>

كردستان: عدل الزمان مع تركيا وإيران - د. نصر محمد عارف

كردستان: عدل الزمان مع تركيا وإيران
د. نصر محمد عارف

السياسة اليوم هى التاريخ غدا، فما يقرره الحكام والقادة فى يومهم، يصنع التاريخ فى قادم الأيام، وللأسف هذا الفهم لا يلامس عقول الكثيرين من السياسيين، أو المهتمين بالشأن السياسي، إذ الغالب الأعم يتعاملون مع الشأن السياسى بنفس منطق الأسواق الشعبية المؤقتة التى تحكمها الشطارة والفهلوة وخداع «الزبون» وبيع الوهم والبضاعة الفاسدة أو المفسدة، ويظنون أن السياسة مهارة وشطارة وربح سريع، ويغفلون عن مفاعيل التاريخ وأفاعيله، ومن هؤلاء أردوغان وفريقه، و«بيت الرهبة» الذى يحكم إيران من مقر المرشد الأعلى - الحكام فى إيران وتركيا، أو إن شئت فقل الفرس والروم، أو العثمانيين أوالصفويين أداروا الشأن السياسى مع قبائل العرب: المناذرة المعاصرون فى العراق، والغساسنة المعاصرون فى الشام، بنفس سياسة الفهلوة والشطارة والخداع المستمرة.ثم انفجرت فى وجوههم المسألة الكردية التى لم يحسبوا لها حسابا، والتى ستربك كل حساباتهم مما يخفف من غلواء شراستهم تدميراً وتمزيقاً فى المجتمعات العربية.

إيران ظلت تستغل المسألة الكردية نكاية فى صدام حسين، وانتقاما من العراق تحت وطأة خسائر الحرب العراقية الإيرانية، ولا يوجد حتى اليوم دليل قاطع يبرئ إيران من مأساة حلابجة وما حدث فيها من استخدام للسلاح الكيمياوى فى مارس 1988، ثم نجحت فى الاستيلاء على العراق بعد أن قام الشيطان الأكبر حسب وصفهم بإسقاط حكم حزب البعث، ومعه إسقاط الدولة العراقية، وتفكيك موسساتها، وتسليمها لمواطنين إيرانيين كانوا يحملون الجنسية العراقية سابقاً، إيران هى التى وظفت المرجعية الدينية فى النجف لتسهيلها دخول الأمريكان، وإلجام أحرار الشيعة فى الجنوب الذين لم يسمحوا طوال تاريخهم لمستعمر أن يمر بأرضهم إلا على أجسادهم، إيران هى التى قضت فعليا على الدولة العراقية، وتركتها أشلاء دولة بحيث يستطيع عدة مئات من داعش هزيمة جيش العراق، فتنهض المرجعية لتشكيل ميليشيات طائفية اقتداء بالحرس الثورى الإيرانيةوبعد أن تهالكت الدولة العراقية كان من الطبيعى أن يحقق الأكراد حلمهم التاريخى فى النقطة الضعيفة فى دائرة المجتمعات الكردية وهى العراق.

تركيا بدورها شجعت الأكراد على مواجهة صدام حسين، وشجعتهم على استغلال هزيمته فى حرب تحرير الكويت؛ للمطالبة بالحكم الذاتي، ثم الحصول عليه عنوة تحت غطاء الحظر الجوى الذى يطبقه حلف الناتو والأمريكان من قواعده فى تركيا- تركياً هى من رعت مسعود برزانى، وشاركته فى اقتصاده الشخصى الرسمى وغير الرسمى طوال عقود، ووظفته لتخفيف أزماتها مع الأكراد فى جنوبها الشرقى - تركيا تدخلت فى العراق بحجج قومية عنصرية وهى حماية الأقلية التركمانية فى الشمال من كركوك إلى الموصول ومحيطها- تركيا بذلت كل ما تستطيع لتفكيك سوريا، والاستيلاء عليها قطعة قطعة، كما فعلت فى الاستيلاء على لواء الإسكندرونة (المحافظة السورية الخامسة عشرة) عام 1939- تركيا هى من سهل مرور كل التنظيمات الإرهابية إلى سوريا والعراق - مما أعطى للبشمركة الكردية دوراً، ووضعها فى المقدمة أمام جيش العراق، وأعطاها القناعة بأن جيش العراق ليس نداً لها، ولن يردعها- ومن ثم كان مسعود برزانى واثقا أن اللحظة التاريخية سانحة لتحقيق حلمه، وحلم والده الملا مصطفى البرزاني، وتوريث كردستان لابنه.

تكاتفت كل من تركيا وإيران على العراق وسوريا تدميرا وتفكيكا وإضعافا، لتحقيق الأحلام التاريخية للفارسية الصفوية، والعثمانية السلجوقية، على حساب العرب فى العراق وسوريا، ولم يكن فى حسابهم أن كل ما قاموا بهم سيصب فى مصلحة أعدائهم، وسيدفعون ثمنا باهظا؛ لأن التاريخ ليس تكية ولا جمعية خيرية - ما قامت به إيران فى العراق وسوريا واليمن لن يمر دون ثمن، لأن التاريخ لا يعرف البضاعة المجانية، قد يؤجل الدفعة.ولكن لابد من الدفع كاملاً مع الفوائد - وما قامت به تركيا وصبيانها فى قطر لتدمير وتفكيك سوريا؛ انتقاما من بشار الأسد الذى رفض مرور خط الغاز القطرى فى أرضه إلى تركيا ثم أوروبا، وما قامتا به فى ليبيا انتقاما من القذافى وتحقيقا لأحلام العظمة لن يمر دون ثمن - لأن التاريخ لا يعرف البضاعة المجانية، قد يؤجل الدفعة.ولكن لابد من الدفع كاملاً مع الفوائد.

إن قيام دولة كردية فى شمال العراق سيضع كلا من تركيا وإيران فى مأزق تاريخي، وسوف يدفعها للتركيز على الداخل، والخروج ولو جزئيا من العالم العربي، سيربك مشروع كل منهما فى بلاد العرب - لن تستطيع إيران تنفيذ مشروعها فى العراق وسوريا ولبنان واليمن كما كان قبل استفتاء كردستان، وبالتالى لن تستطيع تركيا الاندفاع نحو تحقيق حلم العثمانية الجديدة فى العالم العربي، سيخف ضغطها فى سوريا وليبيا وعلى مصر وفى فلسطين - وستخرج من الخليج العربي، لأن الداخل التركى سيحتاج إلى مجهود أكثر وتركيز أعظم.

يكفى أن نعرف أن الأكراد فى العراق 5 ملايين، وفى سوريا 2 مليون، أما فى إيران فالأكراد 10 ملايين، وفى تركيا 18 مليونا، وهنا يظهر بوضوح أن تحدى المسألة الكردية فى تركيا هو الأعظم والأشد خطورة، تليها إيران فالعراق وأخيراً سوريا. إن تحقق الحلم الكردى فى دولة مستقلة ممكن أن يبدأ من العراق، ولكن لن يقف قبل أن يتحقق فى تركيا، وهنا سيكون مشروع أردوغان فى إعادة الخلافة العثمانية عام 2024، منتهياً بتفكيك تركيا ذاتها. وتبقى حقيقة ينبغى أن نؤكدها وهى أن العالم العربى شهد فى بداية القرن الحادى والعشرين تفكك دولتين عربيتين هما السودان والعراق، فقد انفصل جنوب السودان وكون دولة مستقلة، وسينفصل أكراد العراق ويكونون دولة كذلك، وكلا الانفصالين والتفككين حدثا تحت حكم أحزاب تلبس عباءة الإسلام للإتجار بها وخداع الجماهير - البشير يحكم بشرعية تنظيم الإخوان السنى فى السودان - والعبادى يحكم بشرعية تنظيم الإخوان الشيعى فى العراق، فحزب الدعوة العراقى هو النسخة الشيعية من تنظيم الإخوان - هكذا أخبرنى المرحوم الدكتور طه جابر العلوانى أحد كبار مؤسسى الحزب الإسلامى الإخوانى فى العراق فى ستينيات القرن الماضى - إنجاز عظيم لمن يسمون أنفسهم الإسلاميين.



شارك اصدقائك


اقرأ أيضا