرة ويخادع نفسه.

هكذا سارت ثقافتنا المعاصرة في جل مسيرتها مع التراث؛ نادى بعضهم بدفن السابقين باسم الحداثة، وانتقى آخرون ما يريدونه من الماضي مقصين كل ما عداه، وتعالت الأصوات القبيحة تستهزئ وتهاجم التراث بدعوات شتى ومنها دعوات دينية.

حُمّل الغزالي نكسة هذه الأمة، ورُمي ابن تيمية بكل تهمة، وغدت كتب السابقين توابيت لا غير. هكذا ترفع الهزيمة عقيرتها بكل قبح؛ فالإقصاء هو سبيل المهزوم في المواجهة لأنه لا يحسن غيره. يتضح موقف من يرفض التراث من المعرفة والثقافة وتصوره لمعناهما؛ إذ هو موقف مبني على السطحية والعجز في آن واحد. يعتبر ذاك الرافض المعرفة كمشاريع منفصلة، وليست مسيرة مبنية على التواصل القائم على شجاعة الموقف. الشجاعة في القبول والنقد والتصحيح، والمشاركة الحيوية القائمة على التجديد.

هل يمكن ليومنا أن ينفصل عن أمسه؟، ألا يتسلل الأمس إلى حاضرنا ومستقبلنا، فيخفي وجهه تارة ويطل بملامحه تارة أخرى؟، يخدع نفسه من يحسب أنّ التراث، بكل إنتاجه وتياراته وأتراحه وجنونه، بضائع يصنفها العقل البشري وهو بكامل جنونه فيختار منها ما يشاء ويترك. ليس ثمة جبرية في الأمر، ولكنها قدرة الثقافة على تشكيل نفسها وتشكيلنا معها. تلك المسارب الخفية التي تتسلل عبرها أفكار الآخرين، سواء كانت أفكار من مضوا أم أفكار أولئك الذين يصولون ويجولون اليوم بأقلامهم. كيف يمكن لأصحاب تيار ما أن تتشابه آراؤهم رغم تفاوت المسافات والأزمان؟، إن الحديث عن التراث، أي تراث، لا يبتعد عن جواب هذا السؤال إن كان له جواب أصلا.

لا أتصور قارئا يمكن أن يحتقر شيئا كُتب؛ إذ إنه حتى وإن مارس هذه الوقاحة فهو باحتقاره هذا يعترف بقيمة وأثر ما يحتقره. لا يمكن لميت أن يهدد سوى مرضى العقول. هؤلاء الذين يعلنون موت التراث بين الحين والآخر لا يعبرون عن حقيقة خارج خيالهم الباهت، بقدر ما يعبرون عن حقائق أنفسهم. ومن مكر الأفكار أنها تنبعث كلما حسبنا أنها قد اندثرت منذ أمد بعيد.

انتهت فتنة التكفير يوما، أو حسبناها كذلك، فانبعثت في القرن العشرين ولكن من دون سيف. ثم امتشق هذا الجنون كل الأسلحة ليعيد للتوحش مكانه اليوم. كبر أهل السنة على المعتزلة وأفكارهم وصلوا عليها صلاة الغائب، فأحيت المدرسة على يد أناس ملأوا الدنيا صراخا بأمجادها، ولكن لم يكن بين أكثرهم سمت عمرو بن عبيد ولا مشيته التي كانت تفوح بالزهد والإباء.

الأفكار لا تموت، كلمة نرددها حتى أصبحت مثل النشيد الوطني نردده ولا نفقه كلماته. لكنها كلمة أثبتت صدقها وخطورتها طوال مسيرتنا البشرية المترعة بالانكسارات وألوان الانتصار. ويبدو أن هذه الحروف قد خلّدت الصوت البشري

فلا يستطيع أحد إخراسه.. وليحيا الوهم..

ــــــــــــــــــــــــ

1- زكي نجيب محمود. تجديد الفكر العربي. القاهرة: دار الشروق، 1993م. ص12-13. (والتأكيد من عندي)



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا