>

لجنة موللر - د. مصطفى جودة

لجنة موللر
د. مصطفى جودة

بعد عشرة أيام من إعلان نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية والتى عُقدت فى السادس من نوفمبر، ونتيجة خوفه الشديد من الآتى القاتم وجه الرئيس ترامب جام غضبه تجاه روبرت موللر ولجنته وكتب مغردا يوم الخميس الموافق الخامس عشر من نوفمبر: .. ما يقوم به موللر ولجنته لا يزيد على كونه تصيد أخطاء وتجريما وهو عمل مشين لم يحدث مثله فى تاريخ أمتنا وهو عارعلى أمتنا، وكل الدلائل تشير إلى أنهم فى حال فوضى عارمة، وأنهم لم يجدوا أى جرائم تواطؤ مع روسيا وأنهم مجانين وديمقراطيون غاضبون. من هو موللر وماهى لجنته تلك التى تجعل ترامب يكاد يفقد إحداثياته وأعصابه أخيرا، وتجعله غاضبا شاردا كالأسد الجريح؟. وما أهمية الموضوع بالنسبة لنا، وهل يستحق منا الفهم والتعليق؟. هذا ما سنجيب عنه.

فى السابع عشر من مايو 2017 صدر قرار بتكوين لجنة خاصة تتبع وزارة العدل الأمريكية تسمى لجنة موللر للنظر فى التدخل الروسى وكل ما يرتبط بهذا التدخل فى الانتخابات الرئاسية عام 2016 التى فاز فيها ترامب على غريمته هيلارى كلنتون الديمقراطية. تكونت هذه اللجنة نتيجة الضغوط والأصوات المتعالية ونتيجة تقارير المخابرات والإف.بى.آى والأمن القومى ونتيجة تحقيقات لجان الكونجرس المختصة، أنه كان هناك تواطؤ بين ترامب وحملته الانتخابية وبين الروس، وأنه كان هناك تدخل روسى واضح فى سير العملية الانتخابية مما أدى لفوزه فى الانتخابات وأن الأمر يستدعى تكوين تلك اللجنة الخاصة للتحقيق فى كل جوانب الأمر، لأن هذا الأمر لو صح فإنه يهدد كل العملية الديمقراطية الأمريكية ويقوض دعائم الحكم والحياة والأمن القومى فى أمريكا فى المستقبل. تم اختيار روبرت موللرالمحامى العتيد والمنتمى للحزب الجمهورى لرئاسة تلك اللجنة الخاصة لما يتمتع به الرجل من نزاهة ومصداقية معهودة وموافقة من الجميع سواء كانوا جمهورييين أو ديمقراطيين. معلوم من سيرته الذاتية الفريدة أنه عين بواسطة الرئيس السابق جورج بوش ليكون المدير السادس للإف.بى.آى عبر تاريخها كله. مدة التعيين فى هذا المنصب عشر سنوات قضى منها ستا خلال حكم بوش والأربع الباقية تحت حكم أوباما. لم يغيره أوباما رغم انتمائه للحزب الجمهورى لنزاهته ووطنيته المعروف بهما. فى بداية الأمر كانت اللجنة والسيد موللر تستمتعان بالموافقة الجماعية من الحزبين نتيجة شخصية موللر المقبولة من الجميع، غير أن الأمر تغير نتيجة هجوم ترامب المستمر عليها وعلى عملها وعلى رئيسها وذلك من خلال تغريداته المستمرة بهذا الصدد والتى لم تهدأ إلا خلال فترة الانتخابات النصفية ثم عاد فى هجومه أشد قسوة وضراوة.

بمجرد صدور قرار تعيينه تلك اللجنة من قبل وزارة العدل الأمريكية المنوط بها ذلك الأمر، والذى يجب أن تكون تحت إشراف وزير العدل طبقا للقانون الأمريكى، أعلن جيف سيشنز وزير العدل أنه يتنحى عن مسئولياته وجميع أدواره الخاصة بتلك اللجنة عقب اتهامه بأنه كان على اتصال بالسفير الروسى فى واشنطن حينها السيد سيرجى كيسلاك، وبالتالى حل محله نائبه رود رزنبيرج وهو الأمر الذى أغضب الرئيس ترامب وجعله يستهدف سيشنز من بعدها، ويتهمه بعدم الولاء مما أدى فى النهاية الى إقالته بعد انتخابات منتصف الترم التى خسر فيها الحزب الجمهورى الأغلبية فى مجلس النواب، وهو الأمر الذى أصاب الرئيس ترامب بالإحباط والخوف الشديد من نيات الديمقراطيين المعلنة بأنهم قد يحاكمونه طبقا للقانون، ووفقا للسلطات المخولة إليهم. منذ بداية عمل اللجنة وحتى الآن أصدرت اللجنة قرارات اتهام جنائى ضد ثمانية من أقرب العاملين الى ترامب منهم مدير حملته الانتخابية ومحاميه وست ةآخرون اعترفوا بجرائمهم الموجهة إليهم وأعلنوا استعدادهم للتعاون مع موللر والاعتراف بكل ما يعرفون على أساس اتفاق بتخفيف الأحكام الجنائية التى ستصدر ضدهم طبقا للقانون الأمريكى.

مابين المنتظر من موللر ولجنته ونتائج الانتخابات النصفية وفجيعتها، كل الدلائل تشير الى أن ترامب يعيش أسوأ أيامه. قام فور إعلان النتائج بفصل جيف سيشنز وزير العدل وهو الأمر الذى كان متوقعا ولكن ليس بهذه السرعة. عقبها تصاعدت الأمور بشكل خطير وأصابت الفوضى كل أجنحة البيت الأبيض وكانت البداية والرئيس ترامب فى الطائرة متوجها لباريس لحضور احتفالية مرور مئة عام على نهاية الحرب العالمية الأولى فى 11 نوفمبر 1918، إذا فوجىء بتصريح للرئيس الفرنسى ماكرون أنه يتعين على أوروبا تكوين قوة أوروبية للدفاع عن نفسها. أغضب هذا التصريح ترامب فغرد وهو فى طائرته غاضبا ومهاجما صديقه ماكرون. هذه كانت بداية نذير لفشل الرحلة وهو ما حدث فعلا وأدى إلى ظهور ترامب وحيدا يتجنبه الجميع ويتجنب الجميع لدرجة أنه لم يحضر احتفالية زيارة مقابر الجنود الأمريكيين فى باريس وهو الأمر الذى أغضب الكثيرين من الأمريكيين، كما أنه لم يقم بزيارة مقابر ضحايا تلك الحرب فى مدينة إيرلنجتون الأمريكية عقب عودته من باريس. هناك تسريبات كثيرة مفادها أن حالته النفسية فى الحضيض توقعا لما ستسفر عنه نتائج لجنة موللر والمتوقع صدورها قريبا والتى قد تجرم وتدين ابنه الكبير ترامب جونيور، إضافة الى إدانته هو شخصيا. البعض يشبهه بالرئيس الراحل نيكسون إبان فضيحة ووترجيت التى أودت به فى النهاية. كانت إرادته أن يفصل موللر بعد الانتخابات النصفية وذلك بفصله وزير العدل وإحلاله بقائم بعمله يدين له بالولاء وهو ما حدث فعلا، غير أن نتائج الانتخابات جاءت بما لا يشتهى ترامب. لقد تأخر الوقت على تنفيذ تلك الأجندة وهو الأمر الذى يفسر اكتئابه فى انتظار مجهول مظلم. وختاما: هل الأمر يهمنا؟. نعم ويهم الدنيا كلها.على سبيل المثال لو أن أسواق المال الأمريكية انهارت نتيجة إدانة الرئيس ترامب، وهو أمر وارد لأتبعتها كل أسواق المال فى العالم ونحن جزء من ذلك العالم. أيضا هناك أمر وارد وهو أن ترامب قد يشعل حربا فى منطقة من المناطق الساخنة مثل إيران أو كوريا الشمالية وهو فى لحظات ضعفه. هناك ردود أفعال كثيرة ستترتب على نتائج تلك اللجنة قد تؤثر على كل الدنيا.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا