>

لا للوصاية ... ولا للولاية ... ومليون لا للتفويض متابعة أوضاع الانتفاضة الشعبية والتظاهرات - د. عبد الكاظم العبودي

لا للوصاية ... ولا للولاية ... ومليون لا للتفويض
متابعة أوضاع الانتفاضة الشعبية والتظاهرات
د. عبد الكاظم العبودي

تدخل تظاهرات شعبنا الأخيرة أسبوعها السادس على التوالي، وتتجلى لنا من خلال المتابعة والرصد لها إنها تواجه محاولات شرسة ومنظمة لأجل ترويضها والاندساس فيها وتقويضها تمهيدا للانقضاض عليها وتشتيتها بكل الوسائل القمعية. ولا شك إن حيدر ألعبادي، سيبقى ذلك الحصان الخاسر الذي يتعثر يوما بعد يوم بعد أن راهنت عليه بعض القوى المحلية والأجنبية ومنحته الفرص بدور أكبر من قدراته وطاقته الشخصية والسياسية.
ويخطأ من يظن إن حيدر ألعبادي محسوب على حمائم حزب الدعوة، تماما كما الذين ظنوه أحد الصقور، فهو لا يخلو أن يكون مجرد دجاجة عمياء وضعته الأقدار، كما وضعت نوري المالكي قبله حكاما على العراق.
لقد أثبتت فترة السنة المنصرمة منذ تولي حيدر ألعبادي انه عاجز تماما عن إجراء التغيير البسيط في مسار العملية السياسية الجاثمة كالكابوس على صدور أبناء العراق، فكيف وان مهمة الإصلاح المستحيلة يمكن أن يواجهها شخص بقدرات محدودة مثل حيدر ألعبادي. ولطالما إن ألعبادي هو جزء أساسي من منظومة الفساد الحكومي والإداري والسياسي والحزبي التي قادها حزب الدعوة بقيادة إبراهيم الجعفري ونوري المالكي على التوالي؛ فالرهانات عليه للنجاح في أية مهمة في أساسها ستكون ساقطة لا محالة.
وهنا تسقط فكرة المُخَّلص التي راودت أفكار البعض من قصيري النظر من المتابعين لشؤون الوضع السياسي والاجتماعي العراقي، طالما أن حيدر ألعبادي يمتلك هو الآخر مُخ لص، وليس برجل دولة أو قائد سياسي، فهو منذ أن تم توظيفه في أول حكومة نصبها الاحتلال وإدارة بول بريمر كوزير للاتصالات وترأس بعدها لجان المالية والنزاهة في برلمان ولد منذ اليوم الأول كسيحا .وعندما حانت لحظة سقوط المالكي المحتومة وارتفعت المطالب بها شعبيا ودوليا وإقليميا لم يجد الأمريكيون وحلفائهم الإيرانيون ،وهم على عجل، في إتمام صفقة التغيير المنتظرة، أين تم جمع الرؤوس الثلاث ( فؤاد معصوم وسليم الجبوري وحيدر ألعبادي) في أحدى غرف السفارة الأمريكية ببغداد ليتم إعلان اختيار حيدر ألعبادي رئيسا للحكومة، رغم علم الجميع إنه احد مشرعي الفساد واحد أهم أذرع نوري المالكي وقيادة حزب الدعوة.
أما طاقم حكومته وبرلمانه فأنهم مجموعة غارقة في بحر الفساد والآثام والخيانة الوطنية غارقين في صفقاتهم من أخمص أقدامهم إلى أطراف آذانهم، إذن أضافت الولاية السياسية على الحكومة لحيدر ألعبادي مفسدة وصفقة أخرى وجريمة لا تغتفر جرت على حساب تطلعات وآلام أبناء شعبنا ومأساته الوطنية، وتكريسا لإدامة واستمرار العملية السياسية الكسيحة، ولا مجال يرتجى هنا أن تصلح عصابة من كبار الفاسدين وحفنة من اللصوص ومقترفي الآثام السياسية الكبرى شيئا من الإصلاح أو التغيير في أحوال العراق المتدهورة.
وعندما بلغ السيل الزُبى، واستمرت دار لقمان على حالها، وظل المالكي وعصاباته الطائفية، ومن خلفهم حيدر ألعبادي يتنقلون من امتياز حكومي إلى آخر، ويكرم المجرم نوري المالكي ليصبح نائبا لرئيس الجمهورية من غير حق دستوري، ضامنا لنفسه حصانة وهمية يرجو منها أن تحميه من المتابعات القانونية عن كل الجرائم التي ارتكبها بحق العراق، وبات المالكي ورهطه يرمون كامل أوراقهم بانتهازية مُقرفة ليضعون مصيرهم بيد خامنئي طهران ووكيله في بغداد قاسم سليماني راضين صاغرين بمبايعة ولاية الفقيه التي كان يرفضها حزب الدعوة منذ تأسيسه، قابلين بما يملى عليهم من مرجعية قم الأولى وتعليمات حكام طهران، مما ثار من حفيظة المرجعية السيستانية الفارسية الثانية في النجف وإتباعها وخوفهم من مسار وتدهور الأمور في العراق التي باتت تفلت تدريجيا من زمام التحكم من أيدي الائتلاف الطائفي ألصفوي الحاكم؛ خصوصا بعد سقوط الرمادي وتعاظم العجز المالي وتفريغ ميزانية الدولة تماما في جيوب الحاكمين، وتجلت أيضا في محاولات أطراف الائتلاف الطائفي لحل بقية الجيش وإحلال المليشيات التابعة لهم، وبما سمي بالحشد الشعبي الذي بات يبيع ولائه للمالكي وحليفه هادي العامري، وطفت على السطح ولمرة واحدة، كل تناقضات الحكم وصراعات السلطة، وباتت رياح التغيير تأتي هذه المرة من ناحية الجماهير الغاضبة التي انتظرت 13 سنة وعانت من عبث الحكام الجدد ومن تسلط هذا الائتلاف الطائفي المتآمر على حقوق الشعب ، ومنها بدأت الجماهير تخرج وتكسر حاجز الخوف وحالة الترقب والانتظار بعد أن فقدت كل شئ ، ولا يوجد هناك لديها ما تخاف أن تخسره، بما فيها أرواح الناس التي باتت رخيصة بيد الاستبداد الحاكم، فكان الشارع هذه المرة طريقا نحو الانتفاضة والثورة.
يخطأ من يظن إن المرجعية الفارسية في النجف بعيدة عن متابعة الحدث وهي تختلي في جحورها، خصوصا أن أصوات المظاهرات تصل أسماعها في كربلاء والنجف وبابل وسائر مدن الجنوب، وهي عندما تحاول ركوب الموجة وبحذر شديد أوعزت إلى أتباعها بتطبيق نظرية ( خسارة شئ أفضل من خسارة كل شئ) فعبرت عبر أبواقها الإعلامية ومنابرها عن توجهاتها وتعليماتها القديمة الجديدة بآليات وخطاب إعلامي تحريضي نسبيا، محاولة امتصاص الغضب الجماهيري وتوجيهه كما تريده هي لا كما يريده الشارع المنتفض، وعملت على مبدأ كسب الوقت، وعبر خطب الجمعة التي تولى أمرها وكلاء المرجعية، وخلفهما البغدادية قناة عون حسين الخشلوك ، وبالتناغم مع كل من توجيهات كل من الصافي والكربلائي كل جمعة ليطلب من الجماهير المنتفضة منح ألعبادي حق التفويض في التغيير والإصلاح، وبما يمكن القيام به من خطوات لا تتعدى المس بقشرة بيضة الحكم والسلطة السطحية التي باتت معرضة للكسر والانفلاش الكلي.
قضية تفويض حيدر ألعبادي لم يقدمها شعبنا أبدا، بل سَرَّبَها أتباع المرجعية وحلفاء ألعبادي إلى ساحات التظاهر، وشعار التفويض مرفوضا منذ البداية، إدراكا من شعبنا بأن ألعبادي كان ولا زال جزءا أساسيا من منظومة حزب الدعوة العميل. وعندما بدأ ألعبادي يلعب على عامل الزمن، تاركا للغرف السوداء وأجهزة القمع الفرصة تلو لتصفية الانتفاضة وبالتنسيق مع سليم الجبوري وبسكوت وغياب فؤاد معصوم تماما عن مسرح الأحداث.
بعد مرور الجمعة الخامسة على التظاهرات بدا للمتآمرين إنهم تمكنوا من ترويض قطاعا واسعا من الجماهير وربطها بعادة التظاهر كل جمعة والاكتفاء برفع الشعارات الثانوية والمطالبة بعزل بعض المسئولين من صغار اللصوص والمرتزقة على مستوى المحافظات والتركيز على السيطرة على تظاهرات بغداد ومنعها من الوصول إلى حالة الحشد المليوني، باحتجاز الجماهير المحتشدة بين ساحة الفردوس وساحة التحرير إلى وقت ما ومنع المنافذ والطرق والجسور التي تصل إلى المنطقة الخضراء.
وما لم تكسر الجماهير المنتفضة الحلقة الثانية من دائرة الخوف برفع شعاراتها الجذرية بإسقاط العملية السياسية برمتها رافضة بشكل صريح وواضح وبصوت عال مبدأ الولاية لإيران ولخامنئي وأتباعه على شؤون العراق، ورفض شعار الوصاية على شعبنا من قبل أركان العملية السياسية وما يطرح من قضية التفويض لأحد أبرز لصوص العملية السياسية ممثلا بحيدر ألعبادي، هذا الحصان الخاسر والعاثر والعاجز عن انجاز وإخراج مسرحية التغيير والإصلاح، طالما أن جميع اللصوص وحيتان الفساد يصولون ويجولون وينقلون أموال السرقات وثروات العراق إلى بيروت وطهران ومنها إلى بنوك العالم، وهم يتمسكون وبكل صلافة بنفس الحكومة الفاسدة إلى حد النخاع وبوجوهها الكالحة.
باتت المظاهرات، وحسب وصف الكثير من المشاركين فيها، حالة مقلقة، وهي تعيش ما بين تسلط القمع والمضايقات على الكثيرين من نشطائها، تكشر المليشيات عن أنيابها بوضح النهار بظهورها العلني في أكثر من تظاهرة، وفي أكثر من محافظة من جهة، وبمسمى ( الحشد الشعبي المدني) الحامل للسكاكين والأسلحة البيضاء في ساحات التظاهر، ويتم استعراض قوى المليشيات سلاحها بتأديبها لقطعات الجيش من قيادة بغداد وتواجه الفريق ألشمري بالرصاص خاطفة عدد من جنوده عندما حاول الأخير افتكاك الرهائن الأتراك المخطوفين بشارع فلسطين ليلة أول أمس، وفي الوقت الذي استمرت به الاغتيالات والاعتقالات يتصلب اللص الأكبر ومشرع الفساد المجرم مدحت المحمود للبقاء عنوة وبصلافة قلَّ نظيرها على مجلس القضاء لكسر إرادة الجماهير المطالبة باستقالته. ويجري العمل وبشكل مدروس على دفع جزءا من التظاهرات نحو الانكفاء والانعزال عن ساحات المدن الرئيسية بتوجيه جزء هاما من طاقتها نحو ملهاة الاعتصام ببنايات الوزارات ومؤسسات الدولة، انتظارا لعزل الفاسدين من طواقم إداراتها ومنعهم من العمل والدوام، من دون تعيين أي بدائل لهم، طالما إن الحكومة مغيبة تماما عن السيطرة على وزاراتها وقطاعاتها وخوف الوزراء من الخروج من أسوار المنطقة الخضراء والوصول إلى موظفيهم .
ويجري العمل على تحريف شعارات التظاهرات في الجمعة القادمة بالعودة إلى طرح تلك الاسطوانة المشروخة بإعادة الاعتبار لقوانين الاجتثاث واتهام البعث وحلفائه بقيادة التظاهرات لتخويف نشطاء التظاهرات، والتلويح بتطبيق الاجتثاث حتى على سليم الجبوري وغيره بحجة وتهمة جديدة هي ( الخيانة العظمى) لأنه حسب لائحة موقعة من قبل 100 توقيع من نواب تحالف نوري المالكي، قد ذهب وحضر الخميس الماضي 3 سبتمبر / أيلول 20015 إلى العاصمة القطرية الدوحة، طبعا ذهب سليم الجبوري بعلمهم وبموافقتهم وبالتنسيق مع عمار الحكيم ونوري المالكي وحيدر ألعبادي وبقية الكتل للاستماع والتحاور حول مبادرة الحكومة القطرية والمجتمع الدولي حول مشاريع وأفكار مطروحة عن آليات ما لإجراء المصالحة الوطنية ووقف انهيار الأوضاع في العراق، في الوقت الذي لا يُحَّرم هؤلاء المعترضون على الزيارة، ولا يتهمون نوري المالكي وأمثاله بـ (الخيانة العظمى)، وهم يجتمعون ليل نهار في رواق ولاية الفقيه بطهران بعد منحوا خامنئي طهران حق تلك الولاية، وهم يحتمون تحت عباءته الفارسية، ويتسلحون ويحاربون شعب العراق بقمع فيلق القدس، ويضعون حشدهم من كافة المليشيات تحت إمرة وقيادة قاسم سليماني بشكل صريح وعلني.
الجمعة القادمة وما بعدها ستصل التظاهرات والحراك الشعبي إلى مفترق الطرق، والطلاق النهائي لمن يرومون تدجين الجماهير والتطبيع مع حكومة حيدر ألعبادي، فالسقوف الزمنية التي منحت للعبادي تجاوزها السيل والغضب وصبر الجماهير، و ما لم تُجَّذر الانتفاضة مسارها وطرح شعاراتها بقوة وتخرج عن أزمان وتوقيتات وتعليمات وأيام جمعة المرجعية السيستانية في النجف ووكلائها فإنها ستنتكس أو تتأخر في الوصول إلى أبواب المنطقة الخضراء وإسقاط العملية السياسية.
على الجماهير أن تعلن للعالم بشعارات وبصوت موحد وقوي وواضح و بعيدا عن كل ديموغوجيات الإصلاح عن حقها باسترجاع الحرية وتعلن عن الإرادة الكاملة لأجل تحرير العراق، بلا تفويض لأحد، سوى وصاية الشعب العراقي المالك الوحيد لحق تقرير مصيره بيده وبقيادة قواه الثورية ومقاومته الوطنية وإسقاط ولاية الفقيه في العراق وإسكات تلك الأصوات الداعية إلى ما ما يسمى التفويض للعبادي الذي تمنحه له أصوات المرجعية الفارسية ووكلائها وأبواقها الإعلامية الناعقة مقابل صفقات مشبوهة لا تخلو من فساد أخلاقي وسياسي، وهي تشوه صورة المطالب الشعبية وتعمل على تمييعها باتجاه مطالب فرعية وجهوية محلية صغيرة وحتى صراعات شخصية أحيانا ضد هذا العنوان أو ذاك، تفتعلها أطراف الائتلاف الحاكم في مجالس المحافظات، بحكم صراعاتهم وتهالكهم على الامتيازات والصفقات والمحاصصة، تاركة لعش الدبابير وخلية الأزمة الفارسية تعمل وتخطط وتستفيد من الوقت الضائع من لعبة العملية السياسية للإجهاز على الانتفاضة.
وان غدا لناظره قريب



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا