>

كان يا ما كان بغداد - ولاء سعيد السامرائي

كان يا ما كان بغداد
ولاء سعيد السامرائي
7 أكتوبر 2018


تعرّض النائب العراقي الأكبر سنا، محمد علي زيني، في كلمته في جلسة افتتاح أعمال مجلس النواب، لما وصلت إليه مدينة بغداد من إهمال وانعدام الخدمات، حتى غدت مراكزها وشوارعها مزبلة، ومكان قمامة وتلوث استحقّت على إثرها بجدارة المركز الأول لأسوأ مدينة في العيش، سنوات متتالية في العالم. وقد أثارت كلمة النائب الأكبر الذي عاصر بغداد عقودا سابقة حفيظة أحد نواب حزب الفضيلة (الطائفي)، عمار طعمة، الذي استنكر على المتحدّث ربط ازدهار بغداد في الماضي بخلفاء بني العباس، مثل أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد والمأمون، بحجة أنهم "كانوا خلفاء مستبدّين طغاة قتلوا أئمة آل البيت". وقال إنه، بكلامه هذا، ينتصف للمظلوم، وكلامه ليس طائفيا. وقد جوبه النائب بعاصفة كبيرة من الردود المستهجنة والغاضبة من كل العراقيين، وخصوصا من أبناء مدن الجنوب، المتظاهرين منذ أشهر، مطالبين بالخدمات الأساسية، وإصلاح منظومة الماء والكهرباء، وتشغيل العاطلين، وإنقاذ أكثر من 70 ألف مدني تسمّموا جرّاء المياه القذرة والمالحة التي تضخها الحكومة لمواطني أغنى مدينة عراقية، وأكبر مصدر نفطي يمتلكه العراق. ولعل أكثر الردود مرارةً جاءت من شابٍ عنون رده: حمية أم حماوة يا عمّار طعمة؟ قلبك الرقيق لم يعتصر لكلمة النائب على بغداد، بل تألمت عندما وصفها "بغداد الرشيد والمأمون"، ولم يعتصر قلبك للتجويع الممنهج الذي يتعرض له أبناء جلدتك في ذي قار، وأخص ذي قار كونك نائبًا عنها (إحدى محافظات الجنوب).
يستمر هذا النائب من أحزاب العملية السياسية الطائفية بخطاب عنصري بدأ مع الثورة الإيرانية التي سرقتها العمائم، ويتواصل في العراق حكوميا ومليشاويا منذ الغزو. ففي ثمانينيات القرن الماضي، وخصوصا في أوروبا، روّجت "نخب عراقية"، وبشكل واسع، دونيّة العرب
"كانت عاصمة العالم في البحث والدراسة في كل العلوم، عاصمة البحث في السماء والأكوان" والانتقاص منهم، مع التعظيم من شأن الحضارة الفارسية والفرس، وكانت هذه "النخب" تدافع مستميتةً لتبرير وقوفها مع إيران في الحرب ضد العراق، في المجالس وفي كتابات ومقالات في الإعلام، ومنهم من يتصدّر اليوم وزارات سيادية في العراق، لكنه ما يزال يعتبر دفاعه عن إيران واستصغاره العرب واجبا. وبعد جملة عمّار طعمة، جاءت كلمة وزير الخارجية، إبراهيم الجعفري، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يتخبّط في كلامه، وينسب إلى سرجون الأكدي الذي توفي قبل تأسيس بغداد بثلاثة آلاف سنة هذا القول وصفه لها بأنها "قبة العالم وأن من يحكمها يتحكم برياحها الأربعة".
هل يعرف طعمة أن أبو جعفر المنصور هو بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، فإذا عرف فهي مصيبة، لأنه يدّعي الدفاع عن آل البيت، والمنصور هو من هذا البيت، ولم يقتل أحدا منهم، لا هو ولا الرشيد ولا المأمون. وإن لم يعرف طعمة فإن القانون لا يسامح من لا يعرف به، خصوصا أنه نائب في البرلمان، فهو وكل من يستمر بهذا الخطاب من ساسة وأحزاب ممن أقسموا يمين الولاء للعراق ولشعبه يعتبر، بحسب القانون، شخصا يعمل لحساب دولة أجنبية ويستحق عقوبة. ليس ذلك فحسب، فمنذ احتلال العراق تدمّر هذه الأحزاب معالم بغداد ومدن العراق الكبرى، فقد حطّمت المليشيات الطائفية الإرهابية في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2005 نصب أبو جعفر المنصور الذي أنجزه الفنان الكبير خالد الرحال في السبعينيات. وتحت ضغط العراقيين، رمّمت أمانة العاصمة النصب بعد ثلاث سنوات. لكن جلال الصغير، وهو أحد عمائم التطرّف من قادة المجلس الأعلى، ومن أشد المدافعين عن احتلال العراق، ومن غلاة الطائفية وتجريف تاريخ العراق، هاجم، في خطبة جمعةٍ له في عام 2010 الخليفتين، المنصور والرشيد، وتجرأ على الانتقاص منهما، واتهمها "بقتل" جعفر الصادق، وهذه روايةٌ ضعيفةٌ تاريخيا. لماذا لا يهاجم الفرس، وابن ملجم الفارسي الذي قتل الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أم هناك مثقالان لمكياليْن؟ حتى وصل به الأمر إلى المطالبة بتغيير اسم بغداد. وتاليا، في عام 2012، جرفت جهات حكومية تمثال المنصور بشكل كامل، والتزمت أمانة العاصمة الصمت إزاء هذا الفعل المشين الذي ستتبعه في ما بعد أعمال مماثلة.
يا ساسة المنطقة الخضراء، ويا أحزابها الطائفية ومن تبعها، كيف لا تُربط بغداد بهؤلاء العظماء، بُناتها العمالقة وسبب ازدهارها وتفوقها، حتى غدت في عهودهم عاصمة العالم في الرياضيات والفلك والجغرافيا، ليس في التاريخ العربي الإسلامي فحسب، بل بتاريخ العالم أجمع. وجعل من بناء بغداد دولةً بالمعنى الحداثي للدولة اليوم.
كيف لا تُربط بغداد باسم مؤسسها الخليفة أبو جعفر المنصور؟ كيف لا يُذكر اسمه، وهو من أسّس بيت الحكمة في قصر الخلافة، وكان يشرف عليه بنفسه، ليكون مركزا للبحث والترجمة إلى اللغة العربية؟ كيف لا يُذكر المنصور، وفي ظل حكمه، نشطت الحركة العلمية، لتصل الحضارة العباسية إلى أوج عظمتها بعلمائها الذين ما زال العالم يذكرهم، مثل عالم النحو والعروض، الخليل بن أحمد الفراهيدي، والقاضي أبو يوسف في علم الفقه، والمسعودي واليعقوبي في الجغرافيا؟ كيف لا تُربط بغداد باسم المنصور، وهو فحل بني العباس هيبة وقوة، لبس الخشن، ورقع القميص ورعًا وزهدًا وتقوى، اتّصف بالشدة والبأس واليقظة والحزم والصلاح والاهتمام بمصالح الرعية وعرف بالثبات؟ كيف لا يُربط اسم بغداد بالمنصور، وهو المقتصد الحريص على خزينة الدولة في النفقات، حتى امتلأت بالأموال خزائنه؟ كيف لا يُذكر المنصور، وهو العادل في توزيع العطايا من دون إسراف، ومؤسس أعطيات أرزاق العمال؟
يا ساسة الخضراء، كيف لا تُربط بغداد باسم هارون الرشيد، وهو واسطة عقد الدولة العباسية، ومن أعلى شأنها قوة وازدهارا؟ هو القائل للغيمة: امطري حيث شئت، فإن خراجك لي. والقائل: من هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، إن الجواب ما ترى لا ما تسمع. والسلام على من اتبع الهدى. والقائل: كل ذهب وفضّة على وجه الأرض لا يبلغ ثمن نخلة البصرة؟ كيف لا يُربط اسم الرشيد ببغداد، وقد حكم دولة الخلافه المترامية الأطراف والمتنوعة وعمره 24 عاما، يطلب رضاه المشرق والمغرب من الصين إلى أوروبا؟ كيف لا يُربط اسم بغداد باسم الرشيد، وفي عهده، ارتقت العلوم، وسمت الفنون والآداب، وعمَّ الرخاء ربوع الدولة الإسلامية؟ كيف لا يُربط اسم بغداد باسم الرشيد، وقد ارتبطت شهرتها باسمه وباسم ألف ليلة وليلة حتى قيل إن من لم ير بغداد لم ير الدنيا؟
كيف لا يُربط اسم بغداد بالمأمون، وكانت عاصمة الرياضيات العالمية، عاصمة المعرفة
"بنى المنصور دولةً حديثة، وأنتم دمرتم دولة العراق الحديثة" والعطاء والتنوع المعرفي، كانت بمصافّ مدينة التكنولوجيا والاتصالات الجديدة "السيليكون فالي" الأميركية اليوم، حيث يؤمها الناس من كل العالم، من الصين إلى أوروبا يطلبون آلة الأسطرلاب (متنوعة الاستخدامات للوقت والفلك) التي تساعدهم في تحديد وجهات سفر قوافل التجارة، كانت بغداد عاصمة "الكومبيوتر" بلغة اليوم. كيف لا يُربط اسم بغداد بالمأمون، وكانت بغداد العلم في أثناء حكمه أغنى من بغداد النفط، لأنها كانت عاصمة العالم في البحث والدراسة في كل العلوم، كانت عاصمة البحث في السماء والأكوان، في اللامنتهي والمطلق.
يا ساسة الخضراء، كيف لا يُربط اسم بغداد بالمأمون، وفي عهده أمست أكبر مركز علمي وثقافي يقصدها طلاب العلم من مختلف أنحاء العالم، للدراسة في مدارسها وجامعاتها. كيف لا يُربط اسم المأمون ببغداد، وهو مؤسس بيت الحكمة، المكتبة العالمية للترجمة والعلوم والبحوث، يشرف عليها أحد أهم علماء العالم الذي يتردّد اسمه إلى يومنا هذا، الخوارزمي، صاحب كتب الجبر والرقم صفر والفلك والجغرافيا وخرائط العالم.
بنى المنصور دولةً حديثة، وأنتم دمرتم دولة العراق الحديثة. أضاء الرشيد بغداد بالقناديل أول مرة، وأنتم جلبتم الظلام للعراق. نشر المأمون العلم، وأنتم نشرتم اللطم والتطبير، وأرجعتم العراق قرونا إلى الوراء. وبينما كانت أمم ودول ترسل إلى هؤلاء الخلفاء رسلها تطلب الود، فتحتم حدود العراق للدول تخرب فيه ما تشاء من دون حساب.



شارك اصدقائك


التعليقات (0)

اترك تعليقك

اقرأ أيضا