>

كيف يتحول الفرد إلى ممارسة الإرهاب؟

د. قدرى حفنى

تعريفات الإرهاب عديدة تفوق الحصر، تتباين بتباين تخصصات أصحابها، ومواقعهم، بل ونياتهم أيضا؛
ولسنا بصدد الخوض فى عرض أو تفنيد تلك التعريفات. و لنتفق على تعريف محدد للسلوك الإرهابى يأخذ فى اعتباره تعدد التعريفات المطروحة، كما يضع فى اعتباره أيضا هوية الكاتب كمتخصص فى علم النفس السياسي:

«السلوك الإرهابى سلوكٌ اختياري، مخطط؛ يلحق أضرارا بالمدنيين، ويتضمن مخاطرة بحياة من يقوم به، و يكون إطاره التفسيرى من وجهة نظر صاحبه إطارا فكريا أو سياسيا أو عقائديا».

وغنى عن البيان أن لأنواع السلوك البشرى العديد من التصنيفات، ويعنينا منها فى هذا المقام تصنيف تلك الأنواع من حيث وعى صاحبها بها على مدرج يتراوح بين أقصى درجات الاضطرار أو الإجبار إلى أقصى درجات الحرية والاختيار، والسلوك الإرهابى هو فى جوهره سلوك اختيارى بل تتجسد فيه أقصى درجات الاختيار، بمعنى أن صاحبه إنما يقدم عليه بإرادته الحرة من البداية إلى النهاية. يستطيع إذا شاء ألا يختاره أصلا بل يستطيع - فى كثير من الأحيان - أن يقلع عنه فى أى لحظة قبل إتمامه حتى لو تعرض لخطر من جانب جماعته، فالخطر وارد على أى حال.

جيرولد بوست طبيب وأستاذ فى الطب النفسي، ومدير لبرنامج علم النفس السياسى بجامعة جورج واشنطن بمدينة واشنطن العاصمة، وهو واحد من أبرز المتخصصين فى علم النفس السياسى والشئون الدولية وخاصة فى مجال الإرهاب؛ يشير بوست فى دراسة له بعنوان «الجذور النفسية للإرهاب» إلى أن ثمة فكرة منتشرة تقوم على أن الإرهابيين ليسوا سوى أفراد يعانون من اضطرابات نفسية خطيرة، باعتبار أنه لا يمكن لشخص على درجة من السواء النفسى أن يقدم على قتل ضحايا أبرياء باسم قضية ما، وأن يتحول بملء إرادته إلى قنبلة بشرية تودى بحياته قبل أن تصيب أحدا غيره.

ولكن الحقيقة العلمية التى يخلص إليها بوست فى مقاله المشار إليه هى أنه لا جدوى من البحث فى علم الأمراض النفسية الفردية لفهم سبب انخراط الناس فى الإرهاب، ويخلص إلى أننا لن نكون مبالغين إن نحن جزمنا بأن الإرهابيين أشخاص «طبيعيون» نفسيا، بل إن الجماعات والمنظمات الإرهابية تعزل من بين صفوفها الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية باعتبارهم يمثلون مخاطرة أمنية. وقد نشر بوست عام 2003 فى مجلة «الإرهاب والعنف السياسي» مقالا بالاشتراك مع زملائه بعنوان «الإرهابيون بنص كلماتهم: مقابلات مع 35 إرهابيا سجينا من أبناء الشرق الأوسط» ويشير المقال إلى أن اختيار الأفراد لطريق ممارسة الإرهاب يضرب بجذوره فى تنشئتهم الاجتماعية المبكرة التى غرست فيهم البذور الفكرية الأساسية اللازمة لتلك الممارسة، ووفرت لهم ممارسة «القتل باسم الله» وإعطاء أعمالهم مغزى مقدسا من قبل رجل الدين المتطرف، سواء كان آية الله، أو حاخاما، أو قسيسا. وبما أنهم «مؤمنون حقيقيون» يتقبلون تفسير رجل الدين المتطرف للكتب المقدسة دون جدال، فإنهم يقدمون على التضحية بأنفسهم وهم على يقين من أن ما يقدمون عليه ليس انتحارا.

ويتفق ذلك مع ما قال به جون هوجان وهو من أبرز علماء النفس السياسى المتخصصين فى دراسة ظواهر الإرهاب والعنف السياسي، و له كتاب صدر عام 2008بعنوان «الابتعاد عن الإرهاب: روايات عن التحلل من الارتباط بالحركات الراديكالية والمتطرفة» اهتم فيه برصد وتحليل ملامح أولئك الذين انغمسوا فى العمل الإرهابى ثم انسحبوا منه وأولوا ظهورهم له، معتمدا فى ذلك على مقابلات متعمقة أجراها مع عدد منهم، وخلص فيه إلى أن الانضمام إلى الشبكات الإرهابية وكذلك الخروج منها إنما يتأثر بالظروف المحيطة بالفرد بأكثر من تأثره بملامح شخصيته، وهى النتيجة التى سبق أن أبرزها هوجان فى مقال له أيضا نشر عام 2007 اختار له عنوانا مركبا بالغ الدلالة: «تلمس المنابع بدلا من محاولة التعرف على ملامح الشخصية الإرهابية: الطريق إلى التجنيد» يشير فيه إلى تقرير صدر عن مجلس العموم البريطانى بعد مرور أقل من سنة على وقوع أربعة تفجيرات انتحارية استهدفت مترو الأنفاق فى لندن فى 7 يوليو 2005، ورد فيه أن المعلومات المتوافرة عن مرتكبى الجرائم الإرهابية فى المملكة المتحدة لا تكشف عن وجود سمات مشتركة نمطية ثابتة تساعد فى تحديد من يمكن أن يكون معرّضا لأن يصبح إرهابيا، فهم ينحدرون من أصول عرقية متباينة، وقد حصل البعض على مستوى جيد من التعليم، فى حين حصل البعض على قدر أقل من التعليم، والبعض فقراء جدا، فى حين أن البعض الآخر أقل فقرا. وقد كان البعض مندمجا بصورة ملحوظة فى نمط الحياة الانجليزي، ولكن البعض الآخر لم يكن كذلك. و معظمهم من غير المتزوجين، ولكن البعض متزوجون ولهم أولاد. وتاريخ البعض يخلو من أى مخالفة للقانون، فى حين أن للبعض تاريخا فى ارتكاب الجرائم البسيطة. ويلاحظ هوجان ما انطوى عليه التقرير من إحساس بالإحباط بسبب الفشل فى التوصل إلى تحديد سمات مشتركة ثابتة بين شخصية الأفراد الذين تم تجنيدهم لارتكاب تلك الأعمال الإرهابية التخريبية.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اقرأ أيضا